الصحافة

من المختبر إلى الجبهة... كيف دخلت ألمانيا حرب إسرائيل على حزب الله؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد التكنولوجيا العسكرية في الحروب الحديثة تبدأ بالضرورة داخل مصانع الأسلحة. فقد تبدأ في جامعة، أو مختبر يطوّر خوارزمية للذكاء الاصطناعي، أو نظاماً للتعقّب، أو تقنية للطائرات المُسيّرة، ثم تنتقل المعرفة إلى شركات السلاح والمؤسسات العسكرية، وصولاً إلى استخدامها في ميدان الحرب. وفي حالة لبنان، تكتسب هذه المعادلة أهمية خاصة، إذ تحوّل الصراع بين حزب الله والعدو الإسرائيلي إلى جزء من شبكة أوسع تتداخل فيها الاستخبارات والتكنولوجيا وسلاسل التوريد والبحث العلمي.


ضمن هذه الشبكة، تبرز ألمانيا، لا بوصفها دولة أوروبية داعمة لإسرائيل فحسب، بل باعتبارها دولة راكمت خلال أكثر من ستة عقود تعاوناً سياسياً وأمنياً وعلمياً ومؤسّساتياً عميقاً مع الكيان. ومن أبرز نتائج هذا التعاون شبكة تبادل معلومات بين جهاز الاستخبارات الخارجية الألمانية (BND) وأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، يبدو أنها امتدّت إلى سلاح حزب الله نفسه، وأدّت، في حالات عدة، إلى تعطيل صواريخ للمقاومة.

في 12 آب الجاري، نشرت صحيفة «بيلد» الألمانية تقريراً عن جهاز الـBND أكّد أن الاستخبارات الخارجية الألمانية تمكّنت، في أكثر من مناسبة، من تحديد أماكن تخزين صواريخ إيرانية كانت مُخصّصة لحزب الله، و«كانت لدى الاستخبارات الألمانية إمكانية الوصول إليها». وأضاف أن رؤساء الجهاز «أصدروا في حالات عدة أوامر بجعل هذه الصواريخ غير صالحة للاستخدام». وإذا صحّت هذه المعطيات، فإن الأمر يتجاوز مجرد مراقبة مسار السلاح الإيراني إلى حزب الله، ليعني امتلاك الاستخبارات الألمانية معلومات ميدانية عن أماكن تخزينه، وربما قدرة على الوصول إليه والتأثير فيه.

لكنّ اللافت في تقرير الصحيفة الألمانية تركيزها على الجانب القانوني للعملية، إذ أشارت إلى أن عملاء الـBND الموجودين في الميدان «لم تكن لديهم تغطية قانونية واضحة» تتيح لهم تعطيل الأسلحة. ويأتي نشر هذه المعلومات في وقت تعيد فيه ألمانيا النظر في صلاحيات جهاز استخباراتها الخارجية، بالتزامن مع مناقشة الحكومة الألمانية، منذ تموز الماضي، مشروعاً يضع إطاراً قانونياً لبعض أشكال التدخّل الخارجي للجهاز، بحجة التعامل مع «تهديدات من قوة أجنبية». والمقصود هنا توسيع هامش قدرة الجهاز على إحداث تأثير مادي مباشر في أشياء أو أشخاص خارج الأراضي الألمانية.


وبحسب معطيات توافرت لـ«الأخبار»، فقد تبيّن أن هناك احتمالاً بإدخال شرائح إلكترونية (chips) إلى الصواريخ الإيرانية أو مكوّناتها. ذلك أن بعض الشحنات التي وصلت إلى مطار دمشق تعرّضت، على نحو لافت، لغارات إسرائيلية محدّدة أكثر من مرة قبل 7 تشرين الأول 2023، فيما جرى استهداف حاويات بعينها تضم مكوّنات لصواريخ باليستية، من دون حاويات أخرى كانت تحتوي أيضاً على مكوّنات صاروخية. وأدّت هذه الوقائع، إلى جانب معطيات أخرى قيد التحقيق، إلى ترجيح فرضية أن بعض الصواريخ أو مكوّناتها تعرّضت للاختراق قبل وصولها إلى وجهتها.

معروف أن العلاقة السياسية والأمنية بين ألمانيا وإسرائيل نشأت في سياق شديد الخصوصية، بعد الحرب العالمية الثانية والهولوكوست، وتطوّرت على مدى عقود. لكنّ ثمة مساراً آخر لا يقلّ أهمية هو التعاون العلمي والتكنولوجي بين البلدين، وهو ما يفصّل جوانبه تقرير صدر في تموز الماضي عن منظمة Academics for Justice بعنوان: The Max Planck Society and the Israeli Military-Academic Complex: A Chronicle of Collaboration, Legitimization and Complicity، («جمعية ماكس بلانك والمجمع الأكاديمي - العسكري الإسرائيلي: سجلّ التعاون وإضفاء الشرعية والتواطؤ»).

التقرير، المُمتدّ على 49 صفحة، يرسم شبكة من التمويل والتعاون بين مؤسسة علمية ألمانية كبرى، مثل «ماكس بلانك»، وجامعات ومراكز أبحاث إسرائيلية متداخلة بنيوياً مع الجيش والصناعة العسكرية. وتقوم إحدى خلاصاته الأساسية على أن العلم لا يبقى محايداً لمجرد أن إنتاجه يجري داخل مؤسسة أكاديمية.


وبحسب «ماكس بلانك»، يعود التعاون العلمي الألماني - الإسرائيلي إلى عام 1959، في سياق العلاقات التي دفع بها رئيس الوزراء الإسرائيلي ديفيد بن غوريون والمستشار الألماني كونراد أديناور. وبعد خمس سنوات، في عام 1964، تأسّست Minerva Stiftung كذراع مرتبطة بـ«ماكس بلانك»، وأصبح برنامج Minerva-Weizmann إحدى أبرز قنوات تمويل التعاون العلمي الألماني مع إسرائيل. ويشير التقرير إلى أن ألمانيا قدّمت، منذ ذلك الحين، عبر «مينرفا»، أكثر من 360 مليون يورو، بما أسّس لبنية تمويلية واسعة من برامج البحث والتبادل والمراكز العلمية داخل إسرائيل.

من جهة ثانية، تلعب الجامعات الإسرائيلية دوراً داخل منظومة أوسع مرتبطة بالاحتلال، وهو ما يتناوله تقرير Academics for Justice من خلال توثيق أبحاث مرتبطة بأحد مراكز «مينرفا» أسهمت، وفق التقرير، في تطوير تقنيات حصلت على براءات اختراع، ثم بيعت لاحقاً للجيش الإسرائيلي واستُخدمت في مراقبة الفلسطينيين. ويرصد التقرير شبكة تعاون تشمل مؤسسات وشركات مثل MAFAT وRafael وElbit وIsrael Aerospace Industries، عبر مؤتمرات وتمويل أبحاث ذات صلة بالمؤسسة العسكرية، في مجالات تشمل الذكاء الاصطناعي والمراقبة والطائرات المُسيّرة وأنظمة الهندسة والدفع. هكذا يتحوّل التمويل العلمي، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، إلى جزء من البنية التكنولوجية للحرب.

وتعزّز هذا التعاون خلال حرب الإبادة على غزة وبعدها، في وقت تصاعدت فيه التحذيرات الدولية بشأن الانتهاكات الإسرائيلية. ففي كانون الأول 2023، مثلاً، خصّصت «ماكس بلانك» مليون يورو لبرنامج Max Planck Israel Programme، قبل تمديده لاحقاً حتى نهاية 2026. وفي تشرين الثاني 2024، افتتحت الجمعية مكتباً جديداً في القدس، ثم فتحت «مينرفا» في أيلول 2025 الباب أمام إنشاء مركزين جديدين.


وفي تشرين الثاني من العام نفسه، افتُتح Max Planck Center for Democracy, Security and Human Rights، وهو مشروع ألماني - إسرائيلي يبحث العلاقة بين الديمقراطية والأمن وحقوق الإنسان وكيفية مواجهة ما يُعرّف بـ«التهديدات الأمنية». أي إن المؤسسة العلمية الألمانية باتت شريكاً في بحث قضايا الأمن والديمقراطية وحقوق الإنسان، فيما تخوض إسرائيل حروباً مفتوحة في غزة ولبنان، وسط جدل متصاعد حول مدى احترامها لقواعد القانون الدولي الناظمة للحرب.

وفي شباط 2024، أنهت «ماكس بلانك» عمل عالم الأنثروبولوجيا اللبناني - الأسترالي غسان حاج، على خلفية منشورات انتقد فيها إسرائيل. وقالت الجمعية إن منشوراته على وسائل التواصل الاجتماعي تضمّنت آراء تتعارض مع قيمها الأساسية، وإن حرية التعبير لا تلغي الالتزامات المرتبطة بعلاقة العمل. وفي وقت لاحق، رفضت محكمة العمل دعوى حاج ضد إنهاء عمله.

ندى أيوب - الاخبار

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا