محليات

الكهرباء في لبنان: ندفع ثمن التيار… ونشتري العتمة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا بد من إنصاف لبنان: ففي عالم مهووس بالابتكار، نجح بلدنا الصغير في تحقيق إنجاز قلب مفهوم الخدمة العامة رأسًا على عقب. ففي أماكن أخرى، يدفع المرء المال للحصول على خدمة. أمّا في لبنان، فيدفع المال لعدم الحصول عليها. براعة فلسفية لم يكن حتى الملك أوبو ليجرؤ على تخيلها.

لنبدأ بالفاتورة، لأنّها الأكثر إيلامًا. هناك أولًا فاتورة مؤسسة كهرباء لبنان الّتي تتضخم، وإلى جانبها فاتورة مولد الحي الّتي ترتفع بوتيرة أسرع من حرارة محوّل كهربائي في يوم شديد الحر. وفي فاتورة يستحيل فك رموزها، يصل ما يدفعه المنزل إلى ما بين 300 و400 دولار شهريًّا، في بلد كان متوسط الراتب فيه ليجعل من متدرّب باريسي مليارديرًا لا يكترث لشيء. وكل ذلك مقابل خدمة أقرب إلى اليانصيب منها إلى مرفق عام.

مع ذلك، فهذه ليست سوى الجزء الظاهر من جبل الجليد، أي ذلك الّذي يدفعه المواطن من جيبه. فهناك فاتورة أخرى، تلك الّتي سددتها الدولة منذ عام 1992: ما بين 43 و45 مليار دولار من التحويلات العامة إلى مؤسسة كهرباء لبنان. أكثر من ثلاثة عقود من الدعم الّذي أُنفق بلا جدوى على مؤسسة لم تبنِ، في الوقت عينه، أي محطة جديدة تليق بهذا الاسم. أضف إلى ذلك فوائد هذه الديون، وستحصل على تحفة محاسبية: لقد اقترض لبنان لتمويل العتمة، ولا يزال يدفع حتى اليوم فوائد عتمته الخاصة. ولن ندخل في ملف “لكن أين ذهبت الأموال؟”. فذلك يحتاج إلى سلسلة وثائقية.

المبدأ بسيط، ويكاد يكون أنيقًا في قسوته: تفوتر الدولة لك تيارًا لا تؤمّنه، وتفوتر لك مافيا الحي تيارًا تؤمّنه هي… إنّما بسعر الكافيار الإيراني. وسعر الكيلوواط/ساعة من المولد، المرتبط بمؤشر لا نعرف أي بورصة غامضة تحدده، أو بمضيق هرمز، أو بمزاج العرّاب المحلي، من يدري، يرتفع من دون وجود أي عقد، أو أي عدّاد يمكن التحقق منه، أو أي هيئة ناظمة، تتدخل فعليًّا في الأمر. يسمّون هذا “اشتراكًا”. كأنّ “نتفليكس” اندمجت مع “العرّاب”.

ثم تأتي اللحظة السحرية، تلك الّتي يمر فيها صاحب المولد لتحصيل فاتورته. لحظة عرض مسرحي لا مثيل لها. يشرح لك، بثقة متداول في وول ستريت، لماذا ارتفع السعر مجددًا هذا الشهر. الدولار، والمازوت، والحرب… لا يهم أي حجة يطرحها؛ المهم هو النبرة، نصفها اعتذار ونصفها الآخر تهديد، نبرة تقول: “يمكنك أن تجادل، لكنّك تعرف ما ستؤول إليه الأمور”. ومهما كان مستواك العلمي رفيعًا، فحجته تتركك عاجزًا عن الكلام.

في هذه الأثناء، وفي شوارع البلاد، يتكرر مشهد آخر، مجاني هذه المرة، أو يكاد يكون كذلك. كيلومترات من الأسلاك المتشابكة تتدلى فوق الأرصفة، أشبه بشبكة عنكبوتية صمّمها مهندس معماري تحت تأثير المخدرات. وقد عمد جزء من السكان، أولئك الّذين يعرفون أنّهم لا يخشون مداهمة الشرطة، إلى وصل منازلهم بصورة غير قانونية بهذه الشبكة المرتجلة، في رقصة جوية تليق بسبايدرمان، باستثناء أنّ البطل هنا لا ينقذ أحدًا، بل يسرق الأمبيرات فحسب، فيما يسدد آخرون ثمنها.

وهنا يبلغ النظام ذروة العبث البيروقراطي: يستمر من لا يدفع شيئًا، وبفضل هذه الترقيعات الكهربائية، في الحصول على التيار. ومن يدفع، يُقطع عنه التيار عند أول تأخير. فالالتزام بالمواعيد يُعاقَب عليه، والاحتيال يكاد يُكافَأ. كان كافكا ليعشق هذا البلد؛ ولوجد فيه ما يكفي لكتابة عشر روايات إضافية.

والأكثر إثارة للذهول في هذه المعادلة هو التساؤل عمّا كان يمكن فعله بمبلغ 45 مليار دولار لو أُنفقت في أماكن أخرى. شبكة كهرباء جديدة. ومحطات حديثة متعددة. ومشروع للطاقة الشمسية قادر على إنارة لبنان مرات متعددة. وبدل ذلك: مولدات مرتجلة، وتلوث يخنق البلاد، وأسلاك غير شرعية، وخزينة أنهكها الاستنزاف. لم يفتقر لبنان إلى المال للحصول على الكهرباء، بل افتقر إلى الإرادة لتأمينها.

وهكذا، يواصل اللبناني، الوفيّ لعاداته، التوفيق بين الأمور: بين “كهرباء الدولة”، كما تُسمّى، وهي سلعة نادرة، وساعات تشغيل المولد الّتي لم يعد قادرًا على دفع ثمنها. ولم يعد يعرف إلى أي تيار يلجأ.

يقال إنّ ما ندر غلا ثمنه، لكن ليس إلى هذا الحد، أليس كذلك؟

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا