3 بلدات تفجّر أزمة ثقة.. إسرائيل تجمّد الانسحاب من جنوب لبنان
كشفت مصادر لبنانية عن كواليس جولات التفاوض الأخيرة في روما ومساعي واشنطن الحالية، مشيرة إلى تعثر ملف "المناطق التجريبية" بشكل كبير جراء إبداء الجانب الإسرائيلي شكوكاً واسعة حول أداء الجيش اللبناني.
وقالت المصادر لـ"إرم نيوز" إن تل أبيب رفضت مناقشة أي انسحابات إضافية بحجة أن الجيش انتشر في ثلاث بلدات فقط من أصل البلدات المتفق عليها، واشترطت فرض سيطرة كاملة للجيش قبل أي تراجع إسرائيلي.
وأشارت المصادر إلى وجود خلاف حاد حول هوية الطرف الدولي الموثوق الذي سيشرف على مراقبة الحدود، حيث ترفض إسرائيل بشكل قاطع أي دور لفرنسا، بينما لم تنجح المساعي اللبنانية حتى الآن في تمرير خيارات بديلة مقبولة كإيطاليا، بالتوازي مع تعليق موعد الجولة الثامنة من مفاوضات روما بانتظار بلورة الإدارة الأمريكية لأرضية مشتركة قادرة على تفكيك العقد السياسية والعسكرية.
ودخل المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي فصلاً جديداً من الانسداد الاستراتيجي الكامل، حيث تحولت طاولات الحوار غير المباشرة برعاية أمريكية إلى ساحة للشروط التعجيزية المتبادلة.
ومع جمود المحادثات السياسية والعسكرية بين بيروت وتل أبيب و واشنطن، يتمسك كل طرف بشروطه، مما يعطل التوصل إلى أي حل دبلوماسي ملموس في الوقت الحالي ويدخل المفاوضات في حلقة مفرغة من الشروط المتبادلة.
ويتزامن الجمود مع مساعٍ أمريكية حثيثة يقودها السفير الأمريكي في لبنان ميشال عيسى لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، غير أن الفجوة الشاسعة بين الشروط الإسرائيلية والمخاوف اللبنانية تحول دون تحقيق أي تقدم؛ حيث يصر كل طرف على أن يخطو الآخر الخطوة الأولى، مما يؤدي إلى معادلة صفرية تعطل الحلول الدبلوماسية.
ويتمحور الخلاف الأساسي حول تراتبية التنفيذ وآليات بناء الثقة المفقودة تاريخياً وعملياً بين الجانبين، حيث رفعت تل أبيب سقف مطالبها متجاوزة حدود التراجعات التكتيكية لحزب الله لتصر على الرفض القاطع للانسحاب من البلدات الحدودية المحتلة قبل نزع سلاح الحزب كاملاً وتفكيك بنيته العسكرية.
وتجد الحكومة اللبنانية نفسها في موقف حرج للغاية في ظل هكذا وضع، إذ يطالبها المجتمع الدولي بتنفيذ التزامات سيادية وضبط الميدان، في حين أنها لا تملك ضمانات مقابلة تلزم إسرائيل بالانسحاب أو وقف خروقاتها المستمرة للاتفاقيات السابقة.
من جهته، يرى المحلل السياسي مهنا الدروب، أن المشهد الحالي يتجاوز فكرة الخلاف التقني على بنود الاتفاقيات ليلامس صراع الإرادات الإستراتيجية.
ويؤكد في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن غياب الطرف الضامن الموثوق والملزم للطرفين يجعل من الصعب تطبيق مبدأ الخطوة مقابل خطوة، مشيرا إلى أن الجانب اللبناني يرى في الشروط الإسرائيلية محاولة لفرض بنود مجحفة شبيهة باتفاق السابع عشر من أيار، بينما ترى إسرائيل أن أي انسحاب دون تفكيك كامل لسلاح الحزب يعني العودة إلى نقطة الصفر.
ويضيف، أن إسرائيل تعمد إلى إطالة أمد احتلال بعض المرتفعات الإستراتيجية وتوسيع عمليات التجريف والتفجير في قرى الجنوب بهدف رفع كلفة التفاوض على الدولة اللبنانية، وتحويل الضغط العسكري إلى ورقة ابتزاز سياسي داخلي لإذكاء السجال اللبناني حول سلاح حزب الله وحصره بيد الدولة.
ويشير إلى أن الانسداد الراهن يعود أيضاً إلى ارتباط الملف اللبناني بملفات إقليمية أعقد، لاسيما المواجهات المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران في المنطقة، حيث تتحرك طهران بمرونة لإعطاء أضواء خضراء تكتيكية للحزب في بعض المواقع العسكرية، مع الحفاظ على الترسانة الصاروخية كخط دفاع أول في الحسابات الإقليمية الكبرى.
وأمام هذا المشهد، تبرز سيناريوهات مرشحة لرسم معالم المرحلة المقبلة في الجنوب اللبناني، أولها سيناريو الاستنزاف المستمر وهو المرجح حالياً، حيث تبقى وتيرة المفاوضات معلقة بانتظار ترتيبات واشنطن بالتوازي مع استمرار عمليات القصف المتبادل والتوغلات الموضعية دون اندلاع حرب شاملة أو التوصل لاتفاق نهائي.
أما السيناريو الثاني فيتمثل في التدحرج الميداني، بحيث يؤدي انسداد الأفق السياسي وتكثيف الخروقات العسكرية من الطرفين إلى انهيار الخطوط الحمر العسكرية، مما يدفع نحو مواجهة أوسع تجبر الأطراف الدولية على التدخل العاجل لفرض تسوية قسرية.
ويبقى السيناريو الثالث معلقاً بنضوج ظروف صفقة إقليمية شاملة برعاية أمريكية تتضمن جدولاً زمنياً متزامناً، يبدأ بانسحاب إسرائيلي كامل وتثبيت الحدود البرية، مقابل انتشار فعلي للجيش اللبناني مدعوماً بقوات مراقبة دولية مقبولة من الطرفين، مع وضع آلية زمنية واضحة لمعالجة ملف السلاح تحت مظلة استراتيجية دفاعية وطنية.
وفي كل الأحوال، فإن الواقع الميداني والدبلوماسي يثبت حتى الآن أن المسار التفاوضي اللبناني-الإسرائيلي بات رهينة دائرة مغلقة من الشروط السيادية والأمنية المتصادمة، ولن تفلح المساعي الدبلوماسية التقليدية في كسر هذا الانسداد الاستراتيجي ما لم تتوفر إرادة أمريكية قادرة على تقديم ضمانات حقيقية، تلبي هاجس الأمن الإسرائيلي من جهة، وتحفظ ما تبقى من سيادة وكرامة وطنية للدولة اللبنانية من جهة أخرى.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|