الصحافة

هذا ما حملته كالاس إلى بيروت

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا يبدو الحراك الأوروبي المتجدّد تجاه لبنان منفصلاً عن السباق الدولي على رسم ملامح المرحلة المقبلة، ولا سيما في الجنوب. فخلف عناوين الدعم المالي والعسكري، ومحاولات إظهار الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكاً مساعداً لا طرفاً متدخّلاً، تتقدّم هواجس أوروبية من خسارة ما تبقّى من نفوذ في الساحة اللبنانية لمصلحة الولايات المتحدة. وبين زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس إلى بيروت، والبحث عن بدائل لقوات اليونيفيل، تحاول أوروبا تثبيت حضورها في مرحلة تبدو فيها الكلمة الفصل لواشنطن، فيما لا تزال المبادرات الدبلوماسية أسيرة انتظار التطورات الإقليمية.

أفادت مصادر أمنية لـِ "المدن" بأنّ زيارة الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، إلى لبنان، جاءت تمهيداً لوصول بعثة أوروبية جديدة الشهر المقبل، تتولّى تقديم الدعم والمساعدة للجيش اللبناني والقوى الأمنية، من خلال مهام استشارية وبرامج تدريبية. وبحسب المصادر، من المقرّر أن تتمركز عناصر البعثة في ثكنات عسكرية ومراكز تدريب، ولن توجد في الجنوب اللبناني باعتبار أن دورها يقتصر على التدريب وتقديم المشورة والدعم للمؤسسات الأمنية والعسكرية اللبنانية من دون أي انتشار ميداني في المناطق.

دعم أمني يتجاوز حدود المساعدة

تسعى دول الاتحاد الأوروبي، سواء بصورة جماعية أو عبر تحرّكات منفردة، إلى إعادة تثبيت حضورها في لبنان، وإنْ تحت عناوين لا توحي بالضرورة بوجود طموحات سياسية تتجاوز إطار المساعدة. وفي هذا السياق، تكتسب زيارة كايا كالاس إلى بيروت دلالات تتخطّى الطابع البروتوكولي، خصوصاً أن تأكيدها أن الاتحاد الأوروبي موجود للمساعدة لا للتدخّل، يأتي في لحظة يتراجع فيها الهامش المتاح للأوروبيين للتأثير في مسار الملفات اللبنانية.

وتوضح مصادر أوروبية لـِ "المدن" أن زيارة كالاس جاءت بعد الموافقة على برنامج المساعدات الأوروبية المخصّص للأجهزة الأمنية اللبنانية، وقبيل انطلاق تنفيذه المرتقب مع نهاية العام الحالي. وهو برنامج يندرج، وفق الخطاب الأوروبي المعلن، في إطار تعزيز قدرات المؤسسات الأمنية والجيش اللبناني، استكمالاً للتوجّه الذي سبق أن أكّدت عليه سفيرة الاتحاد الأوروبي في لبنان.

لكنّ ما يتجاوز البرنامج الأمني هو محاولة الاتحاد الأوروبي الحفاظ على موقعه في المعادلة اللبنانية، في ظلّ انتقال الثقل السياسي والعسكري والدبلوماسي بصورة متزايدة إلى الجانب الأميركي. فالمساعدات، على أهميتها، ليست وحدها ما يشغل الأوروبيين، بل أيضاً الدور الذي يمكن أن يؤدّوه في ترتيبات المرحلة المقبلة، وتحديداً في الجنوب اللبناني.

ما بعد اليونيفيل: هواجس الفراغ والإقصاء

وفق معلومات "المدن"، أبدت كالاس خلال لقاءاتها في بيروت موقفاً واضحاً لمصلحة استمرار وجود قوة دولية في الجنوب اللبناني بعد انتهاء مهمة اليونيفيل، انطلاقاً من قناعة أوروبية بأن ترك المنطقة من دون أي آلية رقابة دولية قد يفتح الباب أمام مخاطر أمنية وسياسية إضافية.

غير أنّ هذا الموقف لا ينفصل عن هاجس آخر، يتمثّل في احتمال إقصاء الأوروبيين عن ترتيبات الجنوب، وترك إدارة هذا الملف للولايات المتحدة وحدها. فالاتحاد الأوروبي، الذي شكّلت دوله جزءاً أساسياً من الحضور الدولي في الجنوب عبر اليونيفيل، لا يريد أن يجد نفسه خارج المعادلة الجديدة، أو أن يتحوّل دوره إلى مجرّد مساهم مالي في ترتيبات لا يشارك في صياغتها.

وتشير المصادر إلى أن القلق الأوروبي لا يقتصر على النفوذ الأميركي، بل يشمل أيضاً احتمال لجوء دول أوروبية إلى مبادرات منفردة، من خلال إرسال بعثات أو قوات إلى الجنوب خارج إطار تنسيق مشترك مع مؤسسات الاتحاد. وهو ما قد يكرّس تشتّت الموقف الأوروبي، بدلاً من تحويله إلى قوة تفاوضية موحّدة.

من هنا، يفضّل الاتحاد الأوروبي تعزيز التعاون المباشر مع الدولة اللبنانية، والبحث عن صيغة تضمن استمرار الحضور الدولي بالتنسيق مع الأمم المتحدة، بعيداً عن المبادرات المتفرّقة التي قد تُضعف موقعه السياسي.

لكنّ ترجمة هذه الرغبة إلى ترتيبات عملية لا تبدو سهلة. فبحسب المصادر الأوروبية، ثمة محاولات للتواصل مع الأمم المتحدة واستكشاف الخيارات الممكنة لمرحلة ما بعد اليونيفيل، إلّا أنّها تصطدم، من بين عقبات أخرى، بغياب موقف لبناني عملي وواضح. وتعتبر المصادر أن لبنان لم يبادر بعد إلى تحديد مطالبه بصورة رسمية ودقيقة أمام الأمم المتحدة، على الرغم من المواقف التي أعلنها رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة بشأن ضرورة استمرار نوع من الحضور الدولي في الجنوب.

وهكذا، يبدو أن الأوروبيين يبحثون عن صيغة للحضور، فيما لم تتبلور بعد رؤية لبنانية مكتملة لطبيعة هذا الحضور وصلاحياته، أو لمدى انسجامه مع الدور المستقبلي للجيش اللبناني.

أوروبا تعرض خدماتها في زمن الانتظار

لا يمكن فصل التوقيت الأوروبي عن حالة الجمود التي تتحكّم بالمسار السياسي والأمني في لبنان. فالمفاوضات تبدو معلّقة على إيقاع أكثر من استحقاق إقليمي، من مسار العلاقة الأميركية ـ الإيرانية إلى الانتخابات الإسرائيلية، مروراً بالحديث عن اجتماع أمني في تامبا، وما قد يحمله من انعكاسات على الترتيبات المقبلة.

وفي هذا المناخ، تبدو زيارة كالاس محاولة لإيصال رسائل متعدّدة. أولها أن أوروبا لم تنسحب من لبنان، وثانيها أنها مستعدّة للاضطلاع بدور أكبر إذا أُتيح لها المجال، سواء من خلال المساعدات الأمنية أو المشاركة في بلورة تصوّرات للمرحلة المقبلة.

وقد أعلنت كالاس، خلال مؤتمرها الصحافي مع وزير الخارجية يوسف رجّي في 8 تشرين الأول، اكتمال التحضيرات لمهمة أوروبية جديدة لتدريب الجيش اللبناني وتقديم المشورة له، متوقعةً إقرارها رسمياً في اجتماع وزراء الخارجية الأوروبيين في 12 تشرين الأول. وشدّدت على أن المهمة ليست بديلاً من اليونيفيل، ولا تنحصر بالجنوب، بل تشمل تعزيز قدرات الجيش وقوى الأمن الداخلي.

لكنّ المسافة لا تزال واسعة بين الاستعداد الأوروبي للعب دور، والقدرة الفعلية على فرضه. فالمبادرة الأوروبية، وإن عكست رغبة في عدم ترك لبنان رهينة الانتظار، لا تعني بالضرورة امتلاك بروكسل الأدوات السياسية اللازمة لإحداث اختراق في الملفات العالقة.

ومع تراجع فاعلية القرار 1701 بوصفه إطاراً لضبط المواجهة، رغم استمرار مرجعيته القانونية، يبرز السؤال عن البديل الأمني والسياسي القادر على تنظيم الوضع في الجنوب. وهو سؤال تحاول أوروبا أن تحجز لنفسها موقعاً في الإجابة عنه، من دون أن تكون صاحبة القرار النهائي.

واشنطن تمسك بالخيوط

في المقابل، تبدو القراءة الدبلوماسية أكثر تشاؤماً حيال إمكان تحقيق أي اختراق قريب. وتعدّد المبادرات الأوروبية لا يغيّر كثيراً في ميزان التأثير. فواشنطن لا تزال الطرف الأكثر قدرة على التواصل مع إسرائيل والتأثير في حساباتها، فيما يحاول الأوروبيون إيجاد مساحة للتحرّك ضمن هامش تحدّده، إلى حدّ بعيد، الأولويات الأميركية.

وهنا تكمن المعضلة الأوروبية: الاتحاد يريد الحضور في لبنان، لكنّه لا يمتلك حتى الآن القدرة على تحويل حضوره إلى نفوذ سياسي موازٍ للنفوذ الأميركي. وهو ما يجعل التحركات الأوروبية أقرب إلى تثبيت موقع للمستقبل منها إلى مبادرات قادرة على تغيير المعادلة الراهنة.

لبنان ليس الأولوية.. بل الخوف من تمدّد الحرب

تذهب مصادر سياسية إلى أبعد من ذلك، معتبرةً أن لبنان ليس في صدارة الاهتمام الدولي في المرحلة الحالية. فالأولويات باتت مرتبطة بتطوّرات المواجهات الإقليمية، ولا سيما في اليمن وساحات أخرى، فيما يُنظر إلى لبنان بوصفه ساحة قابلة للاشتعال إذا اتّسعت رقعة الصراع.

وبحسب هذه المصادر، لا ينطلق الاهتمام الخارجي بلبنان بالضرورة من رغبة في إنتاج تسوية لبنانية مستقلة، بقدر ما يرتبط بالخوف من انتقال شرارة المواجهة إليه، بما يعيد البلاد إلى دوّامة الحرب وعدم الاستقرار.

ويزداد هذا القلق مع الأجواء المنقولة عن حزب الله، والتي تفيد بأن الحزب لن يقف على الحياد إذا تجدّدت الحرب الواسعة بين إيران والولايات المتحدة، بل سيكون إلى جانب طهران. وهي معادلة تجعل أي محاولة لتحييد لبنان عن الصراعات الإقليمية أكثر تعقيداً، وتضع الترتيبات الأمنية المطروحة في الجنوب أمام اختبار يتجاوز الحدود اللبنانية.

فأيّ ضمانات يمكن أن تقدّمها قوة دولية جديدة إذا تحوّل الجنوب مجدداً إلى جزء من مواجهة إقليمية واسعة؟ وأيّ هامش سيبقى للمبادرات الأوروبية إذا كانت قرارات الحرب والتفاوض تُصاغ خارج لبنان، وبعيداً عن العواصم الأوروبية؟

مبادرات الوقت الضائع

في ضوء ذلك، يمكن فهم التحرّك الأوروبي، كما المبادرات الفرنسية المنفصلة، وفي مقدّمها المساعي لعقد مؤتمر لدعم الجيش اللبناني، بوصفها محاولات لملء الوقت السياسي الضائع، والحفاظ على قنوات التأثير إلى حين نضوج الظروف الإقليمية.

ففرنسا تسعى إلى تثبيت حضورها من بوابة دعم المؤسسة العسكرية والبحث في ترتيبات الجنوب، فيما يحاول الاتحاد الأوروبي بلورة دور جماعي يتجاوز المبادرات الوطنية المنفردة. لكنّ هذه التحركات، على اختلاف عناوينها، تصطدم بالمعضلة نفسها: غياب أفق تفاوضي واضح، واستمرار احتكار واشنطن الهامش الأوسع من القرار.

ولعلّ المفارقة أن الأوروبيين يخشون الفراغ الذي قد يخلّفه انسحاب «اليونيفيل» من الجنوب، لكنّهم يخشون بالقدر نفسه الفراغ السياسي الذي قد يتركهم خارج ترتيبات المرحلة المقبلة.

وبين هذين الهاجسين، تحاول بروكسل أن تقول إنها لا تزال حاضرة، وأن المساعدة الأمنية قد تشكّل مدخلاً إلى دور سياسي أوسع. غير أن الوقائع توحي بأن أوروبا تستطيع، في هذه المرحلة، تقديم الدعم وطرح الأفكار، لكنّها لا تستطيع فرض التسويات.

وهكذا، يبقى لبنان في قلب سباق دولي على النفوذ، من دون أن يكون بالضرورة في صدارة أولويات اللاعبين الأساسيين. أما الأوروبيون، فيواصلون البحث عن موطئ قدم في جنوب تتبدّل قواعد الاشتباك فيه، وفي بلد تنتظر تسوياته ما ستقرّره واشنطن وطهران وتل أبيب. وإلى أن تتضح صورة هذه التفاهمات، قد لا يكون أمام أوروبا سوى الاستثمار في الحضور، بانتظار فرصة لتحويله إلى دور فعلي.

جاسنت عنتر- المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا