تحذير سبق اغتيال معوض وخلاف مع غزالي.. عباس إبراهيم يروي 4 عقود من الأسرار
خرج عباس إبراهيم من بوابة الكلية الحربية في الأول من آب 1982، فوجد حاجزًا إسرائيليًا ينتظره على الطريق. كان قد تسلّم سيفه للتو في حفل تخرج مختصر فرضه اجتياح لبنان، ولم يكن يعرف أن مسيرته ستعبر لاحقًا معظم التحولات التي عاشها البلد: انقسام الجيش، ونهاية الحرب الأهلية، واتفاق الطائف، والوصاية السورية، واغتيال رفيق الحريري، وحرب تموز، ثم المواجهة مع الجماعات المسلحة داخل المخيمات الفلسطينية.
لا يستعيد المدير العام السابق للأمن العام سيرة ضابط تنقّل بين الحرب والأمن والتفاوض فحسب. يروي الرجل تفاصيل وخبايا لم تكن ظاهرة في الرواية السياسية العامة، لعل أبرزها ما يكشفه عن تحذير تلقاه الأخضر الإبراهيمي صباح اغتيال رينيه معوض، وعن إخراج إلياس الهراوي من فندق شتورة مرتديًا زيًا عسكريًا بعد انتخابه. كما يتحدث عن علاقته مع رفيق الحريري التي بدأت في مطار بيروت، وعن خلافه مع رستم غزالي الذي انتهى بإبعاده عن مديرية المخابرات.
لكن الخيط الذي جمع هذه المحطات لم يكن السيرة الشخصية وحدها، إذ تعيد الحلقة طرح السؤال عن النموذج الذي طالما مثّله إبراهيم، بوصفه رجل أمن تحرك في السياسة والدبلوماسية وملفات التفاوض والرهائن، فهل صنع إبراهيم هذا الدور بقدراته وعلاقاته، أم أن هشاشة الدولة اللبنانية هي التي صنعت الحاجة إلى من يملأ فراغ مؤسساتها؟
قبل الدخول في تفاصيل المسيرة، واجه أبو رمان ضيفه بالسؤال الذي يختصر جانبًا كبيرًا منها:
كيف تحول مدير جهاز أمني إلى وسيط يفتح قنوات بين الخصوم ويتولى مهمات تتجاوز الحدود التقليدية لوظيفته؟
يجيب ابراهيم بصراحة لافتة، فيقول إن كل ما قام به كان بضوء أخضر من الرؤساء الذين عمل معهم مباشرة، وإن تحركاته لم تكن منفصلة عن مؤسسات الدولة. لكنه يعترف في الوقت ذاته بأن هامش المناورة الواسع الذي تحرك ضمنه لم يكن ليتاح له لولا ضعف المؤسسات، وهو ما ساعده على إظهار قدرته على الإنجاز في ملفات كانت المؤسسات التقليدية عاجزة عن إدارتها.
يصف إبراهيم الطائفية بأنها "مرض المؤسسات"، لأنها تفرض في حالات كثيرة إسناد المواقع إلى أشخاص لا يملكون بالضرورة الكفاءة لشغلها. ويرى أن خروجه من الاصطفاف الطائفي منحه قوة إضافية، لأن المهمات التي تولاها لم ترتدِ، بحسب قوله، لبوسًا طائفيًا. ففي بلد موزع بين الطوائف، يصبح القادر على التحرك خارج حدودها أقدر على الوصول إلى أطراف متناقضة.
ويستعيد في هذا السياق موقفه عند اندلاع الثورة السورية عام 2011، وهي السنة التي عُيّن فيها مديرًا عامًا للأمن العام. ففي مقابل تبني الدولة اللبنانية سياسة "النأي بالنفس"، كان رأيه أن لبنان يستطيع أن ينأى بنفسه عن الأزمة، لكن الأزمة لن تنأى بنفسها عنه.
ولذلك، اقترح آنذاك تشكيل لجنة من الحكماء تزور الدول التي شهدت انتفاضات الربيع العربي، في محاولة مبكرة لرأب الصدع بين أطرافها، إلا أن السياسيين اللبنانيين فضّلوا الابتعاد عن هذه الملفات. عندها تحرك إبراهيم ضمن حدود وظيفته، وتجاوزها أحيانًا، انطلاقًا من اقتناع بأن لبنان لا يستطيع عزل نفسه عن محيطه، وأن دور اللبنانيين يقوم على فتح قنوات الاتصال وتجسير العلاقات.
من هذه المعادلة، بين الشخصي والبنيوي، ينطلق سرد مسيرة رجل خرج من قرية جنوبية صغيرة ليصبح واحدًا من أكثر الشخصيات الأمنية العربية حضورًا في ملفات التفاوض والوساطة والرهائن.
تنتمي عائلة إبراهيم إلى بلدة كوثرية السياد في قضاء صيدا. كان والده يعمل في الكويت أواخر خمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات، فقضى عباس سنوات طفولته الأولى هناك، قبل أن تعود العائلة وتستقر في بيروت، حيث عمل الوالد في قطاع الأفران، ووصل لاحقًا إلى رئاسة نقابة أصحاب الأفران في لبنان.
ورغم الإقامة في العاصمة، ظلّت الزيارات إلى القرية خلال العطل المدرسية ونهايات الأسبوع تغذّي ارتباطًا عاطفيًا بالأرض الجنوبية، ارتباطًا متقطعًا لكنه عميق. ويقول إبراهيم إن الإقامة بعيدًا عن القرية لم تُضعف صلته بها، وإنما صنعت حنينًا أكبر إلى الأرض التي لم يعش فيها بصورة متواصلة.
كانت القضية الفلسطينية، بحسب ما يرويه، "القضية الحاكمة لضمير العالم العربي" خلال سنوات مراهقته وشبابه المبكر، وسط حماسة واسعة للعمل العسكري والفدائي وفكرة التحرير. لكن الدافع الأعمق لدخوله السلك العسكري لم يكن أيديولوجيًا بقدر ما كان شخصيًا ووطنيًا في آن: شعور داخلي بضرورة الانتماء إلى مؤسسة قادرة على أن تكون "صمام أمان" للبلد.
المفارقة أنّ هذا القرار واجه معارضة عائلية شديدة. فقد كان والده يفضّل أن يكمل ابنه تعليمه في أوروبا أو أميركا بعيدًا عن السلك العسكري، خصوصًا أن العائلة فقدت نجلها الأكبر بعدما أصابه قناص خلال خدمته الاحتياطية في الجيش على أحد خطوط التماس.
التخرج تحت الاحتلال
تخرج إبراهيم من الكلية الحربية في الأول من آب 1982، بعد أقل من شهرين على بدء الاجتياح الإسرائيلي للبنان ووصول القوات الإسرائيلية إلى العاصمة بيروت.
لم تشهد دفعته احتفال التخرج الرسمي الذي اعتاد الجيش تنظيمه بحضور رئيس الجمهورية وكبار المسؤولين وعائلات الضباط، إذ جرى تسليم السيوف للمتخرجين داخل إحدى قاعات التعليم، بعيدًا عن المراسم المعتادة.
أما المشهد الذي بقي محفورًا في ذاكرته، فكان خروجه من باب الكلية متوجهًا إلى منزله، ليجد أمامه حاجزًا للقوات الإسرائيلية يتحكم بالطريق الصاعد نحو الجبل والنازل باتجاه بيروت.
في العام التالي، كان إبراهيم في إجازة داخل بلدته عندما تعرضت للقصف وحاولت قوة إسرائيلية دخولها. التحق بالموقع التابع للجيش اللبناني وشارك، خارج مهمته الرسمية، في التصدي لمحاولة التقدم.
وخلال عملية أخرى عام 1983، كُلّفت القوة التي يخدم فيها السيطرة على تلال تشرف على طريق الجنوب، بعدما تمركز فيها مسلحون وقناصون وقطعوا الطريق. وأثناء صعود المجموعة، تعرض الملازم أول شفيق شربل لإطلاق النار واستشهد.
بقي إبراهيم مع العسكريين محاصرين قرب جثمانه نحو ثلاثة أيام، إلى أن وصلت قوة إسناد وفكت الحصار. وكانت الذخيرة توشك على النفاد، إلا أن القوة استكملت مهمتها وسيطرت على التلال وأعادت فتح الطريق.
المجموعة الأميركية والوجبات الجاهزة
كان إبراهيم آمر سرية في الفوج المجوقل الأول عندما أُلحقت وحدته بمديرية المخابرات بوصفها قوة ضاربة. وفي عام 1983، حوصرت مجموعة أميركية قرب مطار بيروت وكانت ذخيرتها على وشك النفاد، فطلبت قيادة الجيش متطوعين للوصول إليها. فتطوع إبراهيم للمهمة، ودخل مع عسكريين عبر مجاري المياه المبتذلة، وتمكنوا من الوصول إلى الموقع وتزويد المجموعة بالذخيرة.
احتفظ من تلك العملية بمفارقة استعادها بعد عقود. كانت لدى الأميركيين وجبات عسكرية جاهزة من نوع "MRE"، لكنهم رفضوا إعطاء العسكريين اللبنانيين منها عندما طلبوا الطعام، رغم أنهم خاطروا للوصول إليهم. ولجأ أفراد القوة اللبنانية إلى مزرعة قريبة، فكانوا يحلبون الماعز في خوذهم العسكرية ويشربون الحليب. وبعد نحو عشرة أيام في تلك الظروف، خرجوا مصابين بمرض جلدي.
عندما أصبح إبراهيم مديرًا عامًا للأمن العام، زارته السفيرة الأميركية في بيروت، فروى لها الواقعة. وقال إنها عادت إلى السفارة وأرسلت إليه كمية من الوجبات العسكرية الجاهزة، في رد متأخر على المهمة التي نفذها عام 1983
بعد تخرجه، عمل إبراهيم مع قوة تولت مداهمة مقار الأحزاب ومخازن الذخيرة التابعة لها وللفصائل الفلسطينية ومصادرتها، في وقت كانت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل تقود إلى اتفاق 17 أيار 1983.
فاقم الاتفاق الانقسام السياسي والعسكري، قبل أن تبلغ الأزمة ذروتها مع أحداث 6 شباط 1984 وانقسام الجيش بين قيادتين وموقعين سياسيين متعارضين.
اختار إبراهيم، مع أفراد سريته، الانتقال إلى اللواء السادس في غرب بيروت، تاركًا خلفه بيئة لم يعد بالإمكان العمل ضمنها. وقبل ذلك، ساعد العسكريين المسيحيين في وحدته على بلوغ خطوط التماس والعودة إلى عائلاتهم في شرق العاصمة.
خلال مهمة لاحقة للفصل بين أحزاب كانت تتقاتل في غرب بيروت، اتُّفق مع المسلحين على وقف إطلاق النار عند مرور دوريات الجيش. لكن إحدى الدوريات تعرضت للنيران، فأصيب مرافق إبراهيم برصاصة في الرأس واستشهد إلى جانبه، فيما أصابت قذيفة صاروخية الآلية التي كان يستقلها وأدت إلى إصابته في يده.
من الثكنة إلى حماية الأخضر الإبراهيمي
في أواخر الثمانينيات، كان الجيش اللبناني منقسمًا بين قيادة في شرق بيروت وأخرى في غربها. ومع ذلك، أشار إبراهيم إلى أن وحدته بقيت تتبع إداريًا قيادة المنطقة الشرقية وعملياتيًا قيادة المنطقة الغربية، في انعكاس لمحاولة المؤسسة المحافظة على وحدتها.
سافر إلى الولايات المتحدة في دورة عسكرية استمرت تسعة أشهر. وعندما عاد، لم يستسغ واقع الانقسام، فابتعد مدة عن الخدمة الفعلية، قبل أن يُعرض عليه الانضمام إلى فريق حماية الأخضر الإبراهيمي، الذي كان يقود جهود اللجنة العربية لإنهاء الحرب.
وجد إبراهيم نفسه للمرة الأولى قريبًا من عملية سياسية كبرى. ومن موقعه إلى جانب الإبراهيمي، عاين الوساطة التي قادت إلى اتفاق الطائف وانتخاب رينيه معوض رئيسًا للجمهورية في 5 تشرين الثاني 1989.
وصف إبراهيم منهج الإبراهيمي بأنه قائم على الحزم والصبر والإصرار، وعلى الكلمة بوصفها السلاح الوحيد. فعندما كانت مواكبه تتعرض لمضايقات المسلحين على الحواجز، كانت تعليماته تجنب الاشتباك وعدم الانجرار إلى الاستفزاز.
وبحسب وصفه، كان الإبراهيمي يأخذ من ركام الحرب ويبني به جسورًا بين اللبنانيين. ويوضح أن منهجه قائم على الصبر والحزم و"الكلمة" وحدها سلاحًا، حتى في مواجهة المضايقات على الحواجز.
تحذير في صباح اغتيال معوض
في صباح 22 نوفمبر 1989، تناول إبراهيم والإبراهيمي الفطور في الفندق، قبل أن يطلب المبعوث العربي التوجه إلى لقاء الرئيس معوض، الذي كان يستعد لرئاسة الاحتفال الرسمي بعيد الاستقلال.
سأل إبراهيم عن سبب الزيارة، فأجابه الإبراهيمي، وفق روايته: "وصلني خبر بأنه سيتم اغتيال الرئيس معوض اليوم، وسأحاول ثنيه عن الذهاب إلى الاحتفال".
توجه الاثنان إلى معوض، وحاول الإبراهيمي إقناعه بعدم المشاركة، لكن الرئيس اللبناني لم يستجب للتحذير. وبعد انتهاء الاحتفال، استهدفت سيارة مفخخة موكبه في منطقة الصنايع في بيروت، فاغتيل مع عدد من مرافقيه ومدنيين، بعد 17 يومًا على انتخابه.
وعندما سأله أبو رمان عن مصدر المعلومة، قال إبراهيم إن التحذير وصل إلى الإبراهيمي من إحدى السفارات الغربية، من دون تسمية السفارة أو تقديم تفاصيل إضافية عن الجهة التي كان يُعتقد أنها تعد للاغتيال.
لا تحسم هذه الشهادة هوية منفذي الجريمة، ولا تقدم دليلًا على الجهة التي كانت تقف خلفها. إلا أنها تكشف، وفق رواية إبراهيم، وجود تحذير محدد سبق الاغتيال بساعات، وتطرح سؤالًا عن المعلومات التي كانت متوافرة والجهات التي تلقتها.
بعد يومين على اغتيال معوض، انتخب مجلس النواب إلياس الهراوي رئيسًا للجمهورية في 24 نوفمبر، خلال جلسة عقدت في فندق بارك أوتيل في شتورة.
كُلّف إبراهيم تأمين جلسة الانتخاب، ثم ثم بمهمة أكثر حساسية: تهريب الرئيس المنتخب سرًا من الفندق حيث كانت تفرض قوات سورية حراسة مشددة، عبر إخراجه من المطبخ بزي عسكري إلى آلية تابعة للجيش، تمهيدًا لنقله إلى مكان أكثر أمانًا.
وبالفعل، أُحضرت للهراوي بدلة عسكرية، وطلب فريق الحماية وجبة عشاء إلى غرفته للإيحاء بأنه سيبقى داخل الفندق. ثم أُخرج عبر المطبخ ونُقل في آلية عسكرية إلى منزل اللواء جميل السيد في أبلح.
انتقل الهراوي بعد ذلك إلى مقر قيادة عسكرية أقام فيه مدة، قبل توجهه إلى بيروت. ثم طلب من إبراهيم الانضمام إلى فريقه، مع السماح له بمواصلة مرافقة الأخضر الإبراهيمي عندما يكون الأخير في العاصمة اللبنانية.
بهذا، أصبح الضابط الشاب قريبًا في وقت واحد من الوسيط العربي الذي أسهم في الوصول إلى اتفاق الطائف، ومن أول رئيس للجمهورية في مرحلة ما بعد الاتفاق.
الحريري: من المطار إلى "بوليصة تأمين"
شكّلت تلك المرحلة بداية علاقة إبراهيم برفيق الحريري. فقد استدعاه الهراوي وسأله إن كان يعرف رجل الأعمال اللبناني، ثم كلفه استقباله في مطار بيروت وإبلاغه بأن رئيس الجمهورية ينتظره.
عندما وصل الحريري، طلب التوجه أولًا إلى مستشفى الجامعة الأميركية لزيارة والده، قبل لقاء الهراوي. ومن ذلك اليوم بدأت علاقة تطورت في السنوات اللاحقة، حتى طلب الحريري من إبراهيم، بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة، المساعدة في تنظيم جهاز أمنه الخاص.
يصف إبراهيم الحريري بأنه كان شخصية عابرة "لا للطوائف فقط، وإنما للقارات"، وبأنه كان يرتب لقاءاته خلال السفر و"يفرض المواعيد ولا يطلبها"، بحكم شبكة علاقاته الدولية.
كما يصفه بأنه رجل حوار يمتلك قدرًا كبيرًا من الصبر على الحملات. وروى أنه سأله مرة عن جدوى تولي رئاسة الحكومة، بعدما كان اللبنانيون يتوافدون إلى زيارته حين كان رجل أعمال، فيما أصبح كثيرون يهاجمونه بعد وصوله إلى المنصب. فأجابه الحريري: "من يريد خدمة بلده عليه أن يتحمل".
ويقول إبراهيم إنه تعلم من الحريري تجاوز الحملات وعدم الوقوف عند صغائر الأمور، ومن الهراوي ممارسة السياسة بعفوية وفكاهة، ومن الإبراهيمي الحزم والصبر والاعتماد على الحوار.
ويصف الحريري بأنه كان يمثل له "بوليصة تأمين معنوية"، لأنه لم يرده خائبًا عندما طلب منه التدخل في قضايا تحتاج إلى اتصالات بشخصيات عربية أو دولية.
لحظة اغتيال الحريري
كان إبراهيم قائدًا لفوج المغاوير عند اغتيال رفيق الحريري في 14 شباط 2005، بعدما أدى خلافه مع المسؤولين السوريين إلى إبعاده من مديرية المخابرات.
كان مكتبه يطل على غرب بيروت وعلى المنطقة التي وقع فيها الانفجار. وما إن شاهد الدخان حتى اتصل بمنزل الحريري وسأل عن مكانه، ثم عن نجليه سعد وبهاء.
كان الموجودون في المنزل يعتقدون أن الحريري لا يزال في مجلس النواب، ولم يكونوا قد علموا بمغادرته. إلا أن إبراهيم شعر منذ اللحظة الأولى بأنه المستهدف.
وعن الجهة التي اشتبه فيها عقب الاغتيال، يقول إبراهيم إن احتمال وقوف إسرائيل خلفه كان من الأفكار الأولى التي خطرت له، من دون أن يستبعد وجود خصوم داخليين أو مسؤولية سوريا أو أي جهة أخرى.
لكنه يشدد على أنه كان بعيدًا آنذاك عن العمل الاستخباري المرتبط بالملف، ولم يكن يمتلك معلومات تتيح له تقديم رأي مهني، كما يقرّ بأن خلاصته الأولى تغيرت لاحقًا.
عمل إبراهيم خلال التسعينيات في فرع مكافحة الإرهاب والتجسس. يقول إن الجماعات الجهادية لم تكن تمثل آنذاك التحدي بالحجم الذي بلغته في مراحل لاحقة، فيما انصب التركيز على شبكات التجسس الإسرائيلية وبعض الملفات الفلسطينية والداخلية.
وبعد انسحاب القوات الإسرائيلية من جنوب لبنان عام 2000، تولى الفرع التعامل مع آلاف المتهمين بالتعاون مع إسرائيل. وأقيم لهم مركز جرى تجميعهم فيه وإخضاعهم للتحقيق، في مهمة وصفها إبراهيم بأنها من الأصعب خلال تلك المرحلة.
كما يكشف أنه كان يعمل في الفرع الذي كُلّف توقيف رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع، من دون أن يتوسع في ظروف العملية أو تفاصيلها.
خلاف مع رستم غزالي
في مطلع عام 2003، اصطدم ابراهيم بالنفوذ السوري في لبنان إثر خلاف حول ترقيات ضباط دورته العسكرية. ويكشف في هذا السياق عن مواجهة وقعت بينه وبين رئيس جهاز الأمن والاستطلاع السوري في لبنان آنذاك رستم غزالي، على خلفية هذا الملف.
أدى التدخل، وفق روايته، إلى استبعاد الدورة التي ينتمي إليها من الترقية. وكان زملاؤه يعودون إليه لمتابعة القضية بحكم موقعه في قيادة الجيش، فدخل في مواجهة كلامية مع غزالي. ويقول إنه اتخذ قرارًا بألا يعترف بوجود "كبير" عندما يتعلق الأمر بمصلحة دورته والجيش.
انتهى الخلاف بعدم ترقية الضباط وإبعاده من مديرية المخابرات إلى موقع لوجستي محدود الدور والتأثير، في مرحلة كان النفوذ السوري في لبنان لا يزال طاغيًا.
بقي إبراهيم بعيدًا عن المديرية حتى انسحاب الجيش السوري من لبنان عام 2005، عندما عاد إليها وتولى فرع الجنوب. وبعد ثلاث سنوات، وجد نفسه مكلفًا بالتنسيق مع الأجهزة نفسها التي سبق أن اصطدم بها.
في عام 2008، شارك إبراهيم، وكان قد أصبح مساعدًا لمدير المخابرات، في وفد عسكري رافق قائد الجيش في زيارة إلى دمشق،حيث وجد نفسه أمام اللواء آصف شوكت، مدير المخابرات السورية آنذاك، من دون معرفة مسبقة به.
تحوّلت الجلسة إلى "عتب" متبادل حول الخلاف السابق مع الجانب السوري، قبل أن يتفقا على تجاوز تلك المرحلة وفتح صفحة جديدة في التنسيق الأمني.
بعد الزيارة، كلفته قيادة الجيش التنسيق بين المخابرات اللبنانية والسورية، وكان ملف شبكات التجسس الإسرائيلية من أبرز الملفات التي عمل عليها الجانبان.
التقى إبراهيم شوكت مرة أخرى بعد انتقال الأخير إلى موقع عسكري جديد. ويكشف أنه كان في زيارة إلى فرنسا حين وضع مدير المخابرات الفرنسية جدول الأعمال المتفق عليه جانبًا، وخصص اللقاء للسؤال عن سبب إبعاد شوكت من موقعه، إلا أن إبراهيم لم يكن يملك إجابات عن خلفيات القرار داخل النظام السوري.
يصف ابراهيم شوكت بأنه كان شخصية "صلبة وقاسية ومرنة في آن"، مسيّسًا رغم خلفيته العسكرية البحتة، ومطّلعًا بدقة على تفاصيل المشهد السوري، مستذكرًا مقولة كان شوكت يرددها منذ عام 2011 مفادها أن "ثمن سقوط النظام هو دمار سوريا".
حرب 2006: من الجبهة إلى السياسة
عندما اندلعت حرب تموز 2006، كان إبراهيم يتولى مسؤولية مخابرات الجيش في جنوب لبنان. وبقي في الجنوب طوال أيام الحرب، حيث كان يتولى إرسال تقارير يومية إلى قيادة الجيش عن وضع الجبهة والتطورات الميدانية.
ومع بدء مجلس الوزراء عقد اجتماعات متواصلة للبحث عن مخرج سياسي، أخذت التقارير طابعًا سياسيًا إلى جانب بعدها العسكري، وربطت بين ما يحدث على الأرض والخيارات المتاحة أمام الدولة. وكانت قيادة الجيش تنقل هذه التقارير والاقتراحات إلى مجلس الوزراء، في ظل مشاركة قائد الجيش ومدير المخابرات في جلساته.
يرى ابراهيم أن صمود المقاومة في تلك الحرب كان يجب أن يُستثمر سياسيًا للوصول إلى تسوية تُخرج لبنان "غير مهزوم"، وأن القرار 1701 نجح إلى حد بعيد في منع تجدد الصراع الواسع حتى عام 2023-2024.
واجه إبراهيم اختبارًا مختلفًا خلال معركة نهر البارد عام 2007، بعدما بدأت جماعة "فتح الإسلام" طلب دعم عسكري ولوجستي من مخيم عين الحلوة، وأخذت مجموعات داخله تستعد لإرسال المساندة إلى الشمال.
قرر إبراهيم دخول المخيم بنفسه، رغم أن التعليمات كانت تمنع العسكريين اللبنانيين من دخوله، ورغم علمه بأن اسمه مدرج على قوائم استهداف جماعات متشددة.
ارتدى ملابس مدنية وتولى قيادة السيارة، وعندما اقترح مرافقه حمل السلاح، أجابه بأن البندقية لن تفيده في المكان الذي يتوجهان إليه.
طريق إلى عين الحلوة
كان إبراهيم يتواصل هاتفيًا مع القيادي الفلسطيني منير المقدح، من دون أن يكون الأخير قد رآه شخصيًا. فأبلغه بأنه سيرسل إليه رسالة مع سائقه عند حاجز الجيش القريب من المخيم.
حين التقيا، بقي المقدح يعتقد أن إبراهيم هو السائق ويسأله عن الرسالة. وقبل الوصول إلى منزله، كشف له إبراهيم هويته وأبلغه بأنه يريد الدخول معه إلى المخيم.
اعترض المقدح وحذره من خطورة الخطوة، لكن إبراهيم أصر على التجول في أحياء عين الحلوة. واتصل المقدح بصديق فلسطيني مشترك ليتحقق مما إذا كان الرجل الجالس إلى جانبه هو بالفعل الضابط اللبناني، واصفًا إياه بأنه "مجنون" لأنه يريد السير داخل المخيم.
ومع بدء الجولة، كان عدد المسلحين الذين يسيرون خلفهما يزداد كلما قطعا مسافة داخل الأزقة. عندها طلب إبراهيم من المقدح ترتيب لقاء مع "عصبة الأنصار"، التي كانت من أبرز القوى الإسلامية المتشددة في المخيم.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|