محليات

من رأس الناقورة إلى واشنطن: 77 عاماً من الاتفاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية... "عالورق"

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

ليبانون ديبايت"-المحامي ميشال فلاّح

 

ليست الاتفاقات اللبنانية ـ الإسرائيلية سلسلة خطية من معاهدات السلام، بل مسار متقطع من هدنات عسكرية، وترتيبات أمنية، واتفاقات حدودية تقنية، ومحاولات سياسية اصطدمت ببنية النظام اللبناني، وحدود الاختصاص الدستوري في إبرام المعاهدات، وصراع السيادة بين الدولة والقوى المسلحة غير النظامية، فضلاً عن البيئة العربية والدولية. ومن هدنة 1949 إلى الاتفاق الإطاري الثلاثي الموقّع في واشنطن في 26 حزيران 2026، بقي السؤال المركزي: هل يستطيع لبنان الانتقال من إدارة النزاع إلى إنهائه من دون المساس بسيادته أو تجاوز مؤسساته الدستورية؟

 

هدنة 1949 وسياقها القانوني

 

وُقّع اتفاق الهدنة العام بين لبنان وإسرائيل في رأس الناقورة في 23 آذار 1949، في سياق قرارات مجلس الأمن التي أعقبت حرب 1948. وتميّز الاتفاق اللبناني بأن خط الهدنة اتبع، في جوهره، الحدود الدولية بين لبنان وفلسطين الانتدابية، من دون أن ينشئ تنازلاً إقليمياً أو اعترافاً سياسياً شاملاً.

 

ومن منظور القانون الدولي، كانت الهدنة تدبيراً عسكرياً مؤقتاً وليست معاهدة سلام. ولذلك بقيت منفصلة عن الاعتراف السياسي والتطبيع. وفي هذا السياق، شكّل قانون مقاطعة إسرائيل الصادر في 23 حزيران 1955، والمرسوم رقم 12562/1963، جزءاً أساسياً من البيئة القانونية اللبنانية التي قيّدت التعامل المباشر وغير المباشر مع إسرائيل.

 

من الاجتياحات إلى اتفاق 17 أيار 1983

 

بعد عملية الليطاني عام 1978، صدر القرار 425 مطالباً إسرائيل بالانسحاب من الأراضي اللبنانية وإنشاء قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان. ثم أدى اجتياح 1982 إلى محاولة صياغة اتفاق سياسي أوسع، فتم توقيع اتفاق 17 أيار 1983 بوساطة أميركية.

 

تضمّن الاتفاق إنهاء حالة الحرب، وترتيبات أمنية في الجنوب، ولجان اتصال وتسوية نزاعات، ونص على إيداعه لدى الأمم المتحدة وفق المادة 102 من الميثاق. كما اشترطت أحكامه التصديق وفق الإجراءات الدستورية لكل طرف، وهو ما يتقاطع لبنانياً مع المادة 52 من الدستور.

 

غير أن الاتفاق وُلد في ظرف لبناني شديد الاضطراب، اتسم بالاحتلال الإسرائيلي، والوجود السوري، والانقسام الداخلي. ورغم توقيعه، لم يتحول إلى سلام مستقر وأُلغي عام 1984 تحت ضغط داخلي وإقليمي.

 

والدرس الدستوري الأبرز أن التوقيع لا يكفي وحده لإنشاء التزام دولي مستقر ذي أثر سيادي، إذا لم يستكمل الإجراءات الدستورية ولم يتوافر قبول مؤسسي وسياسي قادر على تنفيذ الالتزامات. وهو ما يفسر الفرق بين التجربة اللبنانية وتجربتي مصر والأردن اللتين أبرمتا لاحقاً معاهدتي سلام كاملتين مع إسرائيل.

 

تفاهمات 1993 و1996 والقرار 1701

 

في التسعينيات، لم تكن العلاقة اللبنانية ـ الإسرائيلية مساراً تفاوضياً مباشراً نحو السلام، بل إدارة للاشتباك ضمن ظروف إقليمية وداخلية معقدة.

 

أفضت تفاهمات 1993 ثم تفاهم نيسان 1996 إلى قواعد سلوك تهدف إلى حماية المدنيين وإنشاء آلية مراقبة بمشاركة الولايات المتحدة وفرنسا وسوريا ولبنان وإسرائيل. ولم تكن هذه التفاهمات معاهدات سلام، بل ترتيبات لإدارة النزاع وخفض التصعيد.

 

وفي عام 2000 انسحبت إسرائيل من معظم الجنوب وفق الخط الأزرق الذي حددته الأمم المتحدة للتحقق من الانسحاب، مع استمرار النزاع حول مزارع شبعا وبعض النقاط الحدودية.

 

أما قرار مجلس الأمن 1701 لعام 2006، فقد أعاد تثبيت إطار دولي لوقف الأعمال العدائية، ودعا إلى انتشار الجيش اللبناني واليونيفيل جنوب الليطاني، وبسط سلطة الدولة اللبنانية، وربط ذلك بتنفيذ القرارين 1559 و1680 وبمنطق حصرية السلاح والسلطة بيد الدولة. وهكذا مثّل القرار 1701 إطاراً دولياً لإعادة بناء احتكار الدولة للقوة، وإن بقي تنفيذه ناقصاً.²

 

اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022

 

شكّل اتفاق ترسيم الحدود البحرية لعام 2022 تحولاً نوعياً، لكنه لم يكن اتفاق تطبيع أو معاهدة سلام. فقد جاء في صورة ترتيب تقني ـ اقتصادي بوساطة أميركية، عالج المنطقة الاقتصادية الخالصة وحقوق الاستكشاف، مع الفصل بين المسألة البحرية والخلافات البرية وحالة الحرب.

 

وتكمن أهميته القانونية في أنه أظهر إمكانية إبرام ترتيبات وظيفية بين دولتين لا تربطهما علاقات دبلوماسية، عندما تكون الغاية المحددة هي إدارة الموارد وحماية المصالح الاقتصادية. وقد أُودعت الرسائل والإحداثيات ذات الصلة لدى الأمم المتحدة، بما عزز طبيعته كترتيب حدودي بحري محدود لا كمعاهدة سلام شاملة.

 

الاتفاق الإطاري الثلاثي لعام 2026

 

في 26 حزيران 2026، وُقّع في واشنطن اتفاق إطاري ثلاثي بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة حول السيادة المعترف بها والأمن المتبادل والعلاقات السلمية.

 

وبحسب النص المنشور، يهدف الإطار إلى إنهاء النزاع وحالة الحرب عبر مسار متدرج يتضمن تعزيز سلطة الجيش اللبناني، ونزع سلاح الجماعات غير الحكومية والتحقق من ذلك، وانسحاباً إسرائيلياً تدريجياً، وإنشاء آليات أمنية ومناطق اختبار، وربط إعادة الإعمار بالمراقبة والشفافية.

 

وتبرز أهمية هذا الإطار في أنه لا يستخدم، في صيغته، مفهوم «معاهدة سلام» بالمعنى التقليدي، بل «إطاراً» يترك إتمام المسار للمؤسسات الدستورية في البلدين. ومن ثم فإن قيمته القانونية النهائية لا تتحدد بالتوقيع وحده، بل بمدى استكمال الإجراءات الدستورية اللبنانية.

 

وهنا تبرز المادة 52 من الدستور اللبناني، التي تنص على أن رئيس الجمهورية يتولى المفاوضة في عقد المعاهدات وإبرامها بالاتفاق مع رئيس الحكومة، وأن المعاهدات لا تصبح مبرمة إلا بعد موافقة مجلس الوزراء، مع خضوع أنواع معينة منها لموافقة مجلس النواب. كما أن المادة 65 تدرج المعاهدات والاتفاقات الدولية ذات الأهمية ضمن المواضيع الأساسية التي تخضع لقواعد التصويت المحددة فيها.

 

وبالنظر إلى أن إطار 2026 يتصل بالسيادة والأمن وحالة الحرب وإعادة الإعمار، فإن استقراره القانوني الداخلي يقتضي، بحسب طبيعته النهائية والتي تتحدد بعد إتمام عدة اجراءات لاحقه له، استكمال المسار الحكومي والبرلماني الذي يفرضه الدستور، فضلاً عن معالجة القوانين اللبنانية القائمة، وفي مقدمها قانون مقاطعة إسرائيل لعام 1955 والمرسوم رقم 12562/1963. فلا يُفترض أن تزول قواعد المقاطعة ضمناً بمجرد إبرام إطار سياسي، بل تحتاج إلى معالجة تشريعية واضحة إذا اقتضى تنفيذ الالتزامات الجديدة تغييرها.

 

الفجوة بين النص والقدرة على التنفيذ

 

يكشف المسار الممتد من 1949 إلى 2026 أن المشكلة اللبنانية ـ الإسرائيلية لم تكن في غياب الأطر القانونية بقدر ما كانت في الفجوة بين النص والقدرة على التنفيذ، وبين الالتزام الدولي واحتكار الدولة لقرار الحرب والسلم.

 

فهدنة 1949 ثبّتت وقف القتال ولم تنشئ سلاماً، واتفاق 17 أيار 1983 تعثر لأنه سبق اكتمال التوافق الداخلي والقدرة المؤسسية، وتفاهمات 1996 والقرار 1701 أدارا النزاع من دون إنهائه، أما اتفاق 2022 فأثبت إمكان الوصول إلى تسوية تقنية محددة حتى في غياب التطبيع السياسي.

 

ويحاول إطار 2026 الانتقال خطوة إضافية، عبر الجمع بين السيادة والأمن والانسحاب وإعادة الإعمار ضمن مسار تفاوضي متدرج. غير أن نجاحه لن يقرره التوقيع وحده، بل قدرته عبر اجراءاته المتممة له، على المرور عبر المؤسسات الدستورية اللبنانية وتحويل مبدأ حصرية السلاح والسلطة بيد الدولة من التزام دولي متكرر إلى واقع قانوني وسياسي قابل للتنفيذ.

 

وبذلك، فإن القاعدة التي يمكن استخلاصها من التاريخ الدستوري والقانوني اللبناني واضحة، كل اتفاق يمس السيادة أو حالة الحرب أو يرتب التزامات دائمة لا يكتمل أثره الداخلي بمجرد التوقيع، بل يتطلب احترام الاختصاصات الدستورية وآليات التصديق والتنفيذ التي يفرضها القانون اللبناني، و"الخصوصية" اللبنانية.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا