لماذا الانقسام والحذر في العلاقة بين لبنان وسوريا؟
هنّأ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان "جهاز الاستخبارات السوري وجهازنا الوطني على جهودهم بالقبض على المجرم المسؤول عن دماء الأبرياء في بانياس والريحانية معراج أورال (علي كيالي)". ويُمثّل هذا التصريح أول إقرار رسمي تركي بالضلوع بعملية مشتركة مع المخابرات السورية لتنفيذ عملية خطف علي كيالي في بلدة المنصورية داخل الأراضي اللبنانية بما ينتهك سيادة لبنان وأمنه.
لم يصدر أيّ تعليق من السلطات اللبنانية على أيّ مستوى وتم تجاهل العملية برمتها، وهذا أمر لا يصبّ في مصلحتها أيّاً تكن اعتباراتها ومبرراتها، في الوقت الذي تتفاعل الأمور في الكواليس على خلفية ما تتركه هذه المسألة على مستويات عدة لجهة العلاقة مع تركيا التي زارها كل من رئيسَي الجمهورية والحكومة في الأشهر الأخيرة، كما على العلاقة مع دمشق التي تتفاوت إلى درجة كبيرة القرارات الداخلية حول طبيعة الانفتاح مع النظام الجديد فيها بين المرجعيات والمؤسسات اللبنانية.
أضف إلى ذلك ما يُثيره هذا الحادث وما تميّز به من خرق لسيادة لبنان وأمنه من تساؤلات وهواجس على الأرجح لدى "حزب الله" من مخاوف على عناصره أو قياداته مع تسليم سلاحه المفترض الى الدولة اللبنانية بالنظر إلى ما ارتكبه الحزب ضد السوريين دعماً للنظام السوري السابق بقيادة بشار الأسد. وهذه النقطة لا يجوز التقليل من اهميتها في سياق كل الاعتبارات التي تدفع من أجل إقناع الحزب بحتمية التخلي عن سلاحه لمصلحة الدولة اللبنانية، في وقت يتم اختراق امنها بالطريقة التي حصلت في المنصورية، علماً أنّ ذلك يدفع آخرين غير الحزب للخوف ايضا في ظل اعتبارات مختلفة.
الحماسة للانفتاح على سوريا الجديدة ليست هي موضوع النقاش على خلفية الاقتناع الراسخ بالمدى الحيوي الذي تُشكّله سوريا للبنان واعتبارات كثيرة معروفة يمكن أن يسهب بها كُثر تبريراً لأداء أو مقاربة معينة. ولكن ثمة تحفظاً أخرجه إلى الضوء أخيراً وليد جنبلاط بقوله إنّ بعض الأجهزة اللبنانية ترفض التعاون مع نظيراتها السورية. وهو يقصد بذلك جهاز الأمن العام برئاسة اللواء حسن شقير، وفق ما يقول البعض، نتيجة اعتبارات "درزية " في الدرجة الأولى والارتباك الذي يُثيره واقع السويداء من انقسامات في لبنان على المستوى الدرزي كذلك، الأمر الذي لا يمكن تعميمه كسياسة أو مقاربة من الأجهزة الأمنية.
إلّا أنّ ذلك لا ينفي في الوقت نفسه وجود انتقادات داخل المؤسسات على انفتاح واسع يتناول مستويات عدة من التعامل مع النظام السوري الذي حتى وهو يُشكّل نقيضاً كليّاً للنظام السابق، فإنّ ذلك يحمل محاذير على خلفية أمرين على الأقل:
- الأول أنّ العقلية لدى السوريين في شكل عام، حتى لو قيل الكلام السياسي العلني الصحيح وفق ما قاله في شكل خاص وزير الخارجية السوري اسعد الشيباني في أثناء زيارته لـ بيروت في الآونة الأخيرة، هذه العقلية متجذرة في سوريا وتقارب لبنان وواقعه من المنطلقات نفسها التي تجعل السوريين يتصرفون بفوقية مع لبنان من دون فوارق تذكر مع النظام السابق إنّما بقفازات مخملية وبحذر أكبر في إثارة نقزة لدى اللبنانيين من ممارسات سابقة. فسوريا لم تخرج بعد من هذه العقلية ولو إنّ إرادة أو نيات النظام الجديد قد تكون مختلفة كليّاً. وخطف المسؤول السوري السابق من المنصورية يُشكّل مؤشّراً خطيراً على هذا المستوى عبر تجاهل الأجهزة أو السلطات اللبنانية ككل.
- ثانياً أنّ المخاوف حقيقية على رغم وجود ضغوط متعددة لإعادة ضخ النظام السوري بكل المساعدة الممكنة من أن يقع لبنان في الفخ الذي كان فيه إبّان نظام الأسدَين مع اختلاف الفئات أو الأطراف المتحالفة معه عن السابق. وهو ما يفسر وجود اختلاف على المستوى السياسي نفسه وليس على المستوى بين الامني والسياسي، إزاء حجم وطبيعة التقارب مع سوريا وانتقادات تُساق في هذا الاطار ازاء تجاوز الانفتاح المحاذير المعروفة.
وهل انكشاف هذه الاعتبارات يُشكّل سبباً لعدم حصول زيارة رئاسية إلى سوريا أو العكس أيضاً؟ البعض يرى ذلك فيما أنّ الفرصة التي أُتيحت لكل من لبنان وسوريا بعد انهيار نظام الأسد ووصول عهد جديد في لبنان هي لإرساء قواعد صلبة وصحيحة لعلاقات متوازنة متساوية وصادقة من دون مواربة وعلى قاعدة ندية غير تبعية لسوريا طائفيّاً أو سياسيّاً. يجب الحذر إزاء ذلك بقوة من الجهتين في ظل مؤشرات لا يُعلَن عنها راهناً، ولكنها منذرة بامكان العودة إلى الانزلاق بسهولة في السياق السابق للعلاقات بين البلدين التي لا نقاش إطلاقاً في ضرورتها واهميتها وحتميتها كذلك من أيّ كان.
روزانا بو منصف ـ النهار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|