الصحافة

تقرير هيكل من روما: الاحتلال يرسم جنوباً جديداً... فمن يراقب؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

يدخل الوفد العسكريّ اللبنانيّ، برئاسة قائد الجيش العماد رودولف هيكل، اليوم الثلاثاء، أبرز محطّات زيارته لروما. إلّا أنّ الزيارة، على أهميّة توقيتها، لا تحمل طابعاً تفاوضيّاً، ولا ينبغي تحميلها أكثر ممّا تحتمل. فهي زيارة مقرّرة مسبقاً، ولا صلة لها بزيارة رئيس الجمهوريّة جوزف عون لإيطاليا، ولا بالمفاوضات الجارية، ولا بملفّ المناطق التجريبيّة. ويظلّ إطارها الأساسيّ عسكريّاً وثنائيّاً، ويتمحور حول دعم الجيش اللبنانيّ وتعزيز التعاون العسكريّ مع إيطاليا.

لذلك لا تعلّق مصادر متابعة للزيارة آمالاً كبيرة على أن تُحدث خرقاً سياسيّاً أو أمنيّاً. فالوفد لا يحمل صيغة تفاوضيّة جديدة، والجانب الإيطاليّ لا يملك وحده القرار المطلوب لتغيير مسار المفاوضات أو إنشاء آليّة دوليّة جديدة في الجنوب. غير أنّ أهميّة الزيارة أتت هذه المرّة من توقيتها، لا من جدول أعمالها الأصليّ، إذ تُعقد قبل أشهر قليلة من انسحاب آخر جنديّ في قوّات الطوارىء الدوليّة العاملة في الجنوب (اليونيفيل)، فيما لا يزال الاحتلال الإسرائيليّ قائماً ولم يُتّفق بعد على الجهة التي ستتولّى المراقبة والتحقّق بعد رحيل القوّة الدوليّة.

إسرائيل بلا رقيب

بحسب قرار مجلس الأمن، تتوقّف عمليّات “اليونيفيل” في 31 كانون الأوّل المقبل من العام الجاري، ثمّ يبدأ انسحاب منظّم قد يمتدّ سنة كاملة. وهذا يعني أنّ بقاء بعض الجنود الدوليّين خلال عام 2027 لا يعادل استمرار المهمّة بصيغتها الحاليّة. فدور القوّة خلال مرحلة الانسحاب سيقتصر إلى حدّ بعيد على حماية أفرادها ومنشآتها وتسهيل خروجها، لا على مواصلة الدوريّات والرقابة الميدانيّة وتوثيق الخروق كما تفعل حاليّاً.

من هنا تكتسب تركيبة الوفد العسكريّ دلالة خاصّة. فوجود قائد قطاع جنوب الليطاني العميد نقولا تابت إلى جانب قائد الجيش ليس تفصيلاً بروتوكوليّاً، بل يتيح تقديم صورة ميدانيّة مباشرة عن المخاطر التي يواجهها الجنوب والجيش معاً. فقائد القطاع هو المعنيّ يوميّاً بواقع الانتشار، وبالعوائق التي يفرضها الاحتلال، وبالمناطق التي يتعذّر دخولها أو تثبيت سلطة الدولة فيها، وهو الأقدر على عرض ما قد يعنيه خروج “اليونيفيل” في ظلّ استمرار هذا الواقع.

سيعرض الوفد العسكريّ اللبنانيّ أمام المسؤولين العسكريّين الإيطاليّين الوقائع الميدانيّة بكلّ حيثيّاتها: استمرار الاحتلال، صعوبة حركة الجيش وانتشاره، حجم الدمار، ومخاطر غياب جهة دوليّة تراقب ما تقوم به القوّات الإسرائيليّة. فالقراءة العسكريّة اللبنانيّة تنطلق من أنّ إسرائيل لا تكتفي بإدارة مواقع مؤقّتة، بل تعمل على شقّ طرق عسكريّة وإقامة نقاط وثكنات داخل مساحات واسعة من القرى المدمّرة، وهو ما يؤدّي تدريجاً إلى تغيير معالم الأرض التي سيُفترض التفاوض عليها لاحقاً.

ليس الخوف اللبنانيّ في الجنوب من أن تغيّر جرّافة إسرائيليّة الحدود الدوليّة أو سجلّات الملكيّة، بل من أن تفرض إسرائيل خريطة أمنيّة وميدانيّة جديدة: طرق وصول خاصّة بها، مناطق محظورة، مواقع ثابتة، وكتل من الركام تختفي معها المعالم المادّيّة للأحياء والحقول ومداخل القرى المُدمّرة. وإذا استمرّت الحرب فقد يجد لبنان نفسه أمام جنوب تختلف تضاريسه البشريّة والميدانيّة عن الجنوب الذي بدأت الحرب عليه، فيما لا توجد قوّة دوليّة ولا لجنة تحقيق مقبولة من إسرائيل توثّق هذا التحوّل وتمنع تثبيته أمراً واقعاً.

لم تكن “اليونيفيل” قادرة على منع الاعتداءات الإسرائيليّة، ولم تشكّل يوماً مظلّة حماية كافية للبنان. إلّا أنّ وجودها أبقى شاهداً دوليّاً على ما يجري. كانت تسيّر الدوريّات، تسجّل الإحداثيّات، توثّق الخروق، ترفع التقارير إلى مجلس الأمن، وتوفّر قناة اتّصال ميدانيّة دوليّة. لذلك لا يخشى الجيش اللبنانيّ فقط خسارة آلاف الجنود الدوليّين، بل خسارة الجهة التي تفصل بين روايتين وتضع الوقائع أمام المجتمع الدوليّ.

هل تلعب روما دور الرّقيب؟

بعد توقّف عمليّات “اليونيفيل”، وفي غياب بديل متّفق عليه، سيصبح الجيش اللبنانيّ مطالباً بأن يزيد من انتشاره في المناطق الجنوبيّة وإزالة الذخائر وحماية الأهالي ومراقبة الخروق الإسرائيليّة وتوثيقها في الوقت نفسه. ليست هذه الأدوار بعيدة عمّا يقوم به الجيش حاليّاً، لكنّ الإشكاليّة أنّ المؤسّسة العسكريّة بقدراتها الحاليّة لا تملك المقدرات لتحمّل هذه المهمّات منفردة. وسيجعل تركُ الجيش وحيداً في مواجهة الوقائع الإسرائيليّة كلَّ تقرير لبنانيّ موضع تشكّك، فيما تملك إسرائيل القدرة العسكريّة والسياسيّة على فرض روايتها عن الأرض.

هنا يظهر الدور الذي يمكن أن تلعبه إيطاليا. فهي من أبرز الدول المشاركة تاريخيّاً في “اليونيفيل”، وتملك خبرة طويلة في الجنوب وعلاقة وثيقة بالمؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة، وأبدت استعدادها لمواصلة دعم الجيش بعد انتهاء المهمّة الدوليّة. هذا الرصيد يجعلها مرشّحة للمشاركة في أيّ قوّة أو صيغة دوليّة قد تلي “اليونيفيل”، أو للمساهمة في بناء آليّة مساندة للجيش في المرحلة المقبلة.

إلّا أنّ الاستعداد الإيطاليّ، مهما كان جدّيّاً، لا يكفي لصنع البديل. فالمطلوب قرار سياسيّ دوليّ، وتفاهم على طبيعة القوّة وصلاحيّاتها وانتشارها، وقبول إسرائيليّ بمرجعيّتها ونتائج عملها. وإيطاليا تستطيع أن تقترح وتدعم وتشارك، لكنّها لا تستطيع وحدها فرض هذه الصيغة. لذلك تختصر مصادر متابعة للزيارة المشهد بوضوح: “سيشرح الوفد العسكريّ اللبنانيّ في روما كلّ المخاطر والحيثيّات، إلّا أنّ القرار ليس في روما.”

عليه، لا تُقاس نتائج الزيارة بصدور إعلان عن لجنة تحقّق أو بقوّة بديلة لـ”اليونيفيل”، فهذه ليست مهمّتها أصلاً. قيمتها الفعليّة أنّها تضع التقرير الميدانيّ اللبنانيّ مبكراً أمام دولة مرشّحة لأن تكون جزءاً من أيّ ترتيب مقبل، وتحذّر من أنّ الوقت المتاح لا يبدأ عند خروج آخر جنديّ دوليّ، بل ينتهي يوم تتوقّف “اليونيفيل” عن أداء مهمّتها.

قد تكون زيارة هيكل لروما روتينيّة في أصلها، لكنّها تأتي في لحظة غير روتينيّة على الإطلاق. فالجنوب يتغيّر تحت وطأة الحرب، والاحتلال الإسرائيليّ يبني وقائعه، والجيش يستعدّ لتحمّل مسؤوليّات إضافيّة، فيما لم يولد بعد الشاهد الدوليّ البديل. وإذا لم يُحسم هذا الملفّ قبل نهاية السنة، فلن تكون المشكلة فقط في غياب من يراقب وقف النار، بل في غياب من يوثّق كيف يُعاد رسم الجنوب فيما العالم يبحث عمّن يراقبه.

جوزفين ديب - اساس ميديا

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا