الصحافة

جبل الفأس: حزم ترامب أمام الكذب الإيراني

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بعد ستة أشهر على اندلاع الحرب الأميركية-الإسرائيلية ضدّ إيران، يستمر موقع وحيد بتحدي القنابل: جبل الفأس أو بيكاكس ماونتن بالإنكليزية، وهو مجمّع تحت الأرض محفور أسفل قمة صخرية على بُعد بضعة كيلومترات من نطنز. وقد تعهّد دونالد ترامب من المكتب البيضاوي، يوم الجمعة، بتوجيه ضربة إليه “في وقت قريب جدًّا”. وليست هذه المرة الأولى الّتي يقول فيها ذلك، وينبغي أن يثير هذا التكرار بالتحديد قلق طهران بدلًا من طمأنتها.

تهديد حقيقي
“يمكننا استهداف جبل الفأس في وقت قريب جدًّا، إذا حدث فيه أي شيء”، حذّر الرئيس الأميركي الصحافيين، مؤكدًا بأنّ أجهزة الاستخبارات تراقب الموقع عن كثب. وقال: “نعرف من يتحرك في جبل الفأس، ونعرف من يتحرك في كل أنحاء إيران. وإذا ساءت الأمور، سنضرب بقوة”. ليست هذه الصيغة جديدة، وتكمن قوتها هنا بالتحديد: ففي الثالث عشر من تموز، تحدث ترامب عن جبل الفأس باعتباره “هدفًا لضربة كبيرة وجميلة”. وفي الواحد والعشرين من تموز، قال: “سنضرب هذه المنطقة في القريب العاجل، وبشدة”. وفي الثامن والعشرين من تموز، حذّر من أنّه ستتم “إزالة جبل الفأس” إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق مع طهران. أمّا يوم الجمعة، فقد أشار هذه المرة إلى معلومات استخبارية أمنتها قوة الفضاء. ولا يشبه هذا التكرار المتواصل الاستعراض بقدر ما يشبه ردعًا متعمدًا: التكرار، والتوضيح، وتشديد الخناق، إلى أن تدرك طهران أنّ أيًّا من منشآتها ليس بمنأى عن الاستهداف.
ويدافع ترامب عن ذلك بلامبالاة محسوبة، واصفًا النزاع بأنّه “أمر تافه”، ومقارنًا مقتل 18 جنديًّا أميركيًّا في خمسة أشهر بنحو 100 ألف قتيل أميركي في فيتنام. وهي طريقة تؤكد، قبل أقل من شهرين على انتخابات منتصف الولاية، وعلى الرغم من ارتفاع أسعار الوقود (إذ بلغ سعر غالون الديزل مستوى قياسيًا قدره 5.85 دولارات)، بأنّ واشنطن لا تزال تتحكم بإيقاع المواجهة، فيما يجد النظام، من جهته، نفسه أمام طريق مسدود. وبغضّ النظر عن استنكار السيناتور الديمقراطي بيرني ساندرز، فإنّ هذا البرود يعكس، قبل كل شيء، ثقة إدارة تؤكد، بعد خمسة أشهر على بدء حملتها إنّها أوقفت إيران عن امتلاك السلاح النووي.

ملاذ البرنامج النووي الإيراني الأخير
يقع هذا الموقع، المعروف بالفارسية باسم “كوهِ كولانج”، أي “جبل الفأس” حرفيًّا، على بُعد نحو 220 كيلومترًا جنوب طهران، وعلى بُعد كيلومترين فحسب من مجمّع تخصيب اليورانيوم في نطنز، الّذي سبق لواشنطن وإسرائيل أن قصفتاه مرتين. وهو الحلقة الأخيرة في البرنامج النووي الإيراني الّتي لم تتعرض قط لاستهداف مباشر. ويُعتقد أنّ بناءه بدأ عام 2020، رسميًّا لاستبدال ورشة لأجهزة الطرد المركزي تضررت في نطنز. إنّما لم يقتنع الكثيرون بهذا التفسير: فقد تحدث علي أكبر صالحي، الرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، منذ البداية، عن “منشأة أكثر حداثة واتساعًا واكتمالًا”، بما يتجاوز بأشواط ورشة بديلة فحسب.
وتبلغ القمة ارتفاع نحو 1600 متر، فيما يُعتقد أنّ قلب المجمّع مدفون على عمق نحو مئة متر. ووفق تحليلات الأقمار الصناعية الّتي أجراها معهد العلوم والأمن الدولي (ISIS)، يضم الموقع مدخلين مزدوجين للأنفاق، تحيط بهما منطقة أمنية واسعة، كما جرى ردم المداخل الشرقية جزئيًّا لمنع أي تسلل بري، في إجراء يكشف الكثير عما تسعى طهران إلى حمايته. ويرصد المعهد نشاطًا إنشائيًّا “مستمرًّا” منذ عام: فنظام لا يملك ما يخفيه لن يحتاج على الأرجح إلى مثل هذا القدر من إجراءات التمويه.

حصن منيع، وليس صدفة
يجعل هذا التحصين تحت الأرض جبل الفأس عصيًّا على أسلحة الترسانة التقليدية. فالقنبلة الأميركية GBU-57، وهي السلاح الوحيد القادر فعلًا على بلوغه، عاجزة عن اختراق أكثر من 18 مترًا من الخرسانة أو 61 مترًا من التراب، وهو عمق لا يكفي لتدمير قلب المنشأة. لكنّ البنى التحتية القائمة فوق الأرض تبقى عرضة للاستهداف: مداخل الأنفاق، وقنوات التهوية، وشبكات الكهرباء، وطرق الوصول. وقد تكفي ضربة جوية دقيقة لشلّ الموقع لفترة طويلة، بما يضع تحذيرات أحد مستشاري البرلمان الإيراني المسرحية في حجمها الحقيقي، وقد وصف الموقع بأنّه “المنشأة الأكثر تحصينًا في العالم”، متوعدًا بأنّ أي ضربة “ستحوّل المنطقة إلى جحيم”. وهي لغة تكشف، قبل كل شيء، عن توتر طهران إزاء تهديد أصبحت تدرك بأنّه حقيقي.

النفي الإيراني لم يعد مقنعًا
يواصل النظام نفي أي نشاط نووي في الموقع، إذ ندّد المتحدث باسم وزارة الخارجية، إسماعيل بقائي، بما وصفه بأنّه “ذريعة مختلقة للعدوان”. لكنّ معلومات أوردتها صحيفة وول ستريت جورنال تتحدث عن نقل آلاف أجهزة الطرد المركزي الّتي أُخليت من نطنز وفوردو إلى جبل الفأس، فضلًا عن نقل جزء من مخزون إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، الّذي تقدّر الوكالة الدولية للطاقة الذرية حجمه بنحو 440 كيلوغرامًا، وهو ما يتجاوز بكثير الكمية اللازمة للاستخدام المدني. وكان المدير العام للوكالة، رافائيل غروسي، قد ذكّر بنفسه بأنّ طهران أعلنت في السابق نيتها تنفيذ نشاط نووي في الموقع، في إطار ما وصفه بأنّه استراتيجية منهجية تقوم على دفن منشآتها الأكثر حساسية.
وأمام جدار التعتيم هذا، لا تبدو الحزم الأميركية استفزازًا بقدر ما تبدو الخيار الوحيد المتبقي. وسواء اختارت واشنطن ضرب الموقع، أو الانتظار، أو الإعداد لعملية برية تسيطر فيها عليه بدل تدميره، يتأكد أمر واحد: موقف طهران هو ما يبقي المنطقة معلقة على الانفجار المقبل، وليس تحذيرات ترامب.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا