الصحافة

بعلبك - الهرمل خلف الجدران: أبناء وآباء ضحايا سموم الترويج

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لم تعد الحكايات داخل منازل بعلبك- الهرمل تُروى علانية، بل باتت تُسدَل عليها الستائر وتُوصد دونها الأبواب.

خلف هدوء القرى المتناثرة على امتداد السهل والحدود، لا تدور الحسرة اليوم حول الفقر والمرارة المعيشية الفاقعة فحسب، بل حول حرب صامتة خبيثة تقتحم البيوت بلا استئذان: أصناف متعددة من المخدرات والمهدئات يروّج لها تجار الموت بلا ضمير، ليتحول معها أبناء وبنات ضحايا إدمان، وتبقى عائلات كاملة وحيدة في مواجهة الانهيار.

والمفارقة الأشدّ إيلاماً أن أبناء المنطقة أنفسهم هم أول من دفع الثمن باهظاً من حياتهم وصحتهم ومستقبلهم، جراء ما صنعته وروّجته أيدٍ محلية.

في منزل قديم في أحد الأحياء الشعبية البعلبكية، تجلس فاطمة.ع. (51 عاماً) متطلعة إلى زوايا الغرفة الفارغة. تروي بتأثر كيف تحول ابنها الأوسط، البالغ 19 عاماً، شخصاً آخر في غضون سنة فقط.

تقول إن القصة بدأت بتغيرات بسيطة في سلوكه، من سهر طويل وعدوانية غير مبررة وغياب مستمر عن البيت، وحين اكتشفت العائلة أنه يتعاطى الكبتاغون - بشقيها السليم والمغشوش المتوافر محلياً بأسعار مختلفة- إلى جانب الحشيشة يومياً، كان الوقت قد فات.

بدأ يبيع أثاث المنزل ومقتنياته لتوفير ثمن الجرعة التي يرسلها التاجر عبر أطفال على دراجات نارية، فيما تجد الأم المسنة نفسها مجبرة أحياناً على إغلاق الباب عليه بالمفتاح خشية أن يؤذي نفسه أو أشقاءه، في ظل عجز مالي عن نقله إلى المستشفى.

شهادات معاناة

في شهادة تعكس امتداد الأزمة إلى كبار السن، يكشف بيار.ح. (38 عاماً) مرارة المعاناة مع والده السبعيني الذي وقع في فخ تعاطي الحشيشة يوميا، يوضح الابن بأسى كيف تحولت سيجارة الحشيشة إلى قيد يلاحق والده المسن، حيث استغل المروجون وضع الصحي والمادي لابتزازه وتأمينها له بأسعار مضاعفة، حتى وجدت العائلة نفسها في مواجهة صدمة إدمان الأب وعجزها عن توفير الرعاية الطبية أو المصحات المتخصصة لمراعاة سنّه وحالته الحرجتين.

وفي شهادة أخرى من الهرمل، يروي أبو محمد ( 59عاماً) مرارة العجز وهو يرى ابنه في الـ25 يغرق في شبكة التعاطي.

يشير بأسى الى أنه فيما كان ينتظر في هذه السن مساندة أبنائه، إذا به يركض خلف المحاكم والجمعيات لتخليص ابنه من براثن تجار الموت، إذ لم يعد التعاطي محصوراً بنوع واحد، بل يشمل الحشيشة المتوافرة والكبتاغون على اختلاف درجاتها.

ولم يعد الإدمان في البقاع الشمالي حكراً على الشبان، إذ استحدث المروجون منافذ جديدة تستهدف الفتيات والمراهقات بين 16 و22 عاماً، مستغلين قضايا الدراسة، والنحافة، والضغوط النفسية.

"تجنيد" وابتزاز

تروي جانيت ع. من دير الأحمر (44 عاماً)، تجربة ابنتها ذات الـ18عاماً، والتي بدأت حين كانت في السابعة عشرة تشتكي من صعوبة التركيز والإرهاق، فنصحتها إحدى زميلاتها بتناول حبوب ملونة زُعم أنها تزيد التركيز وسد الشهية.

واتضح لاحقاً أنها حبوب كبتاغون ومهدئات عصبية تُباع سراً بأسعار زهيدة أمام المدارس، لتبدأ معها رحلة من نوبات الغضب والانهيار الأسري، وسط خوف العائلة من الفضيحة والوصمة الاجتماعية.

ويكشف جورج أ. مرارة المعاناة مع ابنته القاصر البالغة 16 عاماً، التي وقعت في فخ شبكة منحتها الحبوب وسجائر الحشيشة مجاناً في البداية، وعندما عجزت عن الدفع بدأ المروج بابتزازها مهدداً بنشر صورها أو إبلاغ العائلة، إن لم "تجنّد" صديقاتها أو تعمل في نقل الأكياس الصغيرة بين البيوت لتضليل الحواجز الأمنية.

تجسد البيانات الميدانية الصادرة عن الجمعيات الأهلية والمتابعات القضائية، التحول الخطير الذي تشهده بعلبك- الهرمل كحال بقية المحافظات.
فقد ارتفعت نسبة إدمان الفتيات والنساء في المنطقة من أقل من 2% لتصل إلى ما بين 8 و10%، وهي نسبة وإن كانت تُظهر تحفظاً اجتماعياً غير أنها تشير إلى اتساع غير مسبوق في دائرة الاستهداف.

 كذلك تراجعت مستويات سن بداية التعاطي، لتتركز غالبية الحالات في الفئة العمرية الشابة ما بين 16 و22 عاماً، مع تنوع المواد المستهلكة من الكبتاغون إلى الحشيشة والمهدئات العصبية، في حين تضاعف عدد المتعاطين في المحافظة 3 إلى 4 أضعاف مقارنة بالسنوات الماضية.

 وفي ظل غلاء أكلاف التأهيل وتجاوزها 1500 إلى 3 آلاف دولار شهرياً، يعجز أكثر من 70% من العائلات عن العلاج، بينما يفضل أكثر من 80% من أسر الفتيات والشباب خيار الاحتجاز القسري داخل المنازل، خوفاً من الوصمة الاجتماعية.

تتداخل عوامل عدة لتفرض تفاقم هذه الآفة، أبرزها فائض الإنتاج المحلي وتوافر مختلف أنواع المخدرات وانخفاض الأسعار نتيجة تراجع خطوط التهريب الخارجي، رغم الجهود الحثيثة التي تبذلها القوى الأمنية للحد منها، وتنفيذ حملات مستمرة تشمل إتلاف الشحنات والمزروعات المخدرة، وملاحقة رؤوس العصابات والتجار، وتضييق الخناق على المروجين.

وإلى ارتفاع معدلات التعاطي، تتضاعف المأساة الإنسانية عند الأهل الذين يعانون مرارة الرقابة والعجز أمام تدهور حالة أبنائهم النفسية والصحية.

تعقيد قانوني

وتزداد المأساة تعقيداً على الصعيد الحقوقي والقانوني، إذ ينص التشريع اللبناني في المادة 183 من قانون المخدرات على إعطاء المتعاطي الحق في العلاج والرعاية الطبية كبديل من العقوبة السجنية. لكن غياب أي مركز طبي مجاني متخصص في نطاق البقاع الشمالي، يعطل هذا الحق، ما يجبر الجهات القضائية والأمنية على سوق عشرات الشباب إلى السجون المكتظة، ليتحول المتعاطي من مريض يحتاج التأهيل إلى سجين في بيئة تزيد تعقيد حالته النفسية والسلوكية.

ورغم وجود مساعٍ سابقة لتدارك الأمر وأبرزها اقتراح لأحد نواب المنطقة اقترن بجهد لإقامة مركز متخصص لعلاج الإدمان في بلدة شعث، توقف المشروع جراء الحرب الأخيرة.

وحتى في حال صوغ حلول واستحداث مراكز علاجية -وإن كانت إقامتها اليوم شبه مستحيلة- فإن القدرة الاستيعابية لتلك المراكز، مقارنة بأعداد المتعاطين المتصاعدة، ستظل قاصرة وعاجزة عن استيعاب حجم الكارثة.
تجمع شهادات الأسر المعنية على أن حل هذه الكارثة لم يعد يتحمل تغاضياً، بل يتطلب توفير مراكز علاجية وتأهيلية حكومية مجانية تعيد الشباب والفتيات إلى عائلاتهم، وتوفر الدعم النفسي والاجتماعي لذويهم.

من هنا يبرز نداء ميداني وحقوقي عاجل مباشر إلى وزارتي الصحة العامة والشؤون الاجتماعية، والمنظمات الإنسانية والطبية الدولية، للإسراع في فتح أول قسم حكومي في المحافظة مجهز مجاناً لسحب السموم، وتوفير الدعم النفسي لوقف هذا النزف اليومي وإنقاذ ما تبقى من أسر المنطقة وأبنائها.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا