محليات

طعن النواب يسقط بالإجماع... إعفاءات الضمان تعبر "الدستوري"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ردّ المجلس الدستوري بالإجماع المراجعة المقدّمة طعنًا بالقانون رقم 47، المتعلق بتعديل بعض أحكام قانون الضمان الاجتماعي والإعفاء من زيادات التأخير وإجازة تقسيط الديون المتوجبة للصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.

 

وقرّر المجلس، خلال جلسته المنعقدة في 10 أيلول 2026 برئاسة القاضي طنوس مشلب، قبول المراجعة شكلًا وردّها أساسًا، وإبلاغ قراره إلى رئاستَي الجمهورية ومجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء، ونشره في الجريدة الرسمية.

 

واعتبر المجلس أن القانون المطعون فيه واضح لناحية نطاقه الزمني، ونسبة الدفعة الأولى، ومهلة تقديم الطلب، ومعدلات الفائدة، وتدرّج الأقساط ونسب الإعفاء، ولا يعتريه الغموض الذي يبرّر إبطاله.

 

وردّ المجلس أيضًا السبب المتعلق باعتبار تحديد أسس احتساب اشتراكات الضمان من المواضيع المحجوزة حصراً للقانون، موضحًا أن اشتراكات الصندوق تختلف عن الضرائب، إذ إنها اقتطاعات إلزامية مخصصة لتمويل تقديمات محددة، ولها مقابل بالنسبة إلى المضمونين.

 

وأشار إلى أن القانون لا يتضمن أحكامًا تستوجب الإبطال لمخالفتها الدستور، معتبرًا أن إبطاله كان سيؤدي إلى إلغاء أحكام مطابقة للدستور ومخففة للأعباء، من بينها الإعفاء من قسم من زيادات التأخير وإلغاء ديون سابقة وإتاحة تقسيطها.

 

تفاصيل المراجعة

 

حملت المراجعة الرقم 10/و/2026، ووردت إلى المجلس الدستوري في 13 آب 2026، وطلبت إبطال القانون رقم 47 المنشور في العدد 32 من الجريدة الرسمية بتاريخ 30 تموز 2026.

 

وقدّم المراجعة النواب إلياس حنكش، سليم الصايغ، وضاح صادق، نعمة فرام، جورج عقيص، ميشال ضاهر، فريد البستاني، أشرف ريفي، نديم الجميل وميشال الدويهي.

 

والتأم المجلس في 10 أيلول 2026 برئاسة مشلب، وحضور الأعضاء القضاة عوني رمضان، أحمد أكرم بعاصيري، ألبير سرحان، رياض أبو غيدا، فوزات فرحات، ميشال طرزي، إلياس مشرقاني وميراي نجم، فيما غاب نائب الرئيس القاضي عمر حمزة بسبب المرض.

 

وبعد الاطلاع على ملف المراجعة والتقرير الوارد في 31 آب 2026، تبيّن أن النواب تقدّموا باستدعاء في 13 آب 2026، طالبوا فيه بقبوله شكلًا واتخاذ قرار فوري بوقف مفعول القانون إلى حين إصدار القرار في الأساس.

 

وقائع الطعن

 

أوضح الطاعنون أن القانون أوجب على الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، خلال سنة من تاريخ نشره، تقسيط الديون المتوجبة له حتى 31 كانون الأول 2025 لمصلحة من يطلب ذلك من أصحاب العلاقة، شرط تسديد دفعة أولى لا تقل عن 20% من قيمة الدين.

 

وحدّد القانون هذه الديون بأنها الناتجة عن الاشتراكات وزيادات التأخير والفوائد ومبالغ التسوية المنصوص عليها في الفقرة 4 من المادة 54 من قانون الضمان الاجتماعي، إضافة إلى السندات المستحقة وغير المسددة والمترتبة على أصحاب العمل وسائر الأشخاص الخاضعين للضمان.

 

وأشار الطاعنون إلى أن المادة الثالثة اعتبرت جميع الديون القائمة على أصحاب العمل، باستثناء ديون الدولة، والسابقة لتاريخ 31 كانون الأول 2025، ديونًا لاغية تُشطب كليًا من قيود الصندوق من دون الحاجة إلى أي إجراء آخر.

 

ولفتوا إلى أن أجور المستخدمين والأجراء لدى غالبية أصحاب العمل في القطاع الخاص باتت، نتيجة الانهيار الحاد في سعر صرف الليرة الذي بدأ في خريف 2019 وبلغ ذروته عند 141,000 ليرة للدولار في 21 آذار 2023، تُدفع كليًا أو جزئيًا بالدولار الأميركي. وتزامن ذلك مع تحوّل عدد كبير من أصحاب العمل إلى مدينين للصندوق باشتراكات ومبالغ تسوية وفوائد تأخير عن العاملين لديهم.

 

وأوضحوا أن دفع الأجور بالدولار أو بعملات أجنبية أخرى استدعى تدخل المشترع في احتساب ضريبة الرواتب والأجور، بموجب المادة 35 من القانون النافذ حكمًا رقم 10 الصادر في 15 تشرين الثاني 2022، والتي عدّلت الفقرة الأولى من المادة 63 من قانون ضريبة الدخل، وأوجبت على رب العمل اقتطاع الضريبة وأداءها إلى الخزينة بالليرة اللبنانية وفق «القيمة الفعلية» التي تُحدّد بقرار مشترك لوزارة المال ومصرف لبنان.

 

وفي 9 كانون الثاني 2023، أصدر وزير المال القرار رقم 1/2، محددًا أسعار الصرف المعتمدة لاحتساب الوعاء الضريبي عند 8,000 ليرة قبل 15 تشرين الثاني 2022، و15,000 ليرة اعتبارًا من ذلك التاريخ، مع اعتماد سعر خاص للأجر المدفوع بشيك أو تحويل مصرفي داخل لبنان.

 

وفي التاريخ نفسه، صدر القرار رقم 1/3 عن وزير المال وحاكم مصرف لبنان، وحدّد القيمة الفعلية بالليرة للأجور المستحقة على أصحاب العمل والمدفوعة كليًا أو جزئيًا بالدولار أو بعملة أجنبية أخرى.

 

وأشار الطاعنون إلى أن الصندوق أصدر في 5 أيلول 2023 المذكرة الإعلامية رقم 714، التي أوجبت على أصحاب العمل تسديد الاشتراكات وفق المادة 35 والقرارين 1/2 و1/3، أي على أساس أسعار الصرف المعتمدة لاحتساب الضريبة.

 

كما أصدر الصندوق في 1 شباط 2024 المذكرة الإعلامية رقم 740، التي قرّر بموجبها احتساب اشتراكات المضمونين على أساس سعر 89,500 ليرة اعتبارًا من ذلك التاريخ، وقبل صدور أي نص قانوني يحدّد هذا السعر.

 

وتدخّل المشترع مجددًا في المادة 18 من قانون موازنة 2024، الرقم 324 الصادر في 12 شباط 2024، لمعالجة احتساب الضريبة على الرواتب والأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية.

 

ونصّت المادة على تحويل الأجر إلى الليرة وفق المادة 35 من القانون رقم 10/2022 لاحتساب الضريبة، ثم إعادة تحويل الضريبة المحتسبة إلى العملة الأجنبية وفق السعر الذي يحدده مصرف لبنان. واستثنت صراحة احتساب تعويضات نهاية الخدمة عن المرحلة السابقة لـ31 كانون الأول 2023، وأحالت معالجتها إلى قانون خاص يصدر بعد إعادة تقييم هذه التعويضات.

 

وتبعًا لهذه المادة، صدر القرار رقم 1/302 في 2 نيسان 2024، وحدّد سعر الصرف عند 89,500 ليرة للدولار الأميركي أو لأي عملة أجنبية أخرى، اعتبارًا من 1 نيسان 2024.

 

ورأى الطاعنون أن المشترع ميّز صراحة بين مسألتين، إذ حدّد أسس احتساب الضريبة على الأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية، فيما استبعد مسألة احتساب تعويضات نهاية الخدمة، وبالتبعية مقدار الاشتراكات المتوجبة على أصحاب العمل عن الأجراء الذين يتقاضون أجورهم كليًا أو جزئيًا بعملة أجنبية عن الفترة السابقة لنهاية 2023، محتفظًا لنفسه بصلاحية وضع القواعد الناظمة لهذه المسألة.

 

واعتبروا أن القانون المطعون فيه نظّم تقسيط ديون الصندوق المتوجبة على أصحاب العمل، بما فيها الاشتراكات ومبالغ التسوية المرتبطة بأجور مدفوعة بعملة أجنبية، من دون أن يضع القواعد التشريعية اللازمة لتحديد أسس احتساب هذه الاشتراكات والمبالغ، ما يشكل، وفق رأيهم، قصورًا تشريعيًا يوجب إبطاله.

 

كما رأوا أن الصندوق اعتمد، بموجب مذكرته رقم 740، السعر الرسمي الأعلى المعتمد من مصرف لبنان، أي 89,500 ليرة، أساسًا لاحتساب الاشتراكات اعتبارًا من 1 شباط 2024، خارج نطاق صلاحياته وصلاحيات أي سلطة إدارية أخرى، باعتبار أن هذه الصلاحية محصورة بالمجلس النيابي.

 

واعتبر الطاعنون أن مراجعتهم مستوفية جميع شروطها الشكلية، ودفعوا في الأساس بعدم دستورية القانون لمخالفته مبدأ وضوح النص، ولإخلاله بالقاعدة الدستورية التي تحصر بالسلطة المشترعة وضع القواعد القانونية في المواضيع ذات الطبيعة المالية.

 

وكان المجلس قد تداول في 18 آب 2026 بطلب وقف مفعول القانون، لكنه لم يقرر تعليق العمل به، قبل ورود التقرير في 31 آب 2026.

 

قبول الطعن شكلًا

 

أكد المجلس أن القانون نُشر في العدد 32 من الجريدة الرسمية في 30 تموز 2026، فيما وردت المراجعة في 13 آب 2026، أي ضمن مهلة الـ15 يومًا القانونية، وموقعة من العدد المطلوب من النواب ومستوفية سائر الشروط الشكلية، ما استوجب قبولها شكلًا.

 

وضوح النص

 

في الأساس، بحث المجلس أولًا في السبب المتعلق بعدم وضوح النص أو تعذّر فهمه، بعدما رأى الطاعنون أن القانون نظّم تقسيط ديون الصندوق، من اشتراكات وزيادات تأخير وفوائد ومبالغ تسوية، من دون أن يبيّن أسس احتساب هذه المبالغ عندما تكون الأجور مدفوعة كليًا أو جزئيًا بعملة أجنبية.

 

واستند الطاعنون إلى المادة 35 من القانون رقم 10 الصادر في 15 تشرين الثاني 2022، والمادة 18 من موازنة 2024، اللتين حددتا آلية تحويل الأجر الأجنبي لغايات ضريبية، واستثنتا احتساب تعويضات نهاية الخدمة عن الفترة السابقة لـ31 كانون الأول 2023، بانتظار صدور قانون خاص.

 

وأوضح المجلس أن مبدأ وضوح النص وقابليته للفهم، الذي أضفى عليه قيمة دستورية، يستهدف النص الذي تعتريه صياغة تحتمل قراءتين متعارضتين أو تعبيرًا ملتبسًا يجعل المعني به عاجزًا عن فهم حقوقه والتزاماته، مستشهدًا بقراره رقم 3/2002 الصادر في 15 تموز 2002.

 

وأشار إلى أن الاجتهاد الدستوري الأكثر حداثة لا يعتبر عدم وضوح القانون المالي أو تعذر فهمه سببًا لإبطاله، إلا إذا تجاوز الغموض حدًا مفرطًا يبدّد معنى النص.

 

وخلص المجلس إلى أن القانون واضح لناحية نطاقه الزمني، ونسبة الدفعة الأولى والإعفاء، ومهلة تقديم الطلب، ومعدل الفائدة، وتدرّج الأقساط ونسب الإعفاء، وأن صياغته لا تحتمل التأويل، ما استوجب رد هذا السبب.

 

طبيعة اشتراكات الضمان

 

بحث المجلس بعد ذلك في السبب المتعلق بالاختصاص المحجوز للقانون في المواضيع المالية، والتي ترتب التزامات على المعنيين بها، بعدما اعتبر الطاعنون أن القانون يخالف أحكام الدستور التي تحظر التفويض التشريعي في المواد المحفوظة للمشترع.

 

ورأى الطاعنون أن تحديد أسس احتساب الاشتراكات ومبالغ التسوية، ولا سيما آلية تحويل الأجر الأجنبي، يماثل فرض الضرائب والرسوم المنصوص عليها في المادتين 81 و82 من الدستور، وهو بالتالي من المواضيع المحجوزة للسلطة المشترعة وغير القابلة للتفويض.

 

واعتبروا أن القانون ترك فراغًا ملأه الصندوق من تلقاء نفسه، من خلال المذكرة رقم 740 الصادرة في 1 شباط 2024، والتي اعتمدت سعر 89,500 ليرة أساسًا لاحتساب الاشتراكات من دون سند تشريعي.

 

وحدّد المجلس مسألتين أساسيتين للبت بهما: الأولى، ما إذا كان تحديد أساس احتساب اشتراكات الصندوق يدخل ضمن المواضيع المحجوزة للقانون، على غرار المادة الضريبية، والثانية، ما إذا كان القانون المطعون فيه أو قانون الضمان الاجتماعي يتضمن نصًا يحدّد آلية تحويل الأجور المدفوعة كليًا أو جزئيًا بعملة أجنبية، وما إذا كان المشترع قد فوّض هذه الصلاحية.

 

وأشار المجلس إلى أن المادة 81 من الدستور تنص على فرض الضرائب العمومية وعدم جواز إحداث أي ضريبة أو جبايتها إلا بموجب قانون شامل يطبق على جميع الأراضي اللبنانية، فيما تنص المادة 82 على عدم جواز تعديل ضريبة أو إلغائها إلا بقانون.

 

وأوضح أن الضريبة اقتطاع يذهب إلى الخزينة العامة من دون مقابل ويخضع لمبدأ عدم التخصيص، وأن مجلس النواب هو الجهة المخولة حصراً فرض الضرائب وإحداثها والترخيص بجبايتها وتعديلها أو إلغائها.

 

في المقابل، اعتبر أن الاشتراك المتوجب للصندوق هو عبء مالي إلزامي يُسدّد إلى مؤسسة عامة مستقلة ماليًا وإداريًا، ويُخصص حصراً لتمويل تقديمات محددة، وله مقابل احتمالي.

 

ولفت إلى أن الاشتراك يختلف عن الضريبة في خصائص جوهرية، إذ لا يؤول إلى الخزينة العامة لتمويل النفقات العامة، بل يُخصص لفروع الضمان التي يمولها، كما يمنح المضمون وذويه الحق في تقديمات محددة، ولا يخضع لمنطق القدرة التكليفية التصاعدية الذي يحكم الضريبة، بل يُحتسب على أساس نسبة من الأجر ضمن سقف.

 

واستند المجلس إلى القضاء الدستوري المقارن، ولا سيما قرار المجلس الدستوري الفرنسي رقم 2014-698 DC الصادر في 6 آب 2014، الذي اعتبر الاشتراكات الاجتماعية مبالغ إلزامية تفتح المجال أمام حقوق في التقديمات والمنافع، وحصر اجتهاده المتعلق بمراعاة القدرة التكليفية بالضرائب بمختلف أنواعها.

 

كما أشار إلى القرار رقم 90-285 DC الصادر في 28 كانون الأول 1990، وإلى حكمَي محكمة العدل الأوروبية في القضيتين C-34/98 وC-169/98 الصادرين في 15 شباط 2000، واللذين اعتمدا وجهة الاقتطاع وتخصيصه أساسًا للتوصيف، وليس التسمية المعطاة له.

 

وخلص المجلس إلى أن الاشتراك المتوجب للصندوق لا يندرج، بمعناه الحصري، في مفهوم «الضريبة العمومية» الوارد في المادة 81 من الدستور، وبالتالي لا يمكن اعتبار كل تفويض متعلق به محظورًا.

 

وأشار إلى أن قانون الضمان نفسه أناط بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء تعديل الحد الأقصى للكسب الخاضع للحسومات، وفق الفقرة 2 من المادة 68، كما أناط بالنظام الداخلي للصندوق تحديد مسائل تقنية عدة بموجب المادتين 69 و70، معتبرًا أن هذه التفويضات جائزة ما دامت ضمن الإطار العام الذي رسمه التشريع.

 

وأكد المجلس، في المقابل، أن عدم اعتبار الاشتراك ضريبة لا يعني ترك جميع عناصره لتقدير الإدارة، لأنه يبقى عبئًا ماليًا إلزاميًا يُفرض بحكم القانون وتحت طائلة الملاحقة والتنفيذ الجبري، ويؤثر مباشرة في الذمة المالية للمعنيين، ما يجعله داخلًا في نطاق «الفرائض العامة» المنصوص عليها في المادة 7 من الدستور.

 

ولفت إلى أنه سبق أن أدرج المساواة أمام الفرائض العامة والضرائب ضمن التطبيقات المكرسة لمبدأ المساواة، بموجب قراره رقم 19/2022 الصادر في 22 كانون الأول 2022.

 

كما استند إلى قراره رقم 5/2017 الصادر في 22 أيلول 2017، الذي اعتبر مضاعفة العبء على شريحة من المكلفين من دون تبرير مخالفة دستورية لمبدأ المساواة أمام التكاليف العامة والضرائب.

 

وأشار إلى أن القضاء الدستوري المقارن يُخضع الاشتراكات الاجتماعية لرقابة مزدوجة، تقوم على مبدأ المساواة أمام القانون ومبدأ المساواة أمام الأعباء العامة، مستشهدًا بقرارات المجلس الدستوري الفرنسي الصادرة بالأرقام 98-402 DC و2010-620 DC و2011-158 QPC.

 

واعتبر المجلس أن الوعاء الذي يُحتسب الاقتطاع على أساسه هو العنصر الأول المكوّن لأي عبء مالي إلزامي، وأن سعر تحويل الأجر المحدد بعملة أجنبية إلى الليرة ليس مجرد تفصيل تطبيقي، بل يمثل تحديدًا للوعاء نفسه، لأن اختلاف السعر يضاعف مقدار الدين أو يخفضه أضعافًا.

 

وأوضح أن التمييز الأساسي لا يقوم بين الضريبة والاشتراك، بل بين العنصر الجوهري المكوّن للعبء المالي، وفي مقدمته الوعاء وأساس تقويمه، وبين دقائق التطبيق والتنفيذ. فالعنصر الأول يدخل في صميم الاختصاص التشريعي، فيما يمكن تفويض المسائل التطبيقية.

 

وبناءً عليه، اعتبر المجلس أن تحديد أساس تقويم الأجر المدفوع بعملة أجنبية، لغايات احتساب الاشتراك، يدخل ضمن العناصر الجوهرية التي تعود إلى المشترع.

 

وأشار إلى أن المشترع، عندما واجه المسألة نفسها في المجال الضريبي، عالجها بنص تشريعي صريح في المادة 35 من القانون رقم 10/2022 والمادة 18 من موازنة 2024، واستثنى تعويضات نهاية الخدمة عن الفترة السابقة لـ31 كانون الأول 2023، محيلًا معالجتها إلى قانون خاص.

 

تحويل الأجور بالعملة الأجنبية

 

ولفت المجلس إلى أنه، بعد مراجعة مواد قانون الضمان الاجتماعي الـ87، لم يتبين وجود أي إشارة إلى الأجر المدفوع بعملة أجنبية أو إلى سعر الصرف وآلية التحويل، فيما وردت جميع الأحكام المتعلقة بالمقادير النقدية بالليرة اللبنانية.

 

كما لم يتضمن القانون المطعون فيه أي بند يحدّد أساس احتساب الديون عندما تكون الأجور مدفوعة بعملة أجنبية، رغم أنه تولّى تعريف الديون وتحديد نطاقها الزمني والإعفاء من قسم من زيادات التأخير وترتيب فوائد على المبالغ المقسطة وإلغاء ديون سابقة.

 

وأشار إلى أن الفقرة الأولى من المادة 68 من قانون الضمان تحدّد الكسب المعتمد لحساب الاشتراكات بأنه مجموع الدخل المدفوع للعامل مقابل العمل أو بمناسبته، بما يشمل جميع العناصر واللواحق، ما يعني أن الأساس هو الأجر الحقيقي المدفوع فعلًا باعتباره واقعة مادية تُثبت، وليس قيمة تُقدّر.

 

وأوضح أن الصندوق لا يملك سلطة تقدير عامة لهذا الأجر، إذ إن سلطة التقدير الوحيدة الممنوحة له في المادة 78 استثنائية ومشروطة بامتناع صاحب العمل عن تقديم المستندات بعد إنذاره، ولا تنطبق على صاحب العمل المصرّح والملتزم.

 

وتبيّن للمجلس أن المذكرة رقم 714 الصادرة في 5 أيلول 2023 نصّت على تسديد اشتراكات الصندوق عن الرواتب والأجور المدفوعة بعملة أجنبية بالليرة وبالقيمة الفعلية التي دُفعت فيها، وفق المادة 35 من القانون رقم 10/2022 والقرارين 1/2 و1/3 الصادرين في 9 كانون الثاني 2023.

 

واعتبر المجلس أن الصندوق اعتمد بذلك الآلية التي أوجدها القانون لاحتساب الأجور المدفوعة بالعملة الأجنبية، ولم يمارس سلطة استنسابية في هذا الشأن.

 

ولفت إلى أن المادة 18 من موازنة 2024 لم تستثنِ الديون المنصوص عليها في القانون المطعون فيه، بل اقتصر الإرجاء الذي قرّره المشترع على احتساب تعويضات نهاية الخدمة عن المرحلة السابقة لـ31 كانون الأول 2023، وهي مسألة تحكمها المادة 51 من قانون الضمان.

 

وأكد أن الاستثناء التشريعي يُفسّر تفسيرًا ضيقًا ولا يمكن القياس عليه، وأن إرجاء معالجة تعويضات نهاية الخدمة إلى قانون خاص لا يمتد إلى موجبات لم يشملها النص صراحة.

 

وأشار إلى أن الديون المتوجبة للصندوق، من اشتراكات وزيادات تأخير وفوائد، تقوم على سند قانوني مستقل هو أحكام الاشتراكات والتحصيل في قانون الضمان، وتنشأ دوريًا على صاحب العمل بمعزل عن أي واقعة تتعلق بانتهاء الخدمة.

 

واستثنى المجلس من ذلك التسويات التي تدخل وحدها في احتساب تعويض نهاية الخدمة، والتي يمكن أن تتأثر بأي قانون يعالج هذا الموضوع مستقبلًا.

 

وأوضح أن رقابته لا تتناول امتناع المشترع عن التشريع في مجال لم يلجه، لأن الملاءمة التشريعية تعود إلى المجلس النيابي وحده، لكنه يراقب القوانين في المجالات التي حجزها الدستور للمشترع عندما لا يستنفد اختصاصه فيها، ويترك تحديد عناصرها الجوهرية لسلطة أخرى، بما قد يؤدي إلى الاستنساب وعدم المساواة بين المكلفين من الفئة نفسها.

 

وأشار إلى أن هذا الأمر يُعرف بـ«عدم الاختصاص السلبي»، وقد أرساه القضاء الدستوري المقارن منذ القرار رقم 67-31 DC الصادر في 26 كانون الثاني 1967، وتطور لاحقًا في القرارات 83-165 DC و86-217 DC و93-322 DC و2010-33 QPC.

 

وخلص المجلس إلى أن ثبوت عدم الاختصاص السلبي المحصور بتعويضات نهاية الخدمة عن المرحلة السابقة لـ31 كانون الأول 2023 لم يقترن بعدم وضوح القانون المطعون فيه، ولم ينتج منه تفويض للصندوق يتعلق باحتساب الديون المشمولة بالقانون، بما قد يخل بمبدأ المساواة أمام الفرائض العامة.

 

واعتبر أن القانون لا يتضمن أحكامًا تستوجب الإبطال لمخالفة الدستور، وإن كان تطبيقه قد يتأثر بالقانون اللاحق الموعود لمعالجة تعويضات نهاية الخدمة.

 

كما رأى أن إبطال القانون كان سيؤدي إلى إلغاء أحكام مطابقة للدستور ومخففة للأعباء، تشمل الإعفاء من قسم من زيادات التأخير، وإلغاء الديون السابقة لـ31 كانون الأول 2000، وإتاحة تقسيط الديون.

 

وبناءً على ذلك، قرّر المجلس بالإجماع قبول المراجعة شكلًا وردّها أساسًا، وإبلاغ القرار إلى رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ورئاسة مجلس الوزراء، ونشره في الجريدة الرسمية.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا