بعد أنصار ودير الزهراني.. هل يتّسع "الخط الأصفر"؟
وسعت إسرائيل في الأيام الأخيرة نطاق ضغطها العسكري في جنوب لبنان، من تلال عليّ الطاهر وقضاء النبطية إلى قضاء صور، ولا سيما المنصوري. لكن الأهم في هذا التصعيد ليس تعدد الجبهات بحد ذاته، بل ما إذا كانت إسرائيل بدأت، من خلال النار، بتوسيع المجال الذي تعتبره أمنياً وقابلاً للعمل داخله، من دون إعلان رسمي عن تغيير حدوده.
في قراءة العميد المتقاعد بهاء حلّال، لا تزال هذه الفرضية غير معلنة، لكنها قد تكون قيد التشكّل ميدانياً: أي الانتقال من "الخط الأصفر" كحد جغرافي ثابت إلى مجال أمني متحرك تحدد إسرائيل حدوده وفقاً لمصادر التهديد وقدرتها على استهدافها.
وفي قلب هذه المعادلة تقع تلة عليّ الطاهر. فحلّال يرجح أن تتحول التلة ومحيطها إلى "منطقة خطر أمني متكرر" حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول 2026، لا عبر احتلال دائم أو قصف متواصل بالضرورة، بل من خلال ضغط عسكري متقطع يبقي المنطقة تحت التهديد ويحوّلها إلى ورقة عسكرية وتفاوضية وسياسية.
من هنا، يصبح السؤال: هل ما جرى في أنصار ودير الزهراني مجرد بداية لتوسيع النطاق الأمني بالنار؟
هل تغيّر نطاق الاستهداف؟
السبت، شهد قضاء النبطية، وتحديداً أنصار ودير الزهراني، غارات عنيفة أسفرت عن استشهاد 11 شخصاً وإصابة 19، بينهم أطفال ونساء، فيما اضطر عدد من الأهالي إلى النزوح في اليوم نفسه.
أهمية الضربات ترتبط بموقع البلدتين. فهما تقعان خارج ما يُسمى "الخط الأصفر"، وقد عاد إليهما السكان بعد وقف إطلاق النار. وبالتالي، فإن استهدافهما يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت حدود المجال الذي تعتبره إسرائيل مجالاً أمنياً قابلاً للعمل قد بدأت بالاتساع.
في المقابل، قال الجيش الإسرائيلي إن غاراته جاءت رداً على "عملية" نفذها "حزب الله" ضد قواته في منطقة مرتفعات علي الطاهر، الواقعة ضمن ما يسميه "المنطقة الأمنية" التي يحتلها في جنوب لبنان، فيما لم يصدر عن الحزب تعقيب على هذه الرواية.
لكن الحزب قال، في بيان السبت، إن "التصعيد الإسرائيلي، باستهداف المدنيين وتوسيع دائرة المناطق المستهدفة، يعبر عن رغبة وإرادة رئيس وزراء العدو المجرم نتنياهو بتصعيد الحرب تعزيزاً لواقعه السياسي الداخلي، وخدمة لأهدافه الانتخابية وإرضاء لليمين المتطرف".
وفق حلّال، لا يمكن القول إن إسرائيل أعلنت نطاقاً أمنياً جديداً. لكن تكرار الاستهداف خارج "الخط الأصفر" قد يعني أنها بدأت في تكريسه ميدانياً بالنار، بحيث يصبح نطاق الحركة الإسرائيلية أوسع من الحدود الجغرافية المعلنة للمنطقة الأمنية. ويرى حلّال أن إسرائيل "لم تعلن رسمياً توسيع نطاق أمني جديد، لكنها قد تكون بدأت في بنائه بالنار". وهذا، برأيه، أكثر ذكاءً من الإعلان المباشر، لأنه يتيح لها لاحقاً القول "نحن لا نحتل أرضاً جديدة، نحن نعمل ضد تهديدات عسكرية حيثما ظهرت".
عليّ الطاهر... من نقطة عسكرية إلى ورقة تفاوضية
تحولت تلة عليّ الطاهر إلى واحدة من أبرز نقاط الخلاف في مسار المفاوضات اللبنانية ـ الإسرائيلية. وتتجه الأنظار إليها بصورة متزايدة، بسبب أهميتها الاستراتيجية والعسكرية، مقارنة بقلعة الشقيف التي احتلتها إسرائيل أواخر أيار الماضي.
وتتعرض التلة لمحاولات تقدم إسرائيلية متكررة، بالتزامن مع القصف المدفعي والغارات الجوية، في إطار العدوان المتواصل على لبنان منذ الثاني من آذار الماضي.
لكن أهمية عليّ الطاهر لا تتوقف عند موقعها العسكري. فكلما ارتفع مستوى الضغط حولها، تحولت التلة أكثر فأكثر من نقطة جغرافية إلى ورقة في معادلة أوسع، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع التفاوضية والسياسية.
ومن هنا، يقرأ حلّال ما يجري باعتباره احتمال انتقال من "الخط الأصفر" إلى إدارة العمق، أي محاولة إبعاد مصدر التهديد عن الحدود، من دون تحمل كلفة احتلال هذا العمق برياً.
من "الخط الأصفر" إلى "خط أحمر متحرك"
يستشهد حلاّل بأفكار خبراء عسكريين، فيقول إنه "من منظور كلاوزفيتز (الخبير الإستراتيجي العسكري البروسي)، وليدل هارت (المؤرخ والمفكر العسكري والاستراتيجي البريطاني)، وسون تزو (الجنرال العسكري والفيلسوف الصيني)، يمكن قراءة هذا المسار باعتباره انتقالاً من الدفاع عن خط أمني ثابت إلى إدارة مجال أمني أوسع؛ أي أن تصبح المسافة بين الحدود ومصدر التهديد جزءاً من الحساب العسكري، من دون أن تستلزم بالضرورة سيطرة برية دائمة".
وهنا يتغير السؤال: هل تحاول إسرائيل نقل "الخط الأصفر" من كونه خطاً جغرافياً محدداً إلى "خط أحمر متحرك"، تحدده وفقاً لقدرتها على الاستهداف وتقديرها لمصادر التهديد؟
إذا تكرر هذا النمط من الضربات باتجاه أنصار، دير الزهراني، حبوش، النبطية الفوقا، زوطر وعلي الطاهر، فإن الأمر لن يعود مجرد تصعيد عسكري متقطع. عندها نكون أمام محاولة لإعادة هندسة المجال الأمني في جنوب لبنان، بحيث لا تعود الحدود الأمنية مطابقة بالضرورة للحدود الجغرافية.
وهذه، وفق حلّال، قد تكون المسألة الاستراتيجية الأخطر في المرحلة المقبلة: أن يتحول ما هو ميداني ومؤقت إلى معادلة أمنية جديدة، تُفرض بالنار قبل أن تُناقش على طاولة المفاوضات.
"وظيفة" علي الطاهر أهم من احتلالها؟
لا يستبعد حلّال أن تتحول تلة عليّ الطاهر ومحيطها إلى "منطقة خطر أمني متكرر" حتى موعد الانتخابات الإسرائيلية في 27 تشرين الأول 2026، من دون أن يعني ذلك بالضرورة استمرار القصف اليومي أو السعي إلى احتلال التلة بصورة دائمة.
ويستند حلّال هنا إلى منطق كلاوزفيتز: الحرب ليست هدفاً بذاتها، والقوة العسكرية وسيلة لتحقيق غاية سياسية. ومن هذه الزاوية، قد لا تكون إسرائيل معنية بـ"معركة عليّ الطاهر" بقدر ما هي معنية بـِ "وظيفة عليّ الطاهر".
ما هذه الوظيفة؟ أن تكون نقطة ضغط عسكري، وورقة في المفاوضات، ومصدراً لتهديد مستمر لـِ "حزب الله"، وأداة لإثبات قدرة إسرائيل على الوصول إلى العمق، ووسيلة لتثبيت تصور إسرائيلي جديد للمنطقة الأمنية.
لذلك، قد يكون إبقاء عليّ الطاهر ومحيطها تحت التهديد أكثر فائدة سياسياً من احتلالها. والأرجح، وفق حلّال، أن يتم ذلك من خلال ما يمكن وصفه بـِ "النبضات العسكرية": هدوء نسبي، ثم استطلاع أو معلومة استخبارية، يعقبها حادث أو ضربة محدودة، ثم رسالة ردع، قبل العودة إلى الهدوء وتكرار الدورة.
هذا النمط يحقق لإسرائيل أهدافاً متوازية: عسكرياً، منع إعادة بناء القدرات والضغط على حرية الحركة، واستراتيجياً، إبقاء العمق الجنوبي في حالة من عدم اليقين، وسياسياً، الاحتفاظ بورقة أمنية قابلة للاستخدام في المفاوضات وفي البيئة الداخلية الإسرائيلية وصولاً إلى الانتخابات.
والأهم أن إسرائيل قد تسعى، قبل 27 تشرين الأول، إلى تكريس فكرة أن التلة ومحيطها يقعان ضمن مجال الأمن الإسرائيلي الذي تحتفظ إسرائيل لنفسها بحق العمل داخله. وهكذا، قد لا يكون الهدف الإسرائيلي السيطرة الدائمة على علي الطاهر، بل تحويلها إلى مساحة نفوذ أمني متحرك، منطقة لا تحتاج إسرائيل إلى احتلالها ما دامت قادرة على إبقائها تحت التهديد، واستخدامها عند الحاجة كأداة عسكرية وتفاوضية وسياسية.
وفي حال امتد هذا النمط من علي الطاهر إلى النبطية الفوقا ودير الزهراني وأنصار وحبوش، فإن ما يجري لن يعود مجرد عمليات ردعية متفرقة، بل محاولة لإعادة رسم المجال الأمني للجنوب اللبناني بالنار، قبل أن يُعاد رسمه على طاولة المفاوضات.
نغم ربيع - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|