مع اقتراب الشتاء... أوكرانيا تحذّر من ضربات روسية جديدة على قطاع الطاقة
إسرائيل أمام زلزال سياسي في واشنطن... وجوه جديدة تهدّد نفوذها في الكونغرس
لم تعد الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل داخل الولايات المتحدة محصورة بالجناح التقدمي للحزب الديمقراطي، بل بدأت تتوسّع لتشمل أصواتًا مؤثرة في اليمين الجمهوري، في تحوّل سياسي كشفت عنه نتائج الانتخابات النصفية الأميركية. وبين صعود مشرّعين يعارضون السياسات الإسرائيلية والمساعدات العسكرية الأميركية، وتصاعد الانتقادات للحرب على إيران، تجد إسرائيل نفسها أمام مشهد جديد في واشنطن، تتراجع فيه المسلّمات التقليدية بشأن طبيعة الدعم الأميركي ومستقبله.
وبحسب تقرير للصحافي آراد نير، نشره موقع "القناة 12" الإسرائيلية، مساء أمس الخميس، فإن نتائج الانتخابات النصفية عزّزت حضور التيار التقدمي في الكونغرس، وأوصلت إلى واشنطن شخصيات سياسية اشتهرت بمواقفها الحادة تجاه إسرائيل والمساعدات التي تتلقاها من الولايات المتحدة.
وأشار التقرير إلى أن التحدي لا يقتصر على الديمقراطيين، إذ بدأت تتزايد أيضًا داخل الحزب الجمهوري أصوات تدعو إلى إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، ما يضعها أمام واقع سياسي أكثر تعقيدًا، رغم استمرار وجود عدد كبير من حلفائها في الكونغرس.
ولعلّ أحد أبرز المشاهد التي عكست هذا التحوّل جاء من السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، أحد أبرز رموز اليسار التقدمي الأميركي، الذي احتفل بنتائج الانتخابات عبر نشر مقطع مصوّر بدا أشبه بإعلان ترويجي لفيلم سينمائي، مستعرضًا الوجوه الجديدة التي ستنضم إلى الكونغرس.
وبالنسبة إلى إسرائيل، فإن عددًا من هذه الأسماء ليس مجهولًا، بعدما برز خلال الحملات الانتخابية بسبب انتقاداته الشديدة للسياسات الإسرائيلية.
وكان عبدول السيد، المرشح الديمقراطي الذي فاز بمقعد مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، من أبرز الوجوه التي استحوذت على الاهتمام خلال احتفالات التقدميين، بعدما نجح في إبقاء المقعد بيد الحزب الديمقراطي.
وخلال خطاب إعلان فوزه، استخدم السيد تعابير باللغة العربية، وقال: "الليلة نستطيع تحويل إن شاء الله إلى الحمد لله"، في إشارة إلى الانتقال من الأمل بتحقيق الفوز إلى الاحتفال بتحققه.
لكن أهمية نتائج الانتخابات لم تتوقف عند فوز السيد، إذ أظهرت بيانات عُرضت عقب الاقتراع ارتفاع عدد أعضاء الكونغرس المحسوبين على اليسار التقدمي في مجلسَي النواب والشيوخ من 24 عضوًا في الكونغرس المنتهية ولايته إلى 36 عضوًا في الكونغرس الجديد.
وفي الدائرة الأوسع لليسار داخل الحزب الديمقراطي، ارتفع عدد المشرّعين من 135 إلى 163 عضوًا، وفق أرقام لم تُحسم نهائيًا بعد، لكنها تشير إلى تنامي حضور هذا التيار داخل المؤسسة التشريعية الأميركية.
ولا تعني هذه النتائج بالضرورة أن جميع المنتخبين الجدد يتبنون المواقف نفسها تجاه إسرائيل، أو أن الحزب الديمقراطي بكامله غيّر توجهاته، إلا أن الانتقادات الموجّهة إلى إسرائيل والتدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط احتلت موقعًا بارزًا في الحملات الانتخابية لعدد من المرشحين الفائزين.
وفي ولاية تكساس، التي احتفظ الجمهوريون بمقعدها في مجلس الشيوخ طوال نحو 3 عقود، حقّق الديمقراطي جيمس تالاريكو فوزًا لافتًا.
وكان تالاريكو، وهو قسّ شاب، قد عبّر خلال حملته الانتخابية عن معارضته للحرب في قطاع غزة، وانتقد الدور الأميركي فيها.
وقال: "إن رؤية ما يحدث في غزة تصيبني بالغثيان بصفتي قسًّا ومسيحيًا وإنسانًا".
وأضاف: "إن دور بلادنا في هذا القتل يجعلني أشعر بأنني شريك في المسؤولية، وأعتقد أن على جميع الأميركيين أن يشعروا بذلك".
وفي فيلادلفيا، فاز كريس راب بعضوية الكونغرس، بعدما شارك خلال حملته الانتخابية في تظاهرات معارضة للمساعدات الأميركية لإسرائيل.
كما وجّه راب انتقادات حادة للمواجهة العسكرية مع إيران، معتبرًا أن إسرائيل والرئيس دونالد ترامب يتحملان مسؤولية الهجمات التي أدّت إلى سقوط ضحايا مدنيين في الأراضي الإيرانية.
أما في ولاية نيوجيرسي، فقد حقّق الطبيب العسكري آدم حماوي فوزًا انتخابيًا أوصله إلى الكونغرس، بعدما اكتسب اهتمامًا واسعًا على خلفية مشاركته في علاج الجرحى داخل قطاع غزة خلال الحرب.
وحماوي، الذي سبق أن عمل طبيًا في مناطق نزاع متعددة حول العالم، وصف تجربته في غزة بكلمات تعكس حجم المأساة الإنسانية التي شاهدها.
وقال: "لقد رأيت الحرب في العراق، ورأيت الحرب في البوسنة، ورأيت الحرب في سوريا".
وأضاف: "لكن ما كنت أراه يوميًا في غزة كان أعدادًا كبيرة من المصابين الذين يصلون لتلقي العلاج، وكنا مضطرين كل يوم إلى اتخاذ قرارات بشأن من سيعيش ومن سيموت".
وبينما تحوّلت الحرب في غزة إلى قضية أخلاقية بالنسبة إلى عدد من المرشحين الأميركيين، أدخلت المواجهة العسكرية مع إيران النقاش حول الشرق الأوسط إلى صلب الاهتمامات اليومية للناخب الأميركي.
ومع تصاعد تأثير الحروب الإقليمية في الحياة السياسية الأميركية، اشتدّ الجدل بشأن حجم الأموال والموارد التي ينبغي لواشنطن تخصيصها لإسرائيل، وما الذي تحصل عليه الولايات المتحدة في المقابل.
ومن أبرز المؤشرات إلى هذا التحوّل، التغيّر في طريقة تعامل بعض المرشحين مع لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية "أيباك"، إحدى أبرز جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل في واشنطن.
فالمنظمة التي عملت طوال سنوات على تعزيز العلاقات الأميركية الإسرائيلية أصبحت تواجه انتقادات متزايدة داخل قطاعات من الحزب الديمقراطي، إضافة إلى بعض الأوساط اليمينية.
وفي حين كان دعم "أيباك" يُعدّ سابقًا مكسبًا سياسيًا مهمًا لمرشحين كثر، بات بعضهم يحرص على إبراز ابتعاده عنها.
وقال أحد المرشحين خلال حملته: "لم أحصل يومًا على أموال من أيباك، ولا أنوي الحصول على أموال منها في هذه الحملة".
أما مرشح آخر، فوجه رسالة ساخرة إلى المنظمة التي اتهمها بإنفاق 42 مليون دولار ضد معسكره، قائلًا: "شكرًا لكم لأنكم منحتموني فرصة هزيمتكم مرتين".
ولم تعد الانتقادات الموجّهة إلى "أيباك" مقتصرة على تأييدها إسرائيل، بل امتدت إلى اتهامات بأن نشاطها يخدم مصالح الصناعات الدفاعية الأميركية من خلال تشجيع استمرار المساعدات العسكرية وصفقات شراء الأسلحة.
ومع ذلك، لا تنظر جميع المنظمات الأميركية المؤيدة لإسرائيل إلى صعود اليسار الديمقراطي باعتباره تطورًا سلبيًا.
فقد أعربت منظمة "جي ستريت"، التي تعرّف نفسها بأنها مؤيدة لإسرائيل وتدعم الحلول والتسويات السياسية، عن ارتياحها لنتائج الانتخابات.
وقال مسؤولون في المنظمة: "نعتقد أن هذا سيكون الكونغرس الأكثر تأييدًا لإسرائيل على الإطلاق".
وأضافوا: "بالطبع، تعريفنا للتأييد لإسرائيل ليس التعريف الذي يعتمده نتنياهو، لكنه بالتأكيد كونغرس يمكن أن يساعد دولة إسرائيل على الوصول إلى السلام والتسويات السياسية والأمن".
ويعكس هذا التباين خلافًا آخذًا في الاتساع داخل الأوساط الأميركية التي تعرّف نفسها بأنها مؤيدة لإسرائيل، بشأن المعنى الفعلي لهذا التأييد، وما إذا كان ينبغي أن يتمحور حول تعزيز التحالف العسكري أو تشجيع التسويات السياسية وانتقاد سياسات الحكومة الإسرائيلية.
غير أن التحوّل السياسي الأبرز لا يرتبط فقط بصعود التقدميين داخل الحزب الديمقراطي، بل بظهور مواقف مشابهة في أجزاء من اليمين الأميركي.
وفي هذا السياق، برز اسم نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، الذي أثارت مواقفه بعد هزيمة الجمهوريين في الانتخابات النصفية نقاشًا بشأن مستقبل العلاقات مع إسرائيل واحتمال استعداده لخوض الانتخابات الرئاسية عام 2028.
فقد نشر فانس موقفًا انتقد فيه الحرب على إيران ودعا إلى إعادة النظر في العلاقات مع إسرائيل، ما دفع وسائل إعلام أميركية إلى التساؤل عما إذا كان بدأ بالفعل التحضير لمعركة الوصول إلى البيت الأبيض.
وبحسب ما أوردته شبكة "فوكس نيوز"، يسعى فانس إلى تعزيز علاقاته مع ناخبي ترامب الذين أصيبوا بخيبة أمل، ولا سيما المنتمين إلى تيار "أميركا أولًا"، الذي يعارض انخراط الولايات المتحدة في الحروب الخارجية.
وهؤلاء الناخبون لا يعارضون بالضرورة ترامب شخصيًا، لكنهم يعتبرون أن إدارته ابتعدت عن جزء من التعهدات التي قدّمتها لهم.
أما مجلة "ذا أتلانتيك"، فذهبت أبعد من ذلك، ونشرت تحليلًا بعنوان "فانس 2028 بدأ بالفعل".
وبحسب هذا التحليل، يحاول نائب الرئيس تقديم نسخة من الترامبية تحافظ على المبادئ الأساسية للحركة، لكنها تبتعد عن القرارات التي أصبحت تشكّل عبئًا سياسيًا على الجمهوريين.
وفي المقابل، انتقد رئيس بلدية نيويورك زهران ممداني، المحسوب أيضًا على التيار التقدمي، موقف فانس من الحرب على إيران.
وقال ممداني ساخرًا: "هناك شيء مثير للسخرية في قراءة منشور لنائب الرئيس وكأنه يصف أفعال إدارة أخرى".
وأضاف: "يجب تحمّل المسؤولية عن حقيقة أن هذه حرب هم الذين بدأوها".
ولم يقتصر الانتقاد داخل اليمين الأميركي على فانس، إذ برز أيضًا الإعلامي المحافظ تاكر كارلسون، الذي أصبح من أبرز منتقدي ترامب في ملف العلاقات مع إسرائيل.
وقال كارلسون في موقف حاد: "اختار دونالد ترامب مصالح دولة أجنبية، هي إسرائيل، على حساب مصالح بلاده".
لكن هذا التوجّه لا يحظى بإجماع داخل اليمين الأميركي، إذ اعتبر مقال رأي نشرته صحيفة "نيويورك بوست" أن فانس يحاول تحويل إسرائيل إلى كبش فداء لتحميلها مسؤولية هزيمة الجمهوريين، بدلًا من التعامل مع الأسباب الأخرى التي أثّرت في النتائج، وفي مقدّمها ارتفاع كلفة المعيشة.
وفي موازاة هذا الجدل، قدّم السفير الأميركي لدى إسرائيل مايك هاكابي قراءة مختلفة للنتائج الانتخابية، خلال مقابلة أجراها الخميس مع برنامج "سبعة".
وأقرّ هاكابي، المنتمي إلى الحزب الجمهوري، بأن حزبه تعرّض لهزيمة كبيرة، لكنه رفض اعتبار أن العلاقة مع إسرائيل كانت بالضرورة السبب وراء ذلك.
وقال: "كانت ليلة سيئة للجمهوريين، ولا توجد طريقة أخرى لتقديم الأمر".
وأضاف: "خسرنا في ولايات لم نخسر فيها منذ عقود، وهذا جرس إنذار حقيقي".
ومع ذلك، شدّد على أن الخسارة الانتخابية لا تعني بالضرورة أن ترامب أصبح رئيسًا أضعف.
وفي ما يتعلق بمكانة إسرائيل في السياسة الأميركية، ميّز هاكابي بين الحزبين الديمقراطي والجمهوري.
وقال: "لا أعتقد أن دعم إسرائيل أصبح سامًا داخل الجناح المحافظ في البلاد، وبالتأكيد ليس داخل الحزب الجمهوري".
وأضاف: "لكنني أعتقد أنه أصبح أكثر سمّية بالنسبة إلى الديمقراطيين، وهذا أمر مقلق جدًا".
وذكّر بأن الديمقراطيين كانوا في بعض الأحيان، قبل نحو 3 عقود، أكثر تأييدًا لإسرائيل من الجمهوريين، معربًا عن أمله في أن تبقى العلاقات الأميركية الإسرائيلية موضع توافق بين الحزبين.
ولا تنحصر التغيّرات المطروحة في المواقف السياسية، بل تمتد إلى طبيعة المساعدات الأميركية لإسرائيل ومستقبل التعاون العسكري والاقتصادي بين البلدين.
فقد كشف هاكابي أن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو طرح في السابق فكرة الانتقال التدريجي من علاقة تقوم على تقديم المساعدات إلى شراكة تعتمد بصورة أكبر على التجارة والمشتريات الدفاعية.
وقال السفير الأميركي: "نريد الانتقال إلى علاقة مختلفة، بحيث لا تبدو كأنها حزمة مساعدات، بل كعلاقة تجارية".
وأوضح أن جزءًا كبيرًا من أموال المساعدات الأميركية يُستخدم لشراء منظومات أسلحة مصنّعة في الولايات المتحدة، ما يعني أن هذه الأموال تساهم أيضًا في دعم فرص العمل والصناعات الأميركية.
وتجري دراسة هذا التحوّل في إطار التحضير لمذكرة التفاهم الأمنية المقبلة بين واشنطن وتل أبيب، من دون التوصل حتى الآن إلى اتفاق بشأن الصيغة الجديدة للعلاقة.
ويعكس هذا النقاش محاولة متزايدة داخل الأوساط المؤيدة لإسرائيل لإعادة شرح الفوائد التي تجنيها الولايات المتحدة من علاقاتها معها، خصوصًا في ظل تصاعد التساؤلات عن جدوى استمرار المساعدات.
وفي قراءة أوسع لمستقبل العلاقات بين البلدين، برز موقف يعتبر أن الخطاب التقليدي القائم على التحالف الاستراتيجي والقيم المشتركة لم يعد كافيًا لإقناع الجمهور الأميركي.
وجاء في هذا الموقف الذي أورده التقرير: "إن الحديث عن التحالف الاستراتيجي والقيم المشتركة بين إسرائيل والولايات المتحدة لم يعد يجدي نفعًا".
وأضاف: "بالنسبة إليهم، لم تعد هناك قيم مشتركة، وسيتعيّن علينا ابتكار أسباب تجعل الأميركيين يرون أن من مصلحتهم البقاء معنا في المستقبل".
ورغم توسّع الحضور التقدمي وتصاعد الانتقادات داخل اليمين، يشير التقرير إلى أنه لا يزال من المبكر تحديد الشكل الذي ستتخذه العلاقات الأميركية الإسرائيلية خلال السنوات المقبلة.
فالكونغرس الجديد لا يزال يضم عددًا كبيرًا من المشرّعين المؤيدين لإسرائيل، فيما يواصل ترامب، الموجود في البيت الأبيض، تقديم التحالف معها باعتباره عنصرًا أساسيًا في سياسته الخارجية.
لكن المسألة التي لم تُحسم بعد تتعلق بكيفية تعاطي ترامب مع الكونغرس الجديد والانتقادات التي ستصدر عنه.
فقد تؤدي الضغوط الداعية إلى تقليص الانخراط الأميركي في الشرق الأوسط إلى التأثير في قرارات الإدارة، كما قد يختار ترامب مواجهة منتقديه والتشديد على التزامه بالعلاقات مع إسرائيل.
وبين صعود 36 مشرّعًا من التيار التقدمي، واتساع الجناح اليساري داخل الحزب الديمقراطي إلى 163 عضوًا، والانقسامات المتزايدة داخل الحزب الجمهوري، واقتراب المعركة الرئاسية عام 2028، تبدو إسرائيل أمام اختبار سياسي مختلف في واشنطن.
فالدعم الأميركي لإسرائيل لم يختفِ، لكنه لم يعد يحظى بالتوافق نفسه حول طبيعته وحدوده وأهدافه، ما يضع العلاقات بين البلدين أمام أسئلة سياسية واقتصادية واستراتيجية كانت، حتى وقت قريب، أقل حضورًا في النقاش الأميركي.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|