جنبلاط وموازنة الطائفة في ميزان الدولة
في بلد تُقاس فيه الزعامات بقدرتها على النجاة لا بحجمها، يتقن وليد جنبلاط معادلة صعبة: أن يحمي مصلحة طائفته من دون أن يضعها في مواجهة أحد. وليس هذا حياداً بارداً، بل هندسة سياسية دقيقة تقوم على مبدأ واحد: الطوائف الصغيرة لا تنجو بالرهان على طرف، بل بالبقاء في المنطقة التي لا يستهدفها فيها أحد.
لذلك تبدو مواقفه الأخيرة من الملفات الكبرى، من التفاوض إلى سلاح حزب الله، متحركة في الشكل ثابتة في الجوهر. فهو لا يرفض ولا يتبنّى بالكامل، بل يترك لنفسه مساحة تتيح له أن يكون جزءاً من أي تسوية مقبلة، لا ضحية أي صدام. ويقرأ الواقع الداخلي بوصفه حقل ألغام، فيختار أن يمشي فيه بخطى محسوبة بدل أن يندفع.
وهنا يلتقي مع الرئيس نبيه بري في قراءة المنطقة بكتاب واحد. فالرجلان، على اختلاف بيئتيهما، يتشاركان قناعة أساسية: أن الدولة ومؤسساتها هي المظلة الوحيدة التي تحمي الجميع، وأن القرارات المصيرية لا تُتخذ بمنطق الفريق الواحد. كلاهما يخشى أن يتحول لبنان إلى ساحة لتصفية حسابات الآخرين، وكلاهما يدرك أن الأقليات المتوسطة الحجم تدفع الثمن الأكبر حين تنهار التوازنات. من هنا هذا التقاطع الهادئ، الذي لا يحتاج إلى تحالف معلن، لأنه تقاطع في المصلحة قبل أن يكون تقاطعاً في الموقف.
ولا يمكن فهم هذا السلوك من دون العودة إلى ذاكرة الجبل. فجنبلاط ابن تجربة عرفت الحرب الأهلية عن قرب، وعرفت كلفة أن تتحول الجغرافيا إلى متراس. وهو يعرف أن الدرزية السياسية بلا عمق ديموغرافي واسع، وأن بقاءها مرتبط بقدرتها على أن تكون مفيدة لمن حولها: وسيطاً حين يلزم الوساطة، وصوتاً عاقلاً حين يعلو الضجيج، وحليفاً مرناً حين يتبدل ميزان القوى.
لكن هذه المرونة لا تخلو من ثمن. فخصومه يرونها تقلباً، ومنتقدوه يعتبرونها حساب ربح وخسارة بلا رؤية. والإنصاف يقتضي القول إن في الطرحين شيئاً من الحقيقة: فالمرونة قد تكون أحياناً فضيلة سياسية وأحياناً تهرباً من اتخاذ موقف. غير أن السؤال الأعمق والاوضح: "هل يحتمل لبنان زعيماً لا يتغير".
وفي النهاية، يوازن جنبلاط مصلحة طائفته على المستوى السياسي اللبناني، فلا يسمح لها بأن تكون في صدارة المواجهة، ولا بأن تكون خارج المعادلة. يريد لها موقعاً في قلب الدولة، لا على هامشها ولا في خندق أحد. وهذه، في بلد كلبنان، قد لا تكون أقل من استراتيجية بقاء مكتملة الأركان.
ليبانون فايلز - علاء الخوري
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|