السلام يهدد النظام الإيراني... لماذا يتمسك الحرس الثوري بالحرب؟
مع انتهاء وقف إطلاق النار الذي استمر 60 يوماً بين الولايات المتحدة وإيران، تبدو فرص العودة إلى تسوية مستقرة أكثر تعقيداً، في ظل تحول داخل دوائر صنع القرار في طهران نحو استراتيجية تقوم على استمرار الضغط والتصعيد بدلاً من السعي السريع إلى إنهاء الحرب.
ففي الوقت الذي يسعى فيه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى الخروج من المواجهة العسكرية والعودة إلى سياسة العقوبات والضغط الاقتصادي، يرى قادة إيرانيون، وفي مقدمتهم قيادات الحرس الثوري، أن الحرب وفرت للنظام فرصة لتعزيز قبضته الداخلية وإعادة ترتيب مؤسساته الأمنية والعسكرية.
والمفارقة أن الحرب التي كان يُفترض أن تضعف الجمهورية الإسلامية ربما منحتها، مؤقتاً، مبرراً جديداً للبقاء، إذ أتاحت للسلطات تحويل الصراع الخارجي إلى ذريعة لتشديد القمع في الداخل، وإعادة تنظيم المؤسسة العسكرية، وتعزيز نفوذ الحرس الثوري.
قبل اندلاع الحرب، كانت إيران تواجه واحدة من أخطر أزماتها الداخلية منذ عقود، مع احتجاجات واسعة وأوضاع اقتصادية متدهورة وتضخم متصاعد، في وقت كان النظام يواجه غضباً شعبياً متزايداً.
وكانت هناك داخل القيادة الإيرانية رؤية تدعو إلى استغلال أي فرصة لتحسين الاقتصاد وتهدئة التوترات الخارجية. وكان الرئيس مسعود بيزشكيان يمثل هذا الاتجاه، باعتبار أن إنهاء الحرب وإعادة فتح قنوات الاقتصاد والتجارة يمثلان شرطاً أساسياً لاستعادة الاستقرار.
لكن هذا الاتجاه خسر أمام صعود نفوذ المتشددين والقيادات العسكرية، خصوصاً داخل الحرس الثوري، الذين يرون أن التراجع أو تقديم تنازلات في هذه المرحلة قد يهددان بقاء النظام أكثر مما تهدده الحرب نفسها.
وبحسب هذا التصور، فإن السلام سيعيد النظام الإيراني إلى مواجهة المشكلات التي سبقت الحرب: الاقتصاد المتعثر، التضخم، البطالة، الاحتجاجات، والغضب الشعبي. أما استمرار الصراع، فيوفر مبرراً دائماً للطوارئ والقمع وتعبئة المجتمع خلف خطاب "التهديد الخارجي".
الحرس الثوري يعيد تشكيل معادلة الحرب
تكشف التغييرات الأخيرة في القيادة الأمنية والعسكرية الإيرانية عن اتجاه واضح نحو الاستعداد لصراع طويل الأمد. فقد تعزز نفوذ الحرس الثوري على حساب المؤسسات العسكرية التقليدية، بينما صدرت تصريحات من قادة كبار تتحدث عن الانتقال من الدفاع إلى الهجوم.
ووضع الجيش النظامي الإيراني، المعروف باسم "أرتش"، تحت نفوذ أكبر للحرس الثوري، في مؤشر على تركيز القرار العسكري في يد المؤسسة الأكثر تشدداً داخل النظام.
وفي السياق ذاته، أعلنت القيادة العسكرية الإيرانية إجراءات وحوافز لاستهداف القوات الأمريكية، فيما أصبحت الرسائل الصادرة عن طهران بشأن مضيق هرمز أكثر تشدداً.
وتنظر إيران إلى المضيق باعتباره من أهم أوراق قوتها الجيوسياسية. فتهديد حركة الملاحة في هذا الممر الحيوي يمنحها قدرة على التأثير في أسواق الطاقة والضغط على الولايات المتحدة وحلفائها، حتى في حال عدم امتلاكها التفوق العسكري التقليدي.
لذلك، لا يبدو أن طهران مستعدة للتخلي بسهولة عن النفوذ الذي يمنحه لها التحكم في حركة الملاحة عبر المضيق.
الحرب تفتح الباب أمام موجة قمع جديدة
في الداخل، استغلت السلطات الإيرانية حالة الحرب لتوسيع أدوات القمع. فقد جرى تشديد القوانين المتعلقة بالتجسس والتعاون مع "العدو"، وتحويل بعض الجرائم التي كانت تؤدي سابقاً إلى أحكام بالسجن إلى جرائم يمكن أن تصل عقوبتها إلى الإعدام.
وبحسب منظمات حقوقية، ارتفع عدد الإعدامات التي تستهدف سجناء سياسيين ومتظاهرين بصورة ملحوظة خلال العام الحالي.
وتقول منظمة "حقوق الإنسان في إيران" إن عشرات المتظاهرين يواجهون أحكاماً بالإعدام، في وقت جرى فيه تنفيذ أحكام بحق عدد من المحتجين.
ولا يتوقف الأمر عند أحكام الإعدام. فقد جرى تعيين قيادة جديدة لقوات الباسيج، وهي القوة التي يعتمد عليها الحرس الثوري في قمع الاحتجاجات، مع توجه لتحويلها بصورة أكبر إلى شبكة استخباراتية لمراقبة المجتمع.
كما يجري العمل على تشريع جديد يستهدف ما تصفه السلطات بـ"النفوذ الأجنبي"، من شأنه فرض قيود واسعة على التواصل مع وسائل الإعلام الأجنبية، ما يهدد بمزيد من التضييق على الصحفيين والمجتمع المدني.
وهكذا، تتحول حالة الحرب إلى أداة لإعادة تشكيل المجال الداخلي، عبر توسيع الرقابة والملاحقة ورفع تكلفة المعارضة.
طهران ترى أنها حققت مكاسب غير مسبوقة
لكن حسابات القيادة الإيرانية لا تقوم فقط على الخوف من السلام. فبعض المسؤولين يعتقدون أن الحرب منحت إيران فرصة لتحقيق أهداف استراتيجية لم تكن متاحة في السابق.
فمن وجهة نظرهم، تمكنت طهران من تحويل التدخل العسكري الأمريكي إلى عبء سياسي على واشنطن، خصوصاً بعدما أصبح الرأي العام الأمريكي أقل استعداداً لتحمل حرب جديدة طويلة في الشرق الأوسط.
وتعتقد القيادة الإيرانية أن استمرار الضغط العسكري والتهديدات في الشرق الأوسط يمكن أن يدفع الولايات المتحدة تدريجياً إلى تقليص وجودها العسكري في المنطقة، وهو هدف طالما سعت طهران إلى تحقيقه.
ومن هنا، فإن وقف إطلاق النار لا يعني بالضرورة نهاية المواجهة، بل يمكن أن يمثل مرحلة لإعادة بناء القدرات والاستعداد لجولة جديدة.
فرض "حق النقض" على السلام
لا يعني ذلك بالضرورة أن الحرس الثوري يريد العودة فوراً إلى حرب شاملة. فالتصعيد الكامل يحمل مخاطر كبيرة، وقد يؤدي إلى ضربات أمريكية وإسرائيلية جديدة، ويزيد الضغط على الاقتصاد الإيراني.
لكن طهران قد لا تحتاج إلى حرب مفتوحة لتحقيق أهدافها. يكفيها، وفق هذا التصور، الحفاظ على مستوى من التوتر يسمح باستمرار حالة الطوارئ داخلياً، ويمنع واشنطن من الانتقال بسهولة إلى سياسة اقتصادية هادئة تقوم على العقوبات والضغط المالي فقط.
وتشير المعطيات إلى أن إيران استغلت فترة وقف إطلاق النار لإعادة ترتيب قيادتها العسكرية، وإعادة بناء مخزوناتها من الصواريخ والطائرات المسيّرة، والاستعداد لاحتمال اندلاع مواجهة جديدة.
ومع ذلك، قد تكون القيادة الإيرانية تبالغ في تقدير قدرتها على الصمود. فالقوة الأمريكية وحلفاؤها لا يزالون يمتلكون قدرات عسكرية كبيرة، بينما يعتمد الاقتصاد الإيراني بدرجة كبيرة على استمرار صادرات الطاقة وحركة الملاحة.
لكن المشكلة تكمن في أن قدرة إيران على تهديد ناقلات النفط والقواعد الأمريكية والبنية التحتية للطاقة والمياه في الخليج تمنحها ورقة ضغط لا يمكن تجاهلها.
وبذلك، قد يصبح السلام نفسه أكثر خطورة على قادة إيران من استمرار الحرب، لأنه سيعيدهم إلى مواجهة الأزمة التي سبقت الصراع: شعب غاضب، واقتصاد متعثر، ونظام يفتقر إلى القدرة أو الإرادة لإجراء إصلاحات عميقة.
أما الحرب، رغم تكلفتها الهائلة، فتمنح الحرس الثوري شيئاً يحتاج إليه بشدة: الوقت، والذريعة، والعدو الخارجي الذي يمكن استخدامه لتأجيل مواجهة الداخل.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|