بعد إجراء فحوصات مخبريّة... "نتائج خطيرة" ودعوة عاجلة إلى المواطنين
"تنظيم إيراني إرهابي عابر للحدود"
"تنظيم إيراني إرهابي عابر للحدود". هكذا وصفت الخارجية الأميركية حزب الله بالحرف، في وصف لم يعد يترك مجالاً لأي تأويل أو مواربة. منذ أمس الخميس، لم يعد الكلام عن نفوذ إيران على حزب الله تحليلاً أو اتهاماً سياسياً قابلاً للنقاش. بات موقفاً قانونياً رسمياً صادراً عن الحكومة الأميركية نفسها. فقد أعادت وزارة الخزانة الأميركية تصنيف "حزب الله" بموجب الأمر التنفيذي 13224 المعدّل، معتبرة أنه "مملوك أو خاضع لسيطرة أو توجيه" فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، أو أنه يعمل لصالحه وبالنيابة عنه. بكلام أوضح: من اليوم، حزب الله في نظر واشنطن ليس تنظيماً لبنانياً يتلقى الدعم من إيران، بل تنظيم إيراني عابر للحدود يعمل على الأرض اللبنانية.
الخطوة ترافقت مع عقوبات على عشرة أشخاص ضمن شبكة تديرها شخصيات تركية، بينها رجل الأعمال يونس ألبير يلماز، اتُّهمت بنقل مئات ملايين الدولارات نقداً إلى حزب الله عبر رحلات جوية تجارية بين لبنان وتركيا وإيران، بالتنسيق مع شبكة كانت مرتبطة سابقاً بالمسؤول المالي الراحل في فيلق القدس بهنام شهرياري. وبررت الخزانة القرار بـ"تنسيق فيلق القدس لهجمات حزب الله" و"انخراطه العميق في توجيه عملية صنع القرار السياسي" داخل الحزب.
هذا التصنيف ليس تفصيلاً بروتوكولياً. إنه يضع لبنان أمام مفارقة لا يمكن الالتفاف عليها، ولا التذرّع بشأنها بمنطق "الحكم بالتراضي" الذي اعتادت الدولة اللجوء إليه كلما تعلّق الأمر بحزب الله. فالتراضي كان يصلح ذريعة حين كان النقاش يدور حول تنظيم لبناني له شركاء وحلفاء داخل الداخل. أما اليوم، وبعدما أصبح التنظيم نفسه، بحسب التصنيف الأميركي، مملوكاً أو خاضعاً لتوجيه فيلق القدس، فلم يعد أمام الدولة هامش للمناورة أو التذاكي أو الاختباء خلف صيغة "لا غالب ولا مغلوب": هي إما أن تتعامل مع الأمر كما هو، أداة إيرانية داخل مؤسساتها، أو تستمر في تجاهل واقع باتت واشنطن نفسها تُقرّه رسمياً. تنظيم صنّفته أكبر قوة مالية وسياسية في العالم بأنه ذراع إيرانية، له وزراء في الحكومة اللبنانية، ونواب في البرلمان، وممثلون رسميون منتشرون في كل مفصل من مفاصل الدولة، وعلى رأسها نفوذ راسخ داخل قيادة الجيش اللبناني نفسه.
وبكلمة مختصرة: إن بقي هؤلاء الممثلون على مواقعهم كما هم اليوم، فهذا يعني أن الدولة اللبنانية تختار طوعاً استضافة ممثلين لتنظيم مصنَّف دولياً بأنه إيراني الهوية وعابر للحدود، داخل أعلى مواقع القرار فيها، وتُعرّض بذلك مؤسساتها لمزيد من الشلل ومصارفها وسمعتها الدولية لمخاطر العقوبات الثانوية، وتُسقط عملياً أي ادعاء متبقٍّ بالسيادة أو استقلالية القرار الوطني.
وهنا يبرز السؤال الأكثر إلحاحاً: ماذا عن نبيه بري، الذي شكّل لعقود الغطاء السياسي والواجهة التفاوضية لحزب الله أمام الداخل والخارج؟ كيف سيتعامل مع عبء هذا التصنيف الجديد؟ فبري الذي استقبل الوفود الأميركية وتحدّث عن الرهان على ترامب للضغط على إسرائيل، بات اليوم الغطاء السياسي لتنظيم تصفه واشنطن رسمياً بأنه إيراني لا لبناني. فأي مصداقية تبقى لخطاب "حماية الجنوب" أو "الشراكة الوطنية" حين يكون الحليف الأقرب مصنّفاً قانوناً كأداة لدولة أخرى؟ وأي ثمن سياسي سيدفعه من يواصل تقديم الغطاء لهذا التنظيم بعد أن سقطت عنه ورقة التوت اللبنانية؟
هذا التطور لا يُلغي، بل يؤكد، النمط الذي عرفه لبنان طوال العقود الماضية: اللاحسم كخيار متعمّد، لا كعجز. ففي مرتفعات علي الطاهر، حيث تتمركز قاعدة عسكرية لحزب الله والحرس الثوري، من أكبر المواقع الإيرانية في لبنان، يرفض الجيش اللبناني تسلّم الموقع، فيما يرفض حزب الله تسليمه بقرار إيراني معلن، مدّعياً أن الرفض جاء لأنه "مطلب إسرائيلي". ويخرج رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف علناً ليقول إنه يعرف مقاتلي الحزب هناك "فرداً فرداً"، وكأن معركة تجري فوق أرض لبنانية شأن إيراني داخلي. اليوم، بعد التصنيف الأميركي، لم تعد هذه الوقائع قابلة للتفسير كمبالغة إعلامية: هي بالضبط ما تصفه واشنطن قانوناً.
والنمط نفسه يتكرر في خطاب بري حول اليونيفيل: تحذير من "نوايا إسرائيل" واعتبار إنهاء مهمة القوة الدولية "أكبر خطيئة" بحق الجنوب، من دون أي إشارة إلى نوايا إيران نفسها، التي يملك تنظيمها الموصوف اليوم بالإيراني نفوذاً مباشراً داخل الدولة التي يفترض أن يحميها. الخشية من فراغ أمني بعد اليونيفيل مشروعة، لكن الحل ليس تمديد مهمة فشلت في تحقيق غايتها، بل أن تفرض الدولة سيادتها فعلياً، بدءاً بتطهير المؤسسات العسكرية والأمنية والقضائية من أي ولاء يتعارض مع القرار الوطني.
فأي بطاقة مصداقية يمكن أن يلعبها من يقف اليوم في موقع الخصم والحكم معاً، وهو يقدّم الغطاء السياسي لتنظيم باتت واشنطن تصفه رسمياً بأنه ذراع لدولة أجنبية؟ لا شيء في هذا الخطاب يستقيم إذا لم يبدأ النقاش من هذه الحقيقة الجديدة.
هل سهّلت واشنطن على الدولة اللبنانية خياراتها، أم عقّدتها؟ الجواب: كلاهما معاً. فعملياً، ارتفعت الكلفة فوراً على كل مسؤول أو مؤسسة لا تزال مرتبطة بتنظيم بات قانوناً "إيرانياً" في نظر النظام المالي الدولي، وضاق هامش المناورة أمام حزب الله نفسه، وهو ما يعني، بحسب التجربة، مزيداً من التصعيد الداخلي لا التراجع. لكن على المستوى الأعمق، أسقطت واشنطن عن لبنان ذريعته الأقدم: الغموض. فطالما بقي السؤال "أهو تنظيم مقاومة لبناني أم أداة إيرانية؟" قائماً، كان بإمكان الدولة أن تتذرّع بالحاجة إلى مزيد من الوقت والتراضي. اليوم، حُسم الجواب رسمياً ونهائياً من دون رجوع. اللافعل لم يعد موقفاً محايداً، بل بات خياراً موثّقاً باستضافة كيان مصنَّف دولياً بأنه خاضع لتوجيه دولة أجنبية داخل مؤسسات سيادية. أميركا لم تُسهّل القرار، بل جعلت تجنّبه مستحيلاً. الغموض كان دائماً ملجأ لبنان، وهذا الملجأ سقط اليوم، أياً كان الاتجاه الذي سيختاره لاحقاً.
هذا التصنيف يُسقط أيضاً سردية طال الرهان عليها: إمكانية "لبننة" حزب الله وإعادة دمجه ضمن الدولة كحزب سياسي عادي، أو التعويل على قدرته على التخلي طوعاً عن عقيدته الجهادية والتحول إلى تنظيم سياسي محلي بحت. فتنظيم عرّفته واشنطن رسمياً بأنه عابر للحدود وخاضع لتوجيه دولة أجنبية لا يملك، بحكم التعريف نفسه، هامشاً لإذابة هويته العابرة للحدود ضمن هوية وطنية لبنانية. الرهان على "لبننته" لم يعد ممكناً، لأن جوهره، بحسب التصنيف ذاته، لم يكن لبنانياً أصلاً.
فهل تقرر الدولة منذ هذه اللحظة ان تتصرف؟
أولاً، على الحكومة اللبنانية أن تستثمر هذا التصنيف الأميركي رسمياً، لا أن تتجاهله، عبر فتح ملف مساءلة قانونية ودستورية حول وجود ممثلين لتنظيم مصنَّف "إيرانياً" داخل السلطة التنفيذية والتشريعية، تمهيداً لوضع معايير شفافية وإفصاح تحمي مؤسسات الدولة من تضارب الولاء.
ثانياً، على الجيش اللبناني أن يمتثل وينفذ قرارات السلطة التنفيذية من دون إبطاء أو تسويف، وأن تحصل قيادته، بدعم سياسي واضح من مجلس الوزراء، على تفويض فعلي لتنفيذ هذه القرارات في المواقع مثل علي الطاهر وزوطر والمنصوري، بمعزل عن حسابات الولاءات الداخلية.
ثالثاً، على الدولة اللبنانية أن تستخدم هذا التصنيف كورقة تفاوضية في مسارات واشنطن وروما، لإعادة تعريف نزع السلاح ليس كـ"شأن لبناني داخلي حساس"، بل كإزالة نفوذ جهة معرَّفة دولياً بأنها امتداد لدولة أجنبية، وان تتطلب المساعدة في ذلك.
رابعاً، على الشركاء الدوليين والخليجيين ربط أي دعم إضافي لبيروت بخطوات ملموسة وقابلة للقياس، لا بالوعود.
القرار، كما كان دائماً، بيد لبنان وحده. لكن بعد أمس، لم يعد بإمكان أحد في الداخل أن يدّعي أن التصنيف بين "مقاومة وطنية" و"أداة إيرانية" لا يزال قيد النقاش. حسمته واشنطن. والسؤال الوحيد المتبقي هو: متى يحسمه لبنان بنفسه؟
إليسا الهاشم
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|