خلاف بين عون وبرّي... لكن!
تزامَن خطاب رئيس الجمهوريّة جوزف عون في اليونان مع الخطاب العالي السقف لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي في ذكرى تغييب الإمام موسى الصدر. سقف حدّده الرئيس برّي بالقول “لن يكون على قطيعة مع رئيس الجمهورية العماد جوزف عون، وأنّ المرحلة تستدعي تضافر كل الجهود لصد الاعتداءات والتحديات الإسرائيلية”. الخطاب عَكَس التمايز الواضح بين الرئاستين الأولى والثانية حيال “إدارة” المرحلة وتقويم حصيلة المفاوضات المباشرة مع إسرائيل.
غلّف الرئيس برّي خطابه في ذكرى الصدر بسلسلة من الرسائل المباشرة والحادّة، كانت أهمّها تلك التي وصلت بالبريد السريع إلى القصر الجمهوريّ ومفادها: “المرحلة الراهنة، بمخاطرها الوجوديّة على الجنوب وعلى لبنان، لا تعطي أحداً حقّ التصرّف بأيّ من العناوين السياديّة تحت أيّ مسمّى، سواء كان “اتّفاق إطار” أو “ملحقات سرّيّة” أو غيرها، ولا حقّ الإطاحة بقرارات أمميّة تحفظ حقوق لبنان السياديّة”.
هو كلام مبطّن من برّي بالتفريط بـ”العناوين السياديّة”. هنا يقول مصدر قريب من عين التينة لـ”أساس”: “قدّم برّي، الراغب بقوّة بوقف الحرب وتدمير الجنوب، مقاربة مناقضة تماماً لاستراتيجية عون، منذ إعلانه في 9 آذار الماضي طَلَب لبنان التفاوض المباشر مع إسرائيل”.
يضيف: “إذ إنّ رئيس الجمهوريّة شرّع كلّ الوسائل في سياق معركته لدرء الاحتلال وسحب سلاح “الحزب”، أوّلاً من خلال تقديمه ورقة التفاوض المباشر مع إسرائيل من دون أيّ مقابل، ثمّ توقيعه (بوصفه دستوريّاً الجهة المفاوضة عن لبنان) اتّفاق 16 نيسان لوقف الأعمال العدائيّة، الذي أتى بالكامل لمصلحة إسرائيل، خصوصاً لجهة إعلانه أنّ لبنان وإسرائيل “ليسا في حالة عداء”، ثمّ توقيعه اتّفاق الإطار في 26 حزيران، الذي وصفه برّي بـ”الفتنة”، والذي حوّل الجنوب إلى مشروع لمناطق تجريبيّة يتحكّم بها الإسرائيليّ بالكامل، وهذا ما أظهرته الوقائع منذ توقيع الاتّفاق حتّى اليوم. إضافة إلى موافقة لبنان الرسميّ على اعتبار كلّ ما تقوم به إسرائيل من “عمليّات عسكريّة” في لبنان (بما في ذلك تدمير القرى) هو حصراً نتيجة للهجمات والتهديدات والنيّات العدائيّة الصادرة عن “الحزب”، والأهمّ التنازل عن حقّ لبنان في مقاضاة إسرائيل”.
بين عون وبرّي
فيما كان برّي يؤكّد مجدّداً رفضه “اتّفاق الإطار حيث وصفناه بما وصفناه، ولا زلنا على الموقف نفسه، كما نبّهنا وحذّرنا من مغبّة التفاوض المباشر مع العدوّ الإسرائيليّ تحت النار، وفي غياب الإجماع الوطنيّ”، كان الرئيس عون يعيد الرَبط المُحكَم بين إسرائيل وسلاح “الحزب” لجهة تأكيده الترابط بين “أزمتين مزمنتين: أزمة وجود احتلال على أرضنا، وأزمة وجود سلاح خارج سلطة دولتنا، وهو ما استمرّ طوال عقود، حتّى قرّرنا اليوم أنّ الحلّ الوحيد الممكن هو معالجة المشكلتين بالتلازم، والتزامن، والتوازي”. وأكّد عون وجوب “تطبيق اتّفاق الإطار من قبل الطرفين من غير انتقائيّة بل بكامله”.
بعبدا مستاءة
لا ردود بارزة من بعبدا، أو قريبين من عون، على خطاب برّي. لكنّ أوساطاً مطّلعة تؤكّد أنّ “عون يتصرّف على أساس أنّ برّي إلى جانبه في معركة التفاوض، خصوصاً أنّ الأخير يُدرك تماماً أنّ الحلّ العسكريّ ليس حلّاً أيضاً، وأنّ التفاوض لا يمكن أن يؤتي ثماره فوراً. وفي اللقاء الأخير بين الرئيسين في 29 تمّوز، وضع عون الرئيس برّي في أجواء زيارته للولايات المتّحدة الأميركيّة وجرى الحديث بين الرئيسين عن مسار التفاوض والواقع الميدانيّ، وبقي برّي على موقفه: “أوقفوا الحرب وتدمير الجنوب، وأنا معكم، واتركوا “الحزب” عليّ، وهذا ما لم يحصل حتّى الآن”.
لكنّ الأوساط نفسها تشير إلى عدم رضى عون، وفريق القصر، عن مواقف برّي الأخيرة لأنّها ظهّرت حجم التباعد الطارئ بين بعبدا وعين التينة، وهو ما أشار إليه صراحة رئيس مجلس النوّاب من خلال التركيز على عدم وجود إجماع وطنيّ على “إدارة المرحلة”.
خطاب برّي
يصف مطّلعون خطاب برّي بـ”الجامِع” و”الوطنيّ” والحامل للعصا من النصف وفقاً للمعطيات الآتية:
– لم يتطرّق برّي في خطابه إلى المقاومة وحقّها في الدفاع عن الأرض، أو إلى “الحزب”، لكنّه بادر إلى تجيير البداية “إلى المقاومين والمفقودي الأثر، وإلى كلّ الشهداء، واللبنانيّين الذين شرّعوا منازلهم لإيواء النازحين، والدول الشقيقة والصديقة التي وقفت ولا تزال تقف إلى جانب لبنان وجنوبه وأهله، بلسمةً لجراحهم، ومؤازرةً لتجاوز هذه المرحلة المصيريّة في حاضرنا ومستقبلنا”. وأكّد أنّ “أبناء الجنوب الشرفاء لم ولن يكونوا في يوم من الأيّام دعاة حرب، إنّما حماة للأرض والعرض، وهم ضحايا للعدوان الإسرائيليّ الذي بدأ منذ عام 1948“.
– لم يُبادر برّي إلى طلب وقف التفاوض المباشر مع إسرائيل، أو طلب إسقاط اتّفاق الإطار، كما يدعو “الحزب” دوماً، لكنّه عرّى جولات التفاوض السبع مؤكّداً أنّ بنتيجتها “اتّسعت رقعة الاحتلال وازدادت مساحات التدمير، وارتفع عدد الشهداء، وإسرائيل مستمرّة في حربها“.
– أوضح برّي بشكل مفصّل أسباب انتقاده لـ”إدارة” التفاوض الحاليّة ولاتّفاق الإطار، إذ قال: “الجنوب جزء لا يتجزّأ من لبنان، ومسؤوليّة حفظه والدفاع عنه هي مسؤولية الدولة ومؤسّساتها العسكريّة والأمنيّة والدستوريّة، وهو لا يقبل التجزئة بين شمال النهر وجنوبه، وجغرافيته ليست مناطق تجريبيّة كي يمتحن فيها المحتلّ الاسرائيليّ، بالمباشر أو بالواسطة، جيشنا ومؤسّساتنا المدنيّة والأهليّة تحت أيّ مسمّى”. وأكّد: “لن نقبل أن يكون الجنوب منطقة عازلة، أو حزاماً أمنيّاً لأيّ كان، مهما بلغت التضحيات وتحت أيّ ظرف من الظروف”. مع ذلك، كان برّي من دعاة توسيع المناطق التجريبيّة لتكون على أساس الأقضية.
تجميد المقاضاة
– كان واضحاً جدّاً اتّهام برّي للرئيس عون بالتنازل عن حقّ لبنان في مقاضاة إسرائيل، وهو ما ورد في نصّ المادّة 13 من اتّفاق الإطار الذي أشار إلى “وقف”، وليس “تعليق”، حقّ لبنان وإسرائيل بمقاضاة بعضهما بعضاً، حيث قال برّي: “نرفض التنازل أو كما يحلو البعض تسميته “تعليق” حقّ لبنان بمقاضاة إسرائيل على جرائم الإبادة التي ارتكبتها وترتكبها بحقّ الحجر والبشر في الجنوب، والتدمير الكامل للقرى”.
يُذكر هنا أنّ نائب رئيس الحكومة طارق متري كان قد كشف جزءاً من المحادثات التي أدّت إلى موافقة لبنان على تعطيل حقّه بمقاضاة إسرائيل من خلال القول: “رئيس الوفد المفاوض (سيمون كرم) أبلغني بأنّه عند دخول الوفد الإسرائيليّ قاعة التفاوض قال إنّ إسرائيل تحضّر دعوى لمقاضاة لبنان أمام محكمة أميركيّة بحجّة إيواء منظّمة إرهابيّة، فحصل نقاش وأخذ وردّ، ومقابل تراجع إسرائيل عن دعواها تراجع لبنان عن حقّه بمقاضاة إسرائيل”. هنا طرحت تساؤلات جدّيّة في عين التينة ولدى العديد من اللبنانيّين عن مناعة الوفد المفاوض أمام مناورات إسرائيليّة من هذا النوع.
مقابل تجاهل الرئيسين عون ونوّاف سلام التامّ لمسار إسلام آباد ومحاولات فصله عن مفاوضات واشنطن وروما، أعلن برّي “دعمنا وتأييدنا لكلّ المساعي التي يبذلها الأشقّاء العرب، وكذلك جمهوريّة باكستان الإسلاميّة لإنهاء التوتّر وإرساء الاستقرار في منطقة الخليج”.
– في سياق تأكيده أنّ “السلم الأهليّ والوحدة الوطنيّة والجيش اللبنانيّ خطوط حمر ممنوع تجاوزها والمساس بها تحت أيّ عنوان من العناوين، وخاصّة الجيش اللبنانيّ”، أكّد رفضه المطلق التشكّيك به وبدوره، ودعا إلى توفير كلّ مقوّمات الدعم لهذه المؤسّسة الوطنيّة. ويقول العارفون إنّ “هذا الموقف يُبرِز دعم برّي لقائد الجيش وأدائه على رأس المؤسّسة العسكريّة، خصوصاً في ظلّ بعض الدعوات المحليّة والخارجيّة إلى إقالته”.
أتى كلام برّي في توقيت حسّاس يظلّله استاتيكو من الجمود القاتل، ومن ترجماته انخفاض وتيرة الاهتمام الأميركيّ بتنفيذ اتّفاق الإطار، وقد أعلن السفير المصريّ علاء موسى أمس صراحة أنّ “نتائج مفاوضات روما الأخيرة أظهرت أنّ واشنطن لا تريد الضغط على إسرائيل في الوقت الحاليّ لوقف عمليّاتها في جنوب لبنان”.
ملاك عقيل - اساس ميديا
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|