الصحافة

"داعش": العلامة التجارية للاغتصاب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ما هذا التنظيم الرهيب الذي يتجاوز الضوابط والإجراءات الأمنية الصارمة في دول عديدة، ويتغلغل في المجتمعات، فيما ثمة تحالف دولي عريض تأسّس قبل سنوات لمواجهته، قائم على تبادل المعلومات الاستخبارية؟ كيف لتنظيم مبعثر أمنيًا وفكريًا وجغرافيًا أن يستعصي على هذا الكمّ من الأجهزة والتحالفات، حتى صار أشبه بكائن خارق لا يمكن احتواؤه؟

ليس مهمًا. المهم أن "داعش" عاد، أو بمعنى أدقّ أُعيد إلى الساحة. ذلك أن ثمة مراوغة في رصف السيناريوهات داخل قالب استخباراتي جامد، وكأنّ التطرّف جسد واحد، ومدرسة واحدة، تصبّ كلها في وعاء واحد اسمه اليوم "داعش"، وبالأمس "القاعدة"، فيما الواقع أن ثمة مدارس كثيرة باتجاهات وبيئات مختلفة، واختزالها جميعًا في داعش يمنح الجميع مشجبًا جاهزًا لتعليق ما يشاؤون عليه.

في جريمة "الكرك"، لم تنشر السلطات الأردنية أدلة علنية تثبت ارتباط المنفّذين بالتنظيم إيّاه، أو تبيّن وجود اتصالات تتجاوز الحدود، فضلا عن عدم تبنّي الجريمة بما يخالف طرائق عمل "داعش". ومع ذلك، جاء قصف درعا مصحوبًا بإصرار على رواية استهدافه، حيث يبدو أن عمّان توخّت تصدير الأزمة باتجاه سوريا، مستفيدة من حرص دمشق على سياسة احتواء التوترات، والتي بدت شديدة المبالغة.

غير أن الجذر الأصلي لهذا الإصرار يكمن في الهوية التي صدّرها نظام الأسد، المعبّرة عن سياسات استصغار ممنهجة وظالمة تجاه شعب يختزن إرثًا عريقًا، تُعدّ المرآة الطبيعية للطغيان والإيغال في الديكتاتورية، حتى صارت تهمة التطرّف جاهزة للاستدعاء، ولو اقتضى الأمر تلبيس هوية الإرهاب كيفما اتفق.

في لبنان مثلا، لا تزال تحصل اعتقالات، ولا سيما للعابرين في "مطار رفيق الحريري"، بتهمة الانتماء إلى "جبهة النصرة"، التي أعلنت تفكيك نفسها عام 2016، وتأسيس "هيئة تحرير الشام" بعد إدماج عدد من الفصائل والشرائح المجتمعية، وهي التي تتولّى حكم سوريا اليوم. 10 سنوات غير كافية لإجراء تحديث على المعايير الأمنية، أقلّه في المسمّيات.

في الموازاة، التقط "حزب الله" الرواية الأردنية بسرعة البرق، واندفع إلى تسويقها لتحقيق غايتين: تكريس صورة سوريا كحاضنة للإرهاب وتقويض الثقة بالدولة الجديدة، بما يدفع قادة وحلفاء نظام الأسد إلى مزيد من الارتهان له، فيما هو يبيعهم بـ "المفرّق". علاوة على إشاحة الأضواء والنقاش العام عن سلاحه، عبر إعادة نسج حكاية الإرهاب السنّي وأسبقية خطره على سلاحه ومتفجراته. وهي رواية تلائم أجهزة أمن لبنانية أدمنت هذا الصنف من الإرهاب، وتجد فيه مساحة مريحة تغنيها عن وعثاء معضلة سلاح "الحزب".

لكن، لو سلّمنا بـ"حكاية داعش" وخطوطها الدرامية، فنحن إزاء احتمالين: إما أن إيران وحزبها ومحورها، كما أجهزة أمنية عريقة وبطّاشة، عجزت جميعها عن مواجهة تنظيم منقسم على ذاته، أو أن استحضاره بات تكتيكًا سياسيًا أمنيًا أكثر فائدة.

وهنا تكمن مصلحة "حزب الله" في إعادة تنشيط "حكاية داعش"، لإطلاق حملة ضغط سياسية، تلقّفت مداهمة طرابلس، وتسريباتها التي تتجاوز "مطر تشرين"، وراحت تنفخ فيها لإحياء ذاك البعبع، وصولا إلى محاولة موازنة الصيغ بين متفجراته والمضبوطات لإقفال مسألة المجلس العدلي.

بينما تكشف المصادر أن الموقوفين الثلاثة يحملون فكرًا متطرّفًا، وكانوا قيد المتابعة منذ مدّة، لكن أيًا منهم لم يعترف بالانتماء إلى "داعش" أو غيره، ولم تثبت التحقيقات وجود نيّة إرهابية. أما الأسلحة المضبوطة التي صوّرتها ماكينة "الحزب" مرادفًا لترسانته، فيقول الموقوف الأساسي الذي ضُبطت عنده إنها تعود إلى مسؤول في تنظيم مرتبط بـ "سرايا المقاومة"، ولم يتسنَّ التحقّق من ذلك لكونه متوفّى. كما تبيّن المصادر أن الأسلحة مخزّنة منذ سنوات، من دون أن يصار إلى استخدامها أو الاتجار بها.

التحقيقات مستمرّة، لكن بين الفكر المتطرّف والانتماء التنظيمي مسافات لا يجوز القفز فوقها. إذ ذاك، تمسي "حكاية داعش" رواية جاهزة لتبرير الإخفاقات وإعادة ترتيب الأولويات. إنها عملية اغتصاب للعقول يصبح فيها اسم التنظيم علامة تجارية أوسع تسويقًا وانتشارًا من المنتج ذاته.

سامر زريق -نداء الوطن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا