الصحافة

مؤتمر باريس انتقال من الدعم إلى القدرة على بسط سلطة الدولة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يبدو مؤتمر باريس غداً الخميس أقرب إلى محاولة لنقل النقاش من مستوى المساندة السياسية إلى مستوى الاختبار العملي لقدرة الدولة اللبنانية على استعادة دورها الأمني والعسكري. فانعقاد الاجتماع في إطار "عملية العقبة"، وبمشاركة عسكرية وسياسية رفيعة من فرنسا والولايات المتحدة وبريطانيا والأردن ولبنان ودول أخرى، يأتي في ظروف بالغة الخطورة، اذ جنوب لبنان تحت ضغط العمليات العسكرية الإسرائيلية، والجيش أمام مهمة متزايدة الصعوبة، و"اليونيفيل" تقترب من نهاية ولايتها، فيما لم تتبلور بعد الصيغة التي يمكن أن تمنع نشوء فراغ أمني بعد نهاية العام.

وتحدث مصدر دبلوماسي لـ"وكالة اخبار اليوم"، قائلا "ان خصوصية اجتماع باريس تكمن في أنه لن يكون مؤتمراً تقليدياً لإعلان التعهدات، بل اجتماعاً شديد التركيز على الجانب التنفيذي والميداني، والمطلوب هو وضع خطة انتشار الجيش اللبناني تحت المجهر، ومناقشة قدرته على تنفيذها، وتحديد الاحتياجات التي تحول دون ترجمة القرار السياسي إلى حضور فعلي للدولة على الأرض. ولذلك ستكون مشاركة رؤساء الأركان والمسؤولين العسكريين رفيعي المستوى ذات دلالة، إذ إن النقاش سينتقل من سؤال "ماذا نريد من الجيش؟" إلى سؤال أكثر واقعية وهو "ماذا يحتاج الجيش لكي يتمكن من القيام بما هو مطلوب منه؟".

ويضيف  المصدر إن "هذا التفصيل مهم للغاية، لأن الدعم الدولي لا يمكن أن يبقى في إطار المساعدات المالية التقليدية. فالخطة التي يُفترض أن تخرج من النقاش يجب أن تسمح بتحديد نوع التجهيزات المطلوبة، وحجم التمويل، والحاجات المعلوماتية والاستخبارية، فضلاً عن إمكان توفير أشكال من المرافقة أو الدعم الميداني عند الضرورة. وبذلك، فإن مؤتمر باريس يحاول بناء صلة مباشرة بين خطة الانتشار اللبنانية وبين قدرة الدول المشاركة على تقديم دعم قابل للقياس والتنفيذ".

ويتابع المصدر : "المسألة تتجاوز بكثير الحدود الجنوبية، وتصل الى ربط دعم الجيش بمشروع أوسع لإعادة بناء سلطة الدولة اللبنانية، انطلاقاً من القرار 1701، ومن المبدأ الذي تتمسك به فرنسا منذ سنوات، ومفاده أن الدولة يجب أن تكون صاحبة السلطة على كامل أراضيها. وفي هذا السياق، يبقى سلاح حزب الله أحد أكثر الملفات حساسية، باعتبار أن استعادة الدولة لقرارها الأمني لا يمكن أن تكتمل في ظل وجود قوة مسلحة خارج مؤسساتها. إلا أن المقاربة الدولية لا تقوم على أن تحل قوة أجنبية مكان الجيش اللبناني في هذه المهمة، بل على تمكين المؤسسات اللبنانية من الاضطلاع بمسؤولياتها".

ويرى المصدر أن "التطورات في الجنوب تجعل هذا الهدف أكثر تعقيداً وأكثر إلحاحاً في الوقت نفسه. فالعمليات الإسرائيلية اليومية والنزوح الواسع من مناطق الجنوب لا يضغطان فقط على الوضع الإنساني، بل يضعان الاستقرار اللبناني برمته أمام اختلال إضافي. وفي المقابل، فإن إسرائيل تبحث عن ضمانات أمنية على حدودها الشمالية، فيما يحتاج لبنان إلى تثبيت سيادته ومنع تحويل الجنوب إلى مساحة مفتوحة أمام عمليات عسكرية متبادلة. وبين هذين الاعتبارين يصبح وجود قوة لبنانية قادرة وفاعلة على الأرض جزءاً أساسياً من أي تصور قابل للحياة".

ومن هنا تكتسب مسألة «اليونيفيل» أهمية خاصة. وبحسب المصدر، فإن "اقتراب نهاية ولايتها يفرض على المجتمع الدولي التفكير مبكراً في اليوم التالي، منعاً لحدوث فراغ أمني. وتدور اتصالات، خصوصاً بين فرنسا وإيطاليا، حول إمكان إعادة صياغة وجود دولي أو متعدد الجنسيات في الجنوب، لكن شكل هذا الوجود ومهماته وصلاحياته لا تزال موضع بحث. كما أن الوصول إلى صيغة جديدة يتطلب توافقاً لبنانياً ودولياً، في ظل استمرار التباين حول طبيعة المهمة التي يمكن أن تؤديها القوة الجديدة".

ويؤكد المصدر أن "الفكرة الأساسية ليست إنشاء قوة دولية بديلة من الجيش اللبناني، لأن ذلك سيقلب جوهر المقاربة الدولية رأساً على عقب. المطلوب، في المقابل، أن يكون أي حضور دولي مكملاً لقدرات الدولة اللبنانية لا بديلاً منها، وأن يساعد في منع الفراغ وفي توفير البيئة الأمنية التي تسمح للجيش بتوسيع انتشاره وممارسة مهامه. وهذا يعني أن النقاش حول مستقبل "اليونيفيل" لا ينفصل عن النقاش حول مستقبل الجيش نفسه".

ووفق المصدر ان "تقوية الجيش لا يمكن أن تعالج وحدها أزمة الدولة اللبنانية. فهناك حاجة موازية إلى معالجة الانهيار المالي، وإقرار قانون الفجوة المالية، وتنفيذ الإصلاحات الهيكلية، وتأمين دعم دولي أوسع، بالتوازي مع استكمال المسار السياسي والانتخابي. ومن دون هذا المسار المتكامل ستبقى قدرة الدولة على تمويل مؤسساتها الأمنية والعسكرية محدودة، وسيبقى أي انتشار عسكري معرضاً للقيود التي فرضتها الأزمة الاقتصادية على الدولة طوال السنوات الماضية".

ويعتبر المصدر ان "هذه الرؤية تكتسب بعداً إضافياً بسبب التطورات السياسية في إسرائيل والحملة الانتخابية هناك، الأمر الذي يجعل الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية أكثر خطورة أمام أي تطور ميداني. ولذلك فإن باريس تريد أن تساهم في بلورة تصور واضح لأمن المناطق الحدودية، بما يراعي أمن إسرائيل وفي الوقت نفسه يعزز سيادة لبنان. وهذه المعادلة المزدوجة تبدو ضرورية لكي لا يتحول دعم الجيش إلى مجرد أداة لإدارة الأزمة، بدلاً من أن يكون جزءاً من حلها".

ويشير المصدر الى ان "الأهم في اجتماع الخميس أن تكون مخرجاته قابلة للترجمة خارج قاعة المؤتمر. فإذا أمكن تحديد مفهوم عمليات واضح، ومعايير للانتشار، وآليات للتنفيذ، واحتياجات دقيقة يمكن للدول الشريكة تمويلها وتجهيزها، فإن باريس تكون قد وضعت أساساً عملياً لمرحلة جديدة من دعم الجيش. أما إذا بقيت المسألة في إطار التعهدات السياسية العامة، فإن الفجوة ستظل قائمة بين الدور الذي يُراد من الجيش اللبناني أن يؤديه وبين الإمكانات المتاحة له".

ويبدو مؤتمر باريس محاولة لوضع معادلة أكثر واقعية لمستقبل الجنوب تقوم على انه لا أمن مستداماً من دون دولة لبنانية قادرة، ولا دولة قادرة من دون جيش يمتلك الوسائل اللازمة للانتشار، ولا انتشار فعلياً من دون بيئة سياسية وأمنية واقتصادية تسمح له بأداء مهمته.

وبين نهاية ولاية "اليونيفيل" والحاجة إلى منع الفراغ الأمني واستمرار التوتر على الحدود، قد يكون اجتماع الخميس بداية اختبار حقيقي لما إذا كان الدعم الدولي للبنان قادراً على الانتقال من البيانات والتعهدات إلى بناء قدرة فعلية للدولة على الأرض.

داود رمال – "اخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا