إقتصاد

موازنة ٢٠٢٧: تثبيت مالي بلا تحوّل اقتصادي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

أحالت وزارة المال، يوم الاثنين الفائت،  مشروع موازنة ٢٠٢٧ إلى مجلس الوزراء بإيرادات ونفقات تقارب ٦١٤٫٤ تريليون ليرة لبنانية، أي نحو ٦٫٩ مليارات دولار. ومن حيث الشكل، يحمل المشروع رسالة إيجابية: الدولة تحاول إبقاء الإنفاق ضمن حدود الإيرادات المتوقعة، والابتعاد عن تمويل عجز جديد في الموازنة. لكن الأرقام وحدها لا تروي القصة كاملة.

عند قراءة التوجهات العامة للمشروع، يبدو أن الرهان الأساسي ليس على فرض ضريبة عامة جديدة، بل على استخراج إيرادات أكبر من النظام القائم. الأدوات المستخدمة تتراوح بين تحسين قدرة الإدارة على اكتشاف المخالفات، وربط المعلومات بين مؤسسات الدولة، وتوسيع نطاق الالتزام الضريبي، وتشديد التحصيل، إلى جانب تعديل بعض الرسوم وتبسيط إجراءات محددة لتشجيع المكلفين على التصريح والدفع.

هذه المقاربة مفهومة من الناحية المالية. فرفع كفاءة التحصيل أسرع وأقل اضطراباً من إعادة بناء النظام الضريبي بكامله. لكن تحسين الجباية لا يعني بالضرورة إصلاح النظام الضريبي. والفرق بين الاثنين مهم جداً في الحالة اللبنانية.

الجباية الأسهل لا تعني بالضرورة الجباية الأعدل

فالجزء الأكبر من الإيرادات الضريبية في المشروع يأتي من الضرائب غير المباشرة، أي من الاستهلاك والاستيراد والمعاملات، فيما يبقى الوصول إلى الدخل الحقيقي والأرباح الفعلية أكثر صعوبة. وتشير القراءة المنشورة لأرقام المشروع إلى أن نحو ٧٨٫٥٪ من الإيرادات الضريبية المتوقعة تأتي من الضرائب غير المباشرة، مقابل نحو ٢١٫٥٪ من الضرائب المباشرة.

وهذا يفسّر لماذا تبدو بعض إجراءات ٢٠٢٧ موجهة إلى تحسين قدرة الدولة على رؤية النشاط الاقتصادي أكثر من تغيير معدلات الضرائب نفسها. مطابقة البيانات بين المؤسسات العامة، وتشديد قواعد التسجيل في الضريبة على القيمة المضافة، وتوسيع استخدام الفوترة الإلكترونية، كلها أدوات يمكن أن تجعل التهرب أصعب وتزيد التحصيل من دون الحاجة إلى فرض ضريبة عامة جديدة.

حتى تبسيط بعض الإجراءات يمكن أن يخدم الهدف نفسه. عندما تقل التصاريح المطلوبة أو تصبح مهل الدفع أكثر واقعية، قد ترتفع نسبة الالتزام بدلاً من أن تتحول الإجراءات المعقدة إلى سبب إضافي للتهرب. وفي المقابل، فإن ربط بعض الخدمات والمعاملات العامة بالالتزام الضريبي يشكل وسيلة ضغط إضافية على من يملك التزامات مستحقة للدولة.

المشكلة في قاعدة الضرائب قبل معدلاتها

لكن هذه الأدوات، مهما كانت فعّالة، لا تعالج وحدها الخلل الأساسي في توزيع العبء الضريبي. الموظف والمستهلك يبقيان من أكثر الفئات وضوحاً أمام الإدارة، بينما يحتاج الوصول إلى جزء من الدخل والأرباح والنشاط النقدي غير المرئي إلى جهاز معلوماتي ورقابي أكثر تطوراً.

وهنا تصبح المقارنة مع دول أخرى مفيدة. يقدّر صندوق النقد الدولي الإيرادات الضريبية في الأردن بنحو ١٦٫٧٪ من الناتج المحلي في ٢٠٢٧، وفي المغرب بنحو ٢٤٫٥٪. أما التقدير المقارن المتاح للبنان من صندوق النقد، ضمن إطار إصلاحي أقدم، فوضع الإيرادات الضريبية عند نحو ١٢٫٨٪ من الناتج في ٢٠٢٧. وهذا الرقم الأخير ليس توقعاً لموازنة ٢٠٢٧ الحالية، لكن الفارق يعطي فكرة عن المشكلة البنيوية التي تواجهها الدولة.

لذلك، لا يكفي أن تصبح الإدارة أكثر تشدداً مع المكلفين الموجودين أصلاً داخل النظام. الإصلاح الحقيقي يبدأ عندما تستطيع الدولة توسيع قاعدة المكلفين، وربط قواعد البيانات، وتحسين الفوترة والجمارك، والوصول إلى النشاط الاقتصادي الذي لا يظهر اليوم بصورة كاملة في الحسابات الرسمية. عندها يصبح بالإمكان زيادة الإيرادات من خلال توسيع القاعدة بدلاً من تحميل الفئات نفسها أعباء إضافية كل عام.

الرسوم تحصّل المال، لكنها لا تصنع النمو

أما الرسوم، فقصتها مختلفة. زيادة رسوم بعض المعاملات قد ترفع إيرادات الخزينة، لكنها لا تعني بالضرورة خلق مورد اقتصادي جديد. وفي بعض الحالات يمكن أن تنتقل الكلفة في النهاية إلى المواطن أو المستهلك، خصوصاً عندما ترتبط الرسوم بالاستيراد أو بكلفة ممارسة الأعمال. لذلك يجب ألا يُقاس نجاح هذه الإجراءات بحجم الأموال التي تدخل الخزينة فقط، بل أيضاً بأثرها على الأسعار والنشاط الاقتصادي.

والأمر نفسه ينطبق على الإيرادات التي تحصل عليها المؤسسات العامة. تنظيم تحويلها إلى الخزينة وتحسين توقيت التحويل يمكن أن يساعد الدولة نقدياً، لكنه لا يخلق اقتصاداً أكثر إنتاجية. إنه يحسن إدارة المال الموجود أصلاً.

الإنفاق والاستثمار: التوازن ليس الهدف الوحيد

المشكلة الأكبر في مشروع ٢٠٢٧ تظهر عندما ننتقل من جانب الإيرادات إلى الإنفاق. موازنة ٢٠٢٦ كانت تعتمد بصورة كبيرة على الإنفاق الجاري، مع حصة محدودة نسبياً للإنفاق الاستثماري. وفي بلد يحتاج إلى إعادة تأهيل البنية التحتية والخدمات العامة بعد سنوات من الأزمة والأضرار، لا يمكن أن يبقى الاستثمار بنداً يحصل على ما يتبقى بعد تمويل الدولة. 

ضبط الإنفاق الجاري ضروري، لكن الاستثمار لا يمكن أن يبقى هامشياً إلى ما لا نهاية. الكهرباء والمياه والنقل والاتصالات والبنية التحتية ليست مجرد نفقات إضافية؛ هي شروط أساسية لخفض كلفة الإنتاج وعودة القطاع الخاص إلى الاستثمار. لذلك فإن موازنة متوازنة لا تصبح موازنة تنموية إلا إذا تركت مساحة كافية للإنفاق الذي يرفع إنتاجية الاقتصاد.

وهنا يصبح التوازن المالي وسيلة وليس غاية. من الجيد أن تكون الدولة قادرة على ضبط الإنفاق ضمن إيراداتها، لكن السؤال الاقتصادي الأهم هو ماذا تفعل بهذه الموارد. إذا ذهب معظم المال إلى تشغيل الدولة، فيما بقي الاستثمار ضعيفاً، فقد تنجح الموازنة في منع عجز جديد من دون أن تخلق الظروف اللازمة لنمو أقوى في السنوات المقبلة.

اختبار صمود الإيرادات

حتى التوازن المعلن يحتاج إلى اختبار واقعي. فإذا بلغت الإيرادات المتوقعة نحو ٦١٤٫٤ تريليون ليرة، فإن تراجع التحصيل بنسبة ٥٪ فقط، مع بقاء الإنفاق ثابتاً، يعني فجوة تقارب ٣٠٫٧ تريليون ليرة، أو نحو ٣٤٣ مليون دولار. وإذا بلغ التراجع ١٠٪، ترتفع الفجوة إلى نحو ٦١٫٤ تريليون ليرة، أي قرابة ٦٨٧ مليون دولار.

هذه ليست توقعات لما سيحدث، بل اختبارات بسيطة توضّح أن «صفر العجز» يبقى مرتبطاً بمدى واقعية تقديرات الإيرادات وقدرة الدولة على تحصيلها فعلياً.

كما يجب التمييز بين التوازن المحاسبي والصحة المالية. فصفر العجز في الموازنة لا يعني أن كل الالتزامات النقدية للدولة اختفت، ولا أن الخزينة أصبحت بمنأى عن الضغوط خلال السنة. المهم أن تتطابق الموازنة مع التدفقات النقدية الفعلية، وأن تكون الالتزامات والسلف والتمويلات المختلفة واضحة ضمن الصورة المالية الكاملة للدولة.

 هذا ما تحتاجه الدولة اولا

في النهاية، مشروع موازنة ٢٠٢٧ يبدو أقرب إلى مرحلة تثبيت مالي منه إلى مشروع تحول اقتصادي. وهذا ليس بالضرورة عيباً. بعد سنوات من الانهيار، تحتاج الدولة أولاً إلى استعادة قدر من الانضباط والقدرة على التحصيل. لكن الخطر هو أن يتحول هذا التثبيت إلى سياسة دائمة، بحيث يصبح الهدف كل عام هو جمع ما يكفي لتمويل الدولة نفسها، من دون الانتقال إلى إصلاح الطريقة التي تُجمع بها الأموال والطريقة التي تُنفق بها.

المشروع يقدّم أدوات أفضل للجباية، وهذه خطوة ضرورية. لكن المرحلة التالية يجب أن تكون أعمق: قاعدة ضريبية أوسع، اعتماد أكبر على البيانات والرقمنة، توزيع أكثر توازناً للعبء بين الاستهلاك والدخل والأرباح، وإعادة توجيه جزء أكبر من الإنفاق نحو الاستثمار المنتج.

لبنان لا يحتاج فقط إلى دولة تجمع الضرائب بكفاءة أكبر. يحتاج إلى دولة تستطيع أن ترى الاقتصاد الذي تفرض عليه الضرائب، وأن تستخدم المال الذي تجمعه لخلق اقتصاد قادر على النمو وتمويل الدولة في المستقبل.

وهنا تحديداً ستُقاس قيمة موازنة ٢٠٢٧: ليس فقط بقدرتها على الوصول إلى «صفر عجز»، بل بقدرتها على جعل هذا التوازن بداية لإصلاح مالي واقتصادي قابل للاستمرار.

بقلم الخبير الاقتصادي وليد ابو سليمان

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا