خامنئي للدولة: قرارات حصر السلاح "انقعوها"
مع آخر خيوط تشرين الأول، أصدر المرشد الإيراني بيانًا أقرب إلى التوجيه التعبوي والعملياتي الذي يُتلى عشية الحروب. المشهد بدا مكتملا: اجتماع مع القادة العسكريين الثلاثة: رئيس الأركان، وقائد الجيش، وقائد الحرس الثوري. وبيان يحدّد ركائز الاستراتيجية القتالية: عدم وجود قيود جغرافية للرد، وتحديث بنك الأهداف لاستهداف الأصول المادية وغير المادية للأميركيين والإسرائيليين، وتفعيل "وحدة الساحات".
ما يعنينا أساسًا هو إعادة مفهوم "وحدة الساحات" إلى الميدان كأداة عسكرية رئيسية ضمن هذا التوجيه الاستراتيجي. إذ ذاك، يمسي خامنئي وكأنّه يقول للدولة اللبنانية: قرارات حصر السلاح، المتّخذة في مجلس الوزراء من 5 آب، مرورًا بـ5 أيلول و2 آذار، "انقعوها". إزاء تحدّ جدّي وخطير من هذا العيار، ذي الطبيعة الانتحارية، ماذا بوسع الدولة فعله، خصوصًا أنّ إسرائيل سرعان ما ردّت على خطاب المرشد وأذرعه العسكرية عبر تسريبات نشرتها صحيفة "معاريف"، تتحدّث بشكل مباشر عن احتلال صور والنبطية وصولًا إلى صيدا، مع فرض حصار بحري على ميناءَي طرابلس وبيروت؟
في لبنان، ولا سيما في حقبة "جمهورية الطائف"، بالوصيَّين المتعاقبَين على قرارها، نظامَي الأسد والملالي، ثانيهما عبر "حزب الله"، بُنيت السياسة الداخلية على الإخضاع والاعتياد على التسويات غير المتكافئة. ناهيك عن "فوائض الوهم"، السمة المتورّمة في السنوات الأخيرة، والمتّصلة بالسياسة الخارجية، وركيزتها الأساسية "معالي الانتظار" من استحقاق إلى آخر: الانتخابات الأميركية الرئاسية والبرلمانية، والإسرائيلية، وما بينهما التعامل مع تيارات رياح النفوذ والتأثير بحسب معايير قوّتها.
ما حصل بشأن شحنة متفجرات "ضهر البيدر"، وطريقة تخريجها، من ناحية الادّعاء، وتوصيف المواد الجرميّة، يُظهر استمرار هذا النوع من التسويات. لكنها في مكان ما تختزن ضغطًا محسوبًا على "حزب الله" غير مولّد للانفجار، ريثما يبين "الخيط الأبيض من الأسود" في مصير نظام الملالي. وينسحب الأمر نفسه على التنظيمات المتناسلة من "الحزب"، وعلى سلاح المخيمات الفلسطينية بشقّها الممانع الممزوج بالتطرف الإسلامي.
بالنسبة للدولة، يغدو انتظار نضوج طبيعة التوازنات وشكلها الخيار الأقل كلفة، كما حصل مع المراكز الحدودية الحاكمة التي كانت تحت سيطرة "الجبهة الشعبية – القيادة العامة"، وسلّمتها للشرعية اللبنانية غداة سقوط نظام الأسد بأيام.
غير أن تحدّ من هذا النوع، لا يمكن التعامل بلغة التسويات اللبنانوية الكلاسيكية، لأنه يرتبط بقرار الدولة وكينونتها. فالجزء المتمّم في التوجيه الاستراتيجي لخامنئي لمفهوم "وحدة الساحات"، وغير المتداول كثيرًا، هو ربطها بإعادة تشكيل النظام السياسي والأمني في المنطقة، وإخضاع قرارات ساحات النفوذ لمتطلبات مركز القرار في إيران. وتاليًا فإن نجاح هذه الاستراتيجية، يعني أن هناك ثمن سنُلزم بدفعه لـ"الحزب" لا يقل عن إعادة الهيمنة على الدولة بأنماط أكثر وحشية، بعدما بات قرارها جزءًا من معركة يديرها آخرون.
يقابل فشلَ أو إسقاطَ هذه الاستراتيجية خياراتٌ إسرائيلية لا تقلّ وحشية، إذ إنّها لا تكتفي بتوسيع سيطرتها الجغرافية وتدمير البنية العمرانية والديموغرافية، بل تسعى إلى ربط الجنوبين اللبناني والسوري بمنظومة أمنها القومي. وبالتالي، إزاء هذين الخطرين المتضادّين، ما الخيارات المطروحة أمام صنّاع القرار؟
الركون إلى الانتظار الكامل ربما تكون كلفته باهظة بالنظر إلى ما يمكن أن يفرضه التغوّل الإسرائيلي من واقع جيوسياسي يستمرّ لسنوات، ويرتدّ على الدولة مع تعقيد المفاوضات. أمّا الضغط العسكري على "الحزب"، فترفضه راهنًا القوى الإقليمية الداعمة للسلطة السياسية، حيث الأولوية هي لنظام الملالي ذاته وليس لأفرعه. فيما تتوجّس السلطة السياسية من انفجار القلاقل الداخلية بما يوسّع من مدار الصراع وتكاليفه.
غير أنّ ذلك لا يحول دون زيادة الضغط المركّب والمحسوب على "الحزب"، سياسيًا وأمنيًا وقانونيًا، لتضييق هوامش التحرّك أمامه قدر الإمكان، وتقليص قدرته على تحويل البلاد إلى ساحة عملياتية مفتوحة بلا ضوابط، بانتظار توليد تسويات داخلية وفق ما تستقرّ عليه موازين القوى بعد هدوء العاصفة. هذه السياسة لا تمنع حربًا، لكنّها يمكن أن تخفّف من وطأتها وتحول دون شمولها الرئات التي يتنفّس منها لبنان.
سامر زريق-نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|