بالفيديو - طفلة زارت نبيه برّي في عين التينة : "إن شالله بيرجع عمرك 20 سنة"
أميركيون – لبنانيون لحكومتهم: توقفوا عن دعم إسرائيل
بالنسبة إلى عائلات لبنانية كثيرة تحمل الجنسية الأميركية، لم تكن الحرب في جنوب لبنان حدثاً يجري بعيداً. فالحرب طالتها وإن من بعد، واستهدفت أرزاقها وممتلكاتها. منازل بنتها العائلات على مدى عقود، وأراضٍ انتقلت ملكيتها من جيل إلى آخر، وقرى بقيت صلة مادية وعاطفية بين أفراد الجالية وبلد الأجداد، تحولت إلى أنقاض.
تكمن المفارقة أن أصحاب هذه الممتلكات يعيشون اليوم في الولايات المتحدة، ويحملون جنسيتها، فيما تم تدمير منازلهم في لبنان خلال عمليات عسكرية نفذها الجيش الإسرائيلي، حليف واشنطن، وباستخدام أسلحة ومعدات أميركية الصنع أو أميركية المصدر. ومن هنا، انتقلت القضية من الجنوب اللبناني إلى الولايات المتحدة حيث لجأ عدد من أبناء الجالية اللبنانية إلى القضاء الأميركي ورفعوا دعوى من خلال «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية (ACRL) «لمطالبة الحكومة الأميركية والشركات الأميركية بالتعويض عن ممتلكاتهم التي دمرت.
في ديربورن بولاية ميشيغان، حيث تشكل الجالية العربية واحدة من أكبر التجمعات العربية في الولايات المتحدة، يشرح ناصر بيضون، رئيس «الرابطة العربية الأميركية للحقوق المدنية» لـ «الأخبار» إن «المنظمة معنية بالدفاع عن حقوق العرب والمسلمين في الولايات المتحدة»، ويذكّر بأنها كانت «المنظمة الأولى التي خاضت معركة قضائية ضد حظر السفر الذي فرضته إدارة دونالد ترامب الأولى على مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة وفازت بها». ويشدد بيضون أن على «الحكومة الأميركية واجب حماية مصالح المواطنين الأميركيين .«
ولا تزال الصورة الكاملة لحجم الأضرار التي لحقت بالممتلكات المملوكة لأميركيين غير متوافرة بصورة نهائية. ويقدّر بيضون أن «عدد المنازل التي يملكها مواطنون أميركيون في بنت جبيل وحدها قد يتراوح بين 500 وألف منزل». لكنه يؤكد عدم وجود رقم نهائي حتى الآن لعدد المنازل التي دمرت بالكامل أو تضررت جزئياً، معتبراً أن تحديد الأرقام الدقيقة يقع في نهاية المطاف على عاتق الحكومة اللبنانية.
ويقف خلف الدعوى التي قدمت منذ يومين نحو 180 عائلة تمتد روابطها بلبنان عبر أجيال متعاقبة. ويتوقع بيضون أن يرتفع هذا العدد مع تقدم القضية وتواصل عائلات لبنانية-أميركية أخرى مع المنظمة لتوثيق الأضرار التي لحقت بممتلكاتها.
الأساس القانوني للدعوى
تستند الدعوى إلى ما يُعرف بـ«قانون ليهي «(Leahy Law)، الذي يحظر على الحكومة الأميركية وتحديدًا على وزارتي الخارجية والدفاع تقديم المساعدات العسكرية أو التدريب إلى وحدات من قوات الأمن الأجنبية عندما تتوافر معلومات موثوقة تفيد بارتكابها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.
ويقول المحامي نبيه عيّاد، مؤسس «رابطة الحقوق المدنية للعرب الأميركيين» والذي يتولى القضية، إن الدعوى «فريدة من نوعها لأنها تطعن في قرار المسؤولين الأميركيين أنفسهم بمواصلة تقديم الدعم لإسرائيل رغم الشكاوى والمعلومات المتوافرة لديهم عن انتهاكاتها الفاضحة لحقوق الإنسان وبما يتعارض مع نص القانون الأميركي.«
ويضيف أن وزارة الخارجية الأميركية «تلقت مئات الشكاوى المتعلقة بانتهاكات منسوبة إلى إسرائيل، من دون أن تؤدي هذه الشكاوى إلى وقف الخدمات أو المساعدات، فيما سبق للولايات المتحدة أن علّقت مساعدات وخدمات عن وحدات وأجهزة أمنية في دول أخرى آلاف المرات عندما توافرت معلومات عن انتهاكات جسيمة«.
بذلك، لا تحاول الدعوى فقط إثبات وقوع أضرار في لبنان، بل تسعى إلى نقل النقاش إلى مستوى آخر وهو حول إخفاق الإدارة الأميركية عمداً في تطبيق قانون وضعه الكونغرس تحديداً لمنع استخدام الموارد الأميركية في دعم جهات يُشتبه بارتكابها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان. ورغم أن القضية لا تستند إلى سابقة قضائية مماثلة، فإن غياب السابقة لا يعني، في نظر عيّاد، انعدام إمكانية النجاح. ويستحضر في هذا الإطار تجربة سابقة للرابطة نفسها، «التي كانت المنظمة الأولى التي نجحت في الطعن قضائياً في قرار حظر السفر الذي فرضته إدارة دونالد ترامب الأولى على مواطني عدد من الدول ذات الغالبية المسلمة.«
أما بيضون، فيقول إن «لدى المنظمة ما يكفي من الأدلة لإثبات أن الجيش الإسرائيلي ارتكب انتهاكات لحقوق الإنسان تندرج، ضمن نطاق هذا القانون، وإن استمرار المساعدات الأميركية لإسرائيل يطرح بالتالي أسئلة قانونية جدية.«
لكن الاستناد إلى «قانون ليهي» لا يشكل سوى جزء من المعركة القانونية. فقبل أن تبحث المحكمة في هذه الادعاءات، سيكون على أصحاب الدعوى أولاً تجاوز السؤال الأساسي: هل تملك المحكمة الأميركية أصلاً صلاحية النظر في هذه القضية؟
يوضح بيضون أن «هذه القضية هي الأولى من نوعها ولا يوجد سوابق قانونية مشابهة»، مضيفاً أنها «ستكون أيضاً أول دعوى يتواجه فيها مواطنون أميركيون مع شركات أميركية على خلفية توريد القنابل والجرافات والذخائر التي استُخدمت في تدمير منازلهم» في لبنان. ويعتبر أن «العقبة الأولى ستكون في أن تقبل المحكمة النظر في القضية.«
من جانبه يشرح عيّاد أن المواطنين الأميركيين يدفعون ضرائب تمول الحكومة الفدرالية، بينما تستخدم الحكومة جزءاً من مواردها في تقديم الدعم العسكري لإسرائيل، ثم تُستخدم أسلحة ومعدات أميركية في عمليات تؤدي إلى تدمير ممتلكات يملكها مواطنون أميركيون في لبنان. لذلك يرى عيّاد أن مكان المنزل لا ينبغي أن يكون العامل الحاسم في تحديد حقوق صاحبه.
وهذه الحجة، إذا وصلت إلى مرحلة المحاكمة، يمكن أن تفتح باباً قانونياً بالغ الحساسية، لأنها تضع أمام القضاء سؤالاً يتجاوز لبنان وإسرائيل: ما حدود مسؤولية الحكومة الأميركية تجاه مواطنيها عندما تتسبب سياساتها الخارجية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في أضرار لممتلكاتهم في الخارج؟
إذا اعترفت المحاكم الأميركية بإمكانية لجوء المواطنين الأميركيين إلى القضاء للمطالبة بتعويضات من الحكومة الأميركية عن ممتلكات دمرها جيش حليف خلال عملية عسكرية تستخدم أسلحة أميركية، فإن تداعيات ذلك قد تتجاوز لبنان بكثير. وقد تجادل الحكومة الأميركية بأن قبول هذا النوع من الدعاوى يمكن أن يعرّض الولايات المتحدة لمسؤوليات مالية ضخمة كلما تعرضت ممتلكات مواطنين أميركيين في الخارج للدمار خلال عمليات عسكرية تنفذها جيوش أجنبية وتحظى بدعم أميركي.
بمعنى آخر، لا تتعلق القضية فقط بنحو 180 عائلة، ولا حتى بلبنان وحده. فهي تطرح سؤالاً أوسع بكثير حول الحدود الفاصلة بين السياسة الخارجية الأميركية وبين الحقوق القانونية للمواطنين الأميركيين الذين يملكون عقارات أو استثمارات أو ممتلكات في الخارج.
شركات السلاح... متهمة
الشق الآخر من الدعوى أكثر إثارة للجدل ويطال الشركات الأميركية المصنعة للأسلحة والمعدات العسكرية. وللمرة الأولى، وفق عيّاد، تستهدف الدعوى شركات مثل «بوينغ» و«لوكهيد مارتن» و«كاتربيلر»، باعتبار أن منتجاتها استُخدمت في عمليات أدت إلى تدمير منازل أميركيين في جنوب لبنان. ويستند المدعون، بحسب عيّاد، إلى مبادئ قانونية أميركية تتعلق بمسؤولية الشركات الأميركية عندما تكون على علم بأن منتجاتها تُستخدم بطريقة تؤذي أشخاصاً أو تنتهك حقوقهم.
ويشير عيّاد إلى حالة صندوق التقاعد الحكومي النرويجي، الذي سحب استثماراته من شركة «كاتربيلر» عام 2024 بسبب مخاطر استخدام الجيش الإسرائيلي لمعدات وجرافات الشركة في هدم المنازل والانتهاكات في غزة والضفة الغربية. وبالنسبة إليه، فإن أهمية هذه السابقة تكمن في معرفة الشركة بطريقة استخدام منتجاتها.
لا تقتصر مطالب الدعوى، وفق عيّاد، على وقف الدعم العسكري. إذ تطالب الرابطة أولاً بوقف الدعم والخدمات المقدمة إلى الجيش الإسرائيلي إلى حين الحصول على ضمانات، بحسب وصفه، بأن هذه الموارد لن تستخدم في ارتكاب انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في لبنان. كما تطالب بتعويضات مالية عن المنازل التي دمرت، وعن الأضرار التي لحقت بالأشخاص الذين مُنعوا من العودة إلى ممتلكاتهم.
أما في مواجهة الشركات، فتسعى الدعوى إلى منع استخدام منتجاتها في أفعال تصفها الرابطة بأنها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في جنوب لبنان. وهنا تتحول القضية من محاولة للحصول على تعويض عن بيوت مهدمة إلى محاولة لوضع شروط قانونية على استمرار العلاقة بين المال الأميركي والسلاح الأميركي والعمليات العسكرية الإسرائيلية.
ويتوقع عيّاد وبيضون أن تسعى الحكومة الأميركية إلى إسقاط الدعوى قبل أن تصل إلى مرحلة النظر في جوهرها. فالولايات المتحدة وفقاً لهما، يرجح أن تدفع بأن القضية تتصل مباشرة بالسياسة الخارجية، وأن القضاء لا يملك صلاحية التدخل في قرارات تتعلق بإدارة الحرب والتحالفات الدولية.
وإذا قبل القضاء مبدأ أن الحكومة الأميركية يمكن أن تكون مسؤولة عن كل خسارة تلحق بممتلكات مواطن أميركي نتيجة عملية عسكرية تنفذها دولة حليفة في الخارج، فإن نطاق المسؤولية قد يصبح واسعاً للغاية، وقد يفتح الباب أمام دعاوى تتعلق بعمليات عسكرية أميركية أو أجنبية في دول عدة. لكن أصحاب الدعوى يعتقدون أن هذه الحجة لا تنهي المسألة، لأنهم لا يطلبون من المحكمة أن تدير السياسة الخارجية الأميركية، بل أن تلزم السلطة التنفيذية باحترام قانون أقره الكونغرس.
رضا صوايا -الاخبار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|