اتفاق مكة ينظر الى إسرائيل من الشرق مقابل "درع أخيل" من الغرب... والسلام يبتعد...
في الوقت الذي كان يجري فيه العمل على تعزيز النواة الأولى لـ "الناتو الإسلامي"، وهو "اتفاق مكة للدفاع المشترك" بين تركيا وباكستان والسعودية، ووضع إطار مؤسساتي من خلال إنشاء أمانة عامة له، وهو تحالف إسلامي مُوازٍ للاتفاقيات الإبراهيمية في مكان ما، ومُعبِّر عن مزاج إسلامي رافض للتطبيع مع تل أبيب، كانت إسرائيل واليونان توقّعان على اتفاق ضخم تبلغ قيمته نحو 3 مليارات يورو، يهدف إلى إنشاء منظومة دفاع جوي متكاملة تُعرَف بـ"القبة اليونانية" أو "درع أخيل".
صفقة ضخمة
فبينما كان "الناتو الإسلامي" يرسّخ هيكله التنظيمي التحضيري لتطويق إسرائيل من الشرق في مدى بعيد، كانت إسرائيل نفسها تعزّز تعاونها العسكري والأمني غرباً، بصفقة دفاعية ضخمة تتجاوز قيمتها المبالغ المالية والأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والعسكرية، لتصل الى حدّ وضع فلسفة جديدة لأمن منطقة شرق المتوسط وأوروبا المتوسطية الشرقية، وصولاً الى القلب الأمني النابض لبلدان الإتحاد الأوروبي في وقت لاحق، في زمن ارتفاع الحاجة الى استقلالية أمنية وعسكرية للقارة الأوروبية عن الولايات المتحدة الأميركية، وإعادة خلط الكثير من الأوراق داخل "حلف شمال الأطلسي".
اتفاق مكة للدفاع المشترك يفتح أبوابه لضمّ دول إسلامية كثيرة في وقت لاحق، معتمداً لغة العمل من أجل تحقيق السلام والاستقرار المستدام في المنطقة، ودعم الجهود الرامية إلى خفض التصعيد وضبط النفس، وإيجاد حلول سلمية للأزمات على قاعدة تعزيز العلاقات والعديد من الخبرات والصناعات... المشتركة بين البلدان الإسلامية المنضوية فيه، ضمن بحر ديموغرافي وسياسي وعسكري واسع مُناهِض لإسرائيل في منطقة الشرق الأوسط، وذلك فيما يبدو أن مستقبل مشاريع وخطط الاستقلالية الأمنية الأوروبية تتكامل مع الأهداف والرؤى الإسرائيلية على مستويات متنوعة.
خطوة كبيرة
فمن الناحية العملية، صفقة "درع أخيل" هي خطوة شديدة الأهمية وسط تصاعُد التوترات الإسرائيلية - التركية واليونانية - التركية، إذ إن العامل الديني يدفع تركيا الى التركيز على غزة وسوريا ولبنان والبحر المتوسط بشكل "تطويقي" لإسرائيل، فيما تشكل قبرص والعديد من الجزر اليونانية عاملاً لنزاع شبه دائم بين أثينا وأنقرة.
ومن الناحية العملية أيضاً، صفقة "درع أخيل" هي خطوة كبيرة جداً مع تزايُد تطوير الصواريخ والمقذوفات الإيرانية القادرة على تهديد أجزاء لا بأس بها من أوروبا، قد تتجاوز أوروبا المتوسطية الشرقية وما يُحيط بها.
كما أن صفقة "درع أخيل" هي خطوة كبيرة جداً لتعزيز الجبهات الأوروبية والإسرائيلية معاً، بسبب مخاوف من أن تشكل تركيا ممرّاً مستقبلياً لتهديدات عسكرية إيرانية أو غير إيرانية تطال الأراضي الأوروبية أو إسرائيل.
خلافات داخلية
ولكن "درع أخيل" يكمّل في الوقت نفسه صورة خلافات داخلية كثيرة تعصف بحلف "الناتو"، منها ما هو قديم مثل الصراع اليوناني - التركي، ومنها ما هو حديث نسبياً، أي ذاك الذي يرتبط بعدم رغبة الولايات المتحدة الأميركية بتحمُّل نسبة كبيرة من تكاليف الدفاع عن أوروبا.
وعلى هذا الأساس، يبدو لافتاً أن اتفاقية "درع أخيل" بين إسرائيل واليونان تأتي على وقع تصاعُد صادرات الأسلحة الإسرائيلية الى الأسواق الأوروبية عموماً، منها ألمانيا، أي قلب وسط أوروبا، بالإضافة الى دول أخرى في البلقان وأوروبا الشرقية مثل بولندا ورومانيا.
لا شكّ بأن هناك مكانة متقدمة تحظى بها التكنولوجيا الإسرائيلية في السوق الأوروبية. وهذه ليست مسألة جامدة، بل التزامات أمنية وغير أمنية متزايِدَة ستطبع العلاقات الإسرائيلية - الأوروبية في الآتي من المراحل. وهذا قد يُترجَم لاحقاً بتراجع على مستوى التزامات أوروبية سابقة تتعلّق بالقضية الفلسطينية، وبغيرها من قضايا الشرق الأوسط، مع ما لذلك من تبعات قد تدفع الى تعزيز اتفاق مكة للدفاع المشترك بشكل إضافي، وأشد تطرّفاً ربما، خصوصاً مع احتمال انضمام دول معينة إليه.
حروب كثيرة
في المحصّلة، كلّما زاد الحديث عن السلام حول العالم، كلّما ارتفع منسوب الصراعات والحروب. وهذا ما يحصل على مستويات عدة حالياً، خصوصاً على صعيد تطوير وتسخير كل شيء لضمان الفوز في الصراعات.
وبين اتفاق مكة للدفاع المشترك الذي ينظر الى إسرائيل من الشرق، والحاجات الدفاعية الأوروبية الكثيرة التي تنشد تعميق العلاقات الأوروبية مع إسرائيل من الغرب، عالم يُعيد خلط أوراقه وتوازناته، ويضبط نزاعاته ومصالحه، تحضيراً لحقبة جديدة قد تولد بحروب كثيرة بعد.
أنطوان الفتى - المركزية
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|