هل خسارة ترامب الانتخابات تُنقذ إيران؟
في 18 حزيران الماضي، وقّعت الولايات المتحدة الأميركية وإيران مذكرة إسلام آباد المكونة من 14 بندًا، والتي نصت خصوصًا على إنجاز اتفاق نهائي خلال مدة لا تتجاوز 60 يومًا، قابلة للتمديد بموافقة الطرفين. ومع انقضاء هذه المهلة دون تحقيق أي تقدم، تراجعت الآمال بتحقيق خرق مهم في المستقبل القريب. في غضون ذلك، تراهن طهران على خسارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الانتخابات النصفية للخروج من قبضة ضغوطه المتواصلة، في حين يراهن ترامب بدوره على أن يدفع الخناق الاقتصادي المفروض حاليًا على إيران إلى تقديم هذه الأخيرة التنازلات المطلوبة للتوصل إلى تسوية. ماذا في التفاصيل؟
في ضوء استمرار تعثر المفاوضات، وعدم العودة إلى خيار الحرب الشاملة، تراهن واشنطن، من خلال تشديد الحصار البحري على إيران وفرض عقوبات مالية غير مسبوقة عليها، على خنق شريان الاقتصاد الإيراني وتجفيف إيرادات النفط. وفي هذا السياق، تركز قوات البحرية الأميركية على تقليص صادرات النفط الإيرانية الموجهة إلى الصين، وعلى عرقلة مسارات المصافي وملاحقة الوسطاء. وتعمل الإدارة الأميركية على تضييق الخناق على شركات الصرافة وشبكات غسل الأموال، بغرض حرمان طهران من السيولة النقدية، في ظل رهان متعاظم على ارتفاع مستوى التضخم واستفحال أزمات نقص الأموال، الأمر الذي قد يقود إلى أزمة معيشية خانقة من شأنها الضغط على القيادة الإيرانية ودفعها إلى تقديم تنازلات طال انتظارها.
لكن النظام الإيراني، الذي يرفض أن تُملى عليه الشروط السياسية بالقوة، لا يزال يعاند ويرفض التنازل، معوّلاً على قدرته على التكيف مع الأزمة الداخلية الناشئة، وعلى خبرته الطويلة في الالتفاف على العقوبات الدولية المزمنة. وليس بسرّ أن طهران تعتمد على قنوات غير رسمية، وعلى أصول رقمية وعملات بديلة، لتفادي الشلل التام. وتراهن إيران خصوصًا على خسارة الرئيس الأميركي وحزبه الجمهوري في الانتخابات النصفية في الثالث من تشرين الثاني المقبل، الأمر الذي من شأنه تقليص الضغوط عليها، وتمكينها من التصلب أكثر في مواقفها. وتتبع طهران سياسة كسب الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية، واستعادة السيطرة على أوراق الضغط الإقليمية، على أمل أن تنتهي الأزمة بصياغة تسويات مؤقتة تضمن بقاء البنية النووية والصاروخية دون تفكيك يُذكر.
ولا تكتفي إيران بموقفها الدفاعي في وجه ضغوط أميركا العسكرية والاقتصادية، بل تعتمد سياسة هجومية تقضي بمواصلة استهداف السفن في مضيق هرمز، وبضرب القواعد الأميركية والمصالح الاقتصادية في دول الخليج عندما تدعو الحاجة. ومن خلال اعتمادها سياسة المناورة وتضييع الوقت مع واشنطن، تراهن طهران على استنزاف الإدارة الأميركية، لاعتقادها أن هذه الأخيرة غير قادرة على تحمل تبعات الحرب لفترة زمنية طويلة. وهي تعوّل أيضًا على تراجع التأثير الداخلي للتهديدات الأميركية، متأملة في الوقت نفسه بحصول تغيير على مستوى المعادلات السياسية والانتخابية في واشنطن، في ظل اقتراب مواعيد الانتخابات الأميركية وما تحمله من ضغوط على الإدارة الحالية لتجنب الأزمات الخارجية المكلفة في قطاع الطاقة.
لكن من الضروري الإشارة إلى أنه، على الرغم من أن الكونغرس الأميركي يملك وحده سلطة إعلان الحرب رسميًا، وتخصيص الأموال لتمويل العمليات العسكرية، فإن الدستور الأميركي وقانون صلاحيات الحرب واضحان لجهة قدرة الرئيس – وبصفته القائد الأعلى للجيش – على شن ضربات عسكرية محدودة أو طارئة لفترة تصل إلى 60 يومًا دون الحصول على موافقة مسبقة من الكونغرس. أما خوض حرب شاملة أو طويلة الأمد فيتطلب تمويلًا وتفويضًا رسميين، الأمر الذي يصعب تحقيقه في حال وجود أغلبية معارضة ترفض التمويل وتُقيّد الصلاحيات. وبالتالي، في حال خسر ترامب وحزبه الأغلبية العددية في الانتخابات النصفية، تستطيع عندها الأغلبية الجديدة المعارضة له في الكونغرس حجب الاعتمادات المالية المخصصة للعمليات العسكرية الكبرى، مما يعطل قدرة الإدارة الأميركية على استمرار أي حرب مكلفة، علمًا أنه بإمكان الكونغرس أيضًا التصويت وربما تمرير قرارات مشتركة لسحب القوات الأميركية من أي نزاع قائم. ومن شأن خسارة الدعم السياسي الداخلي أن تجعل خوض أي مغامرة عسكرية واسعة مخاطرة دستورية كبرى، يمكن أن تُعرّض الرئيس لمساءلة قانونية أو إجراءات عزل.
في المقابل، يستفيد الرئيس الأميركي من قوانين أخرى تصب في صالحه. ففي هذا السياق، حتى لو تم إقرار قرار بوقف الحرب ضد إيران في مجلسي النواب والشيوخ، يستطيع الرئيس استخدام حق النقض لإبطاله. ولتجاوز "الفيتو" المذكور، يحتاج الكونغرس إلى أغلبية الثلثين في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ، وهي نسبة يصعب تحقيقها في ظل التوازنات الحزبية القائمة حاليًا في أميركا. وهذا يعني عمليًا أن خسارة ترامب في الانتخابات النصفية من شأنها أن تضعف موقفه السياسي، لكنها لن تُقيد يديه كليًا.
في الخلاصة، تأمل واشنطن أن يؤدي الانهيار الاقتصادي والمالي والمعيشي في إيران إلى إجبار النظام الإيراني على الذهاب قريبًا إلى تسوية مقبولة من الجميع. وتأمل طهران في المقابل أن تخسر إدارة الرئيس ترامب الانتخابات النصفية المقبلة، وأن تؤدي تطورات أسواق النفط العالمية إلى إجبار واشنطن وحلفائها على تقديم تنازلات تقضي برفع الحصار عن موانئ إيران، وتخفيف العقوبات، والإفراج عن الأصول المالية المجمدة، وغير ذلك. فرهان من هو الأكثر قابلية للتحقق؟! أكثر من ذلك، توجد نظرية تقول إن كلاً من هذين الرهانين يُستعملان لكسب الوقت فقط، لأن المعركة العسكرية الحاسمة بين واشنطن وطهران آتية لا محالة، وما يجري اليوم هو استكمال العدة المناسبة لها، بموازاة استنفاد آخر الحلول السلمية الممكنة!
النشرة - ناجي البستاني
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|