محليات

الدلالات البارزة في البيان الفرنسي - السعودي حول لبنان: تقوية الدولة أولوية جوهرية

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا يمكن النظر إلى البيان الفرنسي–السعودي الصادر في ختام زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى فرنسا باعتباره مجرد تأكيد ديبلوماسي جديد على دعم لبنان. فاللغة التي اعتمدها البيان، ولا سيما منه ما يتعلق بتعزيز الدولة اللبنانية، وحصرية السلاح، وتنفيذ القرار الدولي 1701، وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية، تعكس رؤية سياسية مشتركة تتجاوز معالجة الأزمة الآنية، وتطرح تصوراً للمرحلة المقبلة يقوم على إعادة لبنان إلى منطق الدولة ومؤسساتها، بعيداً من منطق القوى المسلحة والمحاور الإقليمية.

وقد اتفقت باريس والرياض على "تكثيف جهودهما من أجل التوصل إلى تسوية نهائية للنزاع في لبنان"، على أن تمر هذه التسوية عبر تعزيز الدولة ومؤسساتها والحفاظ على سيادة لبنان وسلامة أراضيه. وتحمل عبارة "التسوية النهائية" دلالةً مهمة، إذ توحي أن المقصود ليس مجرد احتواء التوتر أو إدارة وقف إطلاق النار، بل البحث عن معالجة سياسية وأمنية مستدامة لجذور الأزمة اللبنانية، وفي مقدمها مسألة تعدد القوى المسلحة وضعف سلطة الدولة.

الدولة في صلب التسوية

يضع البيان تقوية الدولة اللبنانية شرطاً أساسياً لأي استقرار دائم. وهذا يعني عملياً دعم السلطة المركزية، وإعادة بناء المؤسسات التي تعرضت خلال السنوات الماضية للتراجع والشلل، وتمكينها من بسط سلطتها على الأراضي اللبنانية كاملة.

وتعكس هذه المقاربة اقتناعاً فرنسياً– سعودياً بأن الأزمة اللبنانية لا تنفصل عن أزمة الدولة نفسها. فضعف المؤسسات، والانقسام السياسي، وتراجع القدرة الاقتصادية والإدارية، ووجود قوى مسلحة خارج الإطار الرسمي، كلها عوامل جعلت لبنان ساحة مفتوحة للتجاذبات الإقليمية.

ومن هنا تأتي الإشادة بالرئيس جوزف عون وحكومة الرئيس نواف سلام. فالرسالة السياسية واضحة: باريس والرياض تريدان منح القيادة اللبنانية الحالية دعماً دولياً وسياسياً لمواصلة مسار إعادة بناء الدولة وتوسيع سلطتها. وهو دعم لا يقتصر على الجانب الاقتصادي أو الإصلاحي، بل يحمل أيضاً بعداً سيادياً وأمنياً.

ويكتسب تجديد الالتزام بدعم الجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي أهمية خاصة. فهذه العبارة ليست مجرد وعد بمساعدات عسكرية أو تدريبية، بل تعكس خياراً سياسياً يقوم على تمكين المؤسسات الشرعية من الاضطلاع الكامل بمسؤولياتها الوطنية.

والرسالة الضمنية هي أن الجيش يجب أن يصبح، تدريجاً، المرجعية العسكرية والأمنية الأساسية في البلاد. لذلك يرتبط دعم الجيش مباشرة بمسألة حصرية السلاح، وبإنهاء واقع وجود جماعات مسلحة لا تخضع لسلطة الدولة.

ورغم أن البيان لم يسمّ "حزب الله"، فإن الإشارة إلى ضرورة "إنجاز عملية نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة غير التابعة للدولة" لا تترك مجالاً كبيراً للالتباس. إنها رسالة مباشرة في مضمونها، وإن جاءت بلغةٍ ديبلوماسية عامة، مفادها أن المرحلة المقبلة يجب أن تؤدي إلى وضع السلاح حصراً في يد المؤسسات الشرعية.

لكن التحدي يكمن في كيفية تحقيق هذا الهدف. فباريس والرياض تعرفان أن مسألة السلاح في لبنان ليست قضية تقنية يمكن حلها بقرار إداري، بل ترتبط بتوازنات داخلية وإقليمية معقدة. ولذلك يبدو أن دعم الدولة والجيش هو، في الرؤية المشتركة، الطريق التدريجي لإيجاد البديل الوطني القادر على تحمل المسؤوليات الأمنية والدفاعية.

القرار 1701: الإطار الدولي للمرحلة المقبلة

يشكل التشديد على التنفيذ الكامل للقرار 1701 محوراً أساسياً في البيان. فالقرار، الذي وضع إطاراً دولياً لترتيب الوضع في جنوب لبنان، يعود اليوم ليحتل موقعاً مركزياً في أي تصور للتهدئة والاستقرار.

والتنفيذ الكامل له يعني، في جوهره، تعزيز سلطة الدولة اللبنانية جنوباً، وانتشار الجيش في المناطق الحدودية، ووقف النشاط العسكري خارج إطار المؤسسات الشرعية، إلى جانب احترام الالتزامات التي تحول دون عودة المواجهة المفتوحة بين لبنان وإسرائيل.

وفي هذا السياق، لا يبدو أن باريس والرياض تريدان العودة إلى مجرد إدارة الوضع الأمني عبر تفاهمات موقتة. فالمطلوب، وفقاً للبيان، إعادة بناء قواعد استقرار أكثر ديمومة، يكون القرار 1701 مرجعيتها القانونية والسياسية.

السلاح في مقابل الانسحاب؟

لكن البيان حرص في المقابل على تأكيد ضرورة انسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية كاملة. وهذه النقطة تمنح الموقف الفرنسي– السعودي بعداً أكثر توازناً، إذ لا يحمّل طرفاً واحداً مسؤولية تنفيذ التسوية.

فالمطالبة بنزع سلاح الجماعات المسلحة تترافق مع التشديد على سيادة لبنان وسلامة أراضيه وضرورة إنهاء الاحتلال الإسرائيلي للمناطق اللبنانية. وبذلك تربط باريس والرياض بين استعادة الدولة اللبنانية لاحتكارها القوة وبين احترام إسرائيل الكامل للسيادة اللبنانية.

وهذه المعادلة بالغة الأهمية سياسياً، إذ يصعب إقناع الرأي العام اللبناني بأن مسار حصرية السلاح يمكن أن يتقدم فيما تبقى أراضٍ لبنانية تحت الاحتلال أو تستمر الاعتداءات والانتهاكات. لذلك يبدو أن البيان يرسم، ولو من دون تفصيل، مساراً مزدوجاً: تعزيز سلطة الدولة داخلياً، بالتوازي مع الضغط من أجل انسحاب إسرائيل واحترام سيادة لبنان.

إعادة تموضع فرنسي – سعودي

سياسياً، يعكس البيان أيضاً رغبة فرنسية– سعودية في الاضطلاع بدور أكثر نشاطاً في المرحلة اللبنانية المقبلة. ففرنسا، التي تربطها بلبنان علاقات تاريخية وسياسية عميقة، والسعودية، التي عادت بقوة إلى الاهتمام بالملف اللبناني، تسعيان إلى تنسيق مواقفهما ودفع المجتمع الدولي نحو دعم مشروع الدولة.

ولا يعني ذلك إقصاء الولايات المتحدة أو قطر أو مصر، أو تجاهل الدور الإيراني المؤثر في المعادلة اللبنانية. لكنه يشير إلى محاولة فرنسية– سعودية لتشكيل رافعة سياسية جديدة، تقوم على دعم المؤسسات الشرعية اللبنانية وتوفير الغطاء الدولي والإقليمي لها.

أما بالنسبة إلى "حزب الله"، فالرسالة واضحة من دون أن ترد تسميته: المرحلة التي تقوم على وجود سلاح مستقل عن الدولة لم تعد مقبولة في التصور الدولي الذي تتبناه باريس والرياض. غير أن البيان تجنب لغة المواجهة أو التهديد، وفضّل ربط هذا الهدف ببناء مؤسسات الدولة وتمكين الجيش.

وفي المقابل، حمل رسالةً واضحة إلى إسرائيل أيضاً، مفادها أن استقرار لبنان لا يمكن أن يتحقق من خلال الضغط على الداخل اللبناني وحده، بل يتطلب انسحاباً من الأراضي اللبنانية واحتراماً كاملاً لسيادته.

ماذا يعني ذلك للبنان؟

في المحصلة، يضع البيان اللبنانيين أمام مرحلة قد تشهد ضغوطاً دولية وإقليمية متزايدة للانتقال من واقع تعدد مراكز القوة إلى منطق الدولة الواحدة. وسيكون الجيش في قلب هذا المسار، بصفته المؤسسة التي يراد تمكينها من تحمل مسؤولياتها الأمنية والدفاعية كاملة.

كما يمنح البيان دعماً سياسياً مهماً للرئيسين عون وسلام، لكنه يضع في الوقت نفسه على عاتق القيادة اللبنانية مسؤولية تحويل هذا الدعم إلى خطوات عملية.

ويبقى السؤال الأساسي: هل تستطيع الدولة اللبنانية، في ظل التوازنات الداخلية والتجاذبات الإقليمية، أن تستفيد من التوافق الفرنسي– السعودي لإطلاق مسارٍ تدريجي نحو حصرية السلاح وبسط سيادتها الكاملة؟

البيان لا يقدم جواباً تفصيلياً عن الآليات، لكنه يحدد بوضوح الاتجاه السياسي: لا تسوية دائمة في لبنان من دون دولة قوية، ولا دولة قوية مع تعدد القوى المسلحة، ولا استقرار حقيقياً من دون تنفيذ القرار 1701 وانسحاب إسرائيل من الأراضي اللبنانية.

إنها، في النهاية، محاولة لإعادة لبنان من منطق الساحات والصراعات الإقليمية إلى منطق الدولة. أما نجاح هذه المحاولة، فسيعتمد على قدرة اللبنانيين أولاً، وعلى جدية المجتمع الدولي ثانياً، في تحويل المبادئ التي تضمنها البيان إلى مسار سياسي وأمني متكامل.

"النهار"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا