محليات

مِنْ "لَنْ أَنْسَاكَ أَبَدًا" إِلَى "كُونُوا ذَاكِرَةً لِلْأَجْيَال": الراعي يجمع الأجداد والمسنّين والأطفال في الديمان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

 في لقاء جمع طرفَي العمر تحت سقف واحد، الأجداد والمسنّين من جهة، والأطفال من جهة أخرى، احتضن الكرسي البطريركي في الديمان الاحتفالية الأولى التي نظّمتها اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة، بالتعاون مع لجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنّين، لمناسبة اليوم العالمي السادس لراعوية الأجداد والمسنّين، تحت عنوان: «أنا لا أنساك أبدًا»، وهو العنوان الذي اختاره قداسة البابا لاوون الرابع عشر للمناسبة.

وشارك في اللقاء نحو 500 شخص من المسنّين والأطفال والعائلات، في مشهد أرادت الكنيسة من خلاله أن تجمع الذاكرة بالمستقبل، والخبرة بالبراءة، وأن تؤكد أن الأجيال لا تتنافس على المكان، بل يتسلّم بعضها من بعض الإيمان والمحبة وتاريخ العائلة والكنيسة.
المطران نصار: الأجداد والمسنّون في قلب عناية الكنيسة

وفي مستهل القداس، ألقى رئيس اللجنة الأسقفية الكاثوليكية للعائلة والحياة المطران الياس نصار كلمة رحّب فيها بصاحب الغبطة والنيافة الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، رئيس مجلس البطاركة والأساقفة الكاثوليك في لبنان، وبالمشاركين في هذه الاحتفالية الأولى التي تقيمها اللجنة الأسقفية للعائلة والحياة، ولجنتها الفرعية لراعوية الأجداد والمسنّين برئاسة الخوري هاني طوق.

وأشار نصار إلى أن إقامة هذه الاحتفالية في الكرسي البطريركي في الديمان تحمل دلالة خاصة، وتأتي تجاوبًا مع دعوة الكنيسة إلى الاهتمام بالأجداد والمسنّين، ولا سيما في مناسبة اليوم العالمي السادس المخصص لهم تحت عنوان «أنا لا أنساك أبدًا».

وتوجّه بالشكر إلى البطريرك الراعي على محبته الأبوية للأجداد والمسنّين وعلى الرعاية التي توليها الكنيسة لهم، معتبرًا أن هذه الرعاية تعبّر عن وعي كنسي عميق لقيمة الإنسان في مختلف مراحل عمره، وعن تقدير للدور الذي لا يزال المسنّون قادرين على أدائه في العائلة والكنيسة والمجتمع.

وتوقّف المطران نصار عند الجهود التي بذلتها اللجنة الفرعية برئاسة الخوري هاني طوق ومعه مجموعة من المساعدين، شاكرًا إياهم على قبول هذه الخدمة، وعلى تنظيم الاحتفالية، وعلى استعدادهم لمواصلة العمل في راعوية الأجداد والمسنّين على مساحة لبنان وعلى مدار السنة.
كما شكر المسؤولين في الأبرشيات والمؤسسات الكنسية الذين ساهموا في دعوة الأجداد والمسنّين ونقلهم إلى الديمان، والأساقفة والكهنة والرهبان والراهبات، والكهنة والعلمانيين العاملين في الكرسي البطريركي، وكل الذين قدّموا خدماتهم لإنجاح النهار، إضافة إلى وسائل الإعلام التي واكبت المناسبة.

وخصّ بالشكر مطبخ مريم والعاملين فيه لتأمين وجبة الغداء للمشاركين، والطواقم الطبية والتمريضية التي وضعت نفسها في خدمة المسنّين، والمنشطين والمرافقين الذين عملوا على إضفاء أجواء الفرح على اللقاء، فضلًا عن الفنان جورج خطّار والكشاف الماروني وجماعة «يلا»، والمؤسسة البطريركية المارونية للإنماء الشامل، والمركز الثقافي الماروني.

وفي ختام كلمته، رحّب نصار بالمشاركين، وخصوصًا بالأجداد والمسنّين الذين تحمّلوا مشقة السفر ليشاركوا في هذا اليوم، وبأفراد عائلاتهم وأطفال القربانة الأولى والمعاونين والمرافقين، واضعًا اللقاء تحت حماية العذراء مريم سيدة قنوبين، وحول البطريرك الراعي.
الراعي: العمر لا يُقاس بعدد السنين بل بما نصنعه من كل يوم يعطينا إياه الله

وبعد تلاوة الإنجيل المقدس، ألقى البطريرك الراعي عظة انطلق فيها من قول المسيح: «كونوا كأناس ينتظرون سيدهم متى يأتي»، ليقدّم قراءة روحية لمعنى العمر والانتظار، لا بوصفه ترقّبًا لنهاية بعيدة، بل استعدادًا لمجيء الرب المتجدد كل يوم في حياة الإنسان.

وأوضح أن إنجيل اليوم يحدّث عن «نعمة الانتظار»، لأن المسيحي لا ينتظر الرب في نهاية حياته وحسب، بل يستقبله في تفاصيل أيامه، وفي الأشخاص الذين يلتقيهم، وفي المواقف التي تتطلب منه جوابًا مسيحيًا واضحًا.
ثلاثة مواقف لمجيء الرب: الإيمان والمحبة والذاكرة

وحدّد البطريرك الراعي ثلاثة مواقف أساسية ينبغي أن تميّز هذا الانتظار: الإيمان والمحبة والذاكرة، مؤكدًا أن الإنجيل موجّه إلى كل واحد منا، لأن الرب يأتي إلينا يوميًا ويسألنا موقف إيمان، أو عمل محبة، أو أن نكون ذاكرة حية تنقل الخير إلى الآخرين.

وقال إن الرب يحتاج إلى كل واحد لكي يشهد له، وإن شهادة الإيمان لا تقتصر على الكلمات، بل تظهر في الأعمال والمواقف والتصرفات. فالإنسان يشهد لما يؤمن به بالطريقة التي يعيش بها، وبما يصنعه تجاه الآخرين، وبقدر ما يصبح إيمانه سلوكًا يوميًا.

أما الموقف الثاني فهو المحبة، التي لا تبقى شعورًا أو كلامًا، بل تتحول إلى عمل تجاه الغريب والمريض والضائع والمحتاج. ومن هنا، دعا الراعي إلى أن يكون المسيحي شاهدًا للمحبة حيثما وجد إنسانًا يحتاج إلى حضور أو مساعدة أو عناية.

أما الموقف الثالث فهو الذاكرة، أي أن يذكّر بعضنا بعضًا بإيماننا المسيحي وبالأحداث التي صنعها الله في حياتنا، فلا تنقطع الصلة بين الأجيال، ولا يبدأ كل جيل تاريخه من الصفر.

ومن اجتماع المسنّين والأطفال في الاحتفال نفسه، انتقل البطريرك إلى إبراز الرسالة الخاصة التي يحملها الأجداد، مستشهدًا بكلام المزمور: «ألف سنة في عينيك يا رب كيوم أمس الذي عبر»، ومشيرًا إلى أن الإنسان، مهما امتد به العمر، يبقى صغيرًا أمام الأبدية.

ودعا كل إنسان إلى أن يستقبل نهاره الجديد بالشكر، لأن كل يوم يُعطى له ليس أمرًا مضمونًا بل نعمة جديدة. ومن هنا، شدّد على أن الأجداد والمسنّين مدعوون إلى أن يكونوا علامات إيمان، لأن العالم والعائلة والأجيال الجديدة بحاجة إلى شهادتهم.

وتوجّه بصورة خاصة إلى الأجداد، مؤكدًا أن على كل جد وجدة أن يشهدا لمحبتهما وأن يرويا للأجيال الجديدة خبرتهما في الحياة والإيمان، لأن الخبرة التي لا تُنقل تنتهي بانتهاء أصحابها، أما الخبرة التي تتحول إلى ذاكرة فتواصل الحياة في الأبناء والأحفاد.

وهكذا، لم يضع الراعي الطفل والمسنّ على طرفين متباعدين من الحياة، بل جمعهما في علاقة متبادلة: الطفل يحتاج إلى ذاكرة الجد، والجد يجد في الطفل من يحمل هذه الذاكرة إلى المستقبل.

وتوقّف البطريرك عند نعمة الحياة نفسها، مذكّرًا بأن كثيرين لم يُعطوا فرصة بلوغ سن متقدمة؛ فمنهم من رحل طفلًا، ومنهم من مات في بطن أمه، أو في حادث، أو حرب، أو جوع، أو مرض عضال، ومنهم من غادر الحياة في سن الشباب أو الكهولة.

وقال إن وجود الإنسان اليوم هو في ذاته سبب للشكر: ما دمنا هنا، فعلينا أن نشكر الرب على يومنا الجديد.

ومن هذا المنطلق، دعا المسنّين خصوصًا إلى النظر إلى امتداد العمر لا كعبء، بل كنعمة ومسؤولية وامتياز، لأن الله حين يمنح الإنسان مزيدًا من السنين يمنحه معها مزيدًا من الوقت لكي يحب ويشهد ويصلي وينقل خبرته.

وشدّد على أن العمر، مهما طال، يبقى قصيرًا أمام الأبدية، ولذلك فإن نعمة التقدم في السن لا ينبغي أن تقود إلى الانكفاء، بل إلى شكر أعمق لله على عطية الحياة.

وربط البطريرك الراعي عنوان المناسبة «أنا لا أنساك أبدًا» بمعنى الذاكرة المسيحية، مؤكدًا أن الإنسان الذي يملك تاريخًا لا يستطيع أن يعيش بلا ذاكرة. فالذاكرة ليست حنينًا إلى الماضي، بل أمانة لما صنعه الله ولما عاشته العائلة ولما اختبره الإنسان من إيمان ومحبة وتضحيات.
وبذلك تصبح الشيخوخة، في المنظور المسيحي، زمنًا لاستعادة التاريخ لا من أجل البقاء فيه، بل من أجل تسليمه إلى الأجيال الطالعة. فالمسنّ ليس مجرد شخص يحمل سنوات كثيرة، بل إنسان يحمل رواية، وتجربة، وصلوات، وجراحًا، وأفراحًا، وإيمانًا يستطيع أن يضعه بين أيدي الأبناء والأحفاد.

وفي ختام عظته، دعا البطريرك الراعي إلى أن تتحول رسالة هذا اليوم إلى صلاة يومية، فيضع الإنسان يديه على وجهه كل صباح ويرفع الشكر إلى الله على النهار الجديد، سائلًا إياه أن يمنحه القدرة على أن يعيش يومه شاهدًا للإيمان والمحبة وحاملًا للذاكرة الصالحة.
وهكذا جمع الراعي رسالة الاحتفال في ثلاث كلمات ترافق الإنسان في كل مراحل عمره: إيمانٌ يُعاش، ومحبةٌ تُترجم أعمالًا، وذاكرةٌ تُسلَّم من جيل إلى جيل. وبين الأجداد والأطفال المجتمعين في الديمان، بدا عنوان اليوم «أنا لا أنساك أبدًا» أكثر من شعار لمناسبة كنسية؛ بدا وعدًا بأن الإنسان لا يفقد مكانه في العائلة والكنيسة حين يتقدم به العمر، وبأن الذاكرة التي يحملها المسنّون لا تنتمي إلى الماضي وحده، بل هي جزء من بناء مستقبل الأجيال.

Image

Image

Image

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا