الصحافة

كرم ينسحب من المفاوضات: ماذا يجري في واشنطن؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في واشنطن، يتقابل رجلان وجهاً لوجه حول طاولة واحدة. الأول هو السفير اللبناني السابق سيمون كرم، يفتح أمامه ملفاً سميكاً مثقلاً بالخرائط والوقائع والإحداثيات. والثاني رئيس الوفد الإسرائيلي، يحاول باستمرار دفع النقاش بعيداً من التفاصيل الميدانية، نحو عناوين سياسية فضفاضة لا تُرتّب التزامات واضحة على أحد. وبين الرجلين، يجلس وسيط أميركي يبتسم، ويؤكد أن الأجواء "بنّاءة". هذا المشهد، بتفاصيله شبه الثابتة، يتكرر منذ أشهر. لكن خلف هذا الإطار "البروتوكولي"، كان كرم قد حسم خياره: طلب إعفاءه من رئاسة الوفد اللبناني المفاوض.

القرار لم يُعلَن رسمياً بعد، ولا تزال تقابله رسائل تمنّ رئاسية واضحة بالبقاء، عبّر عنها الرئيس جوزاف عون أكثر من مرة. الا أن أروقة الدولة بدأت عملياً تتعامل معه كأمر واقع، إذ يجري التداول فعلياً بعدد قليل من السير الذاتية لخَلَف محتمل. ودلالة المواصفات المطلوبة لا تقل أهمية عن القرار: شخصية وثيقة الصلة ببعبدا، منسجمة بصورة مباشرة مع توجهات الرئاسة، وتملك خبرة طويلة في العمل الدبلوماسي والتفاوضي، وتحديداً في واشنطن. ذلك أن المرحلة المقبلة ستحمل استحقاقاً مصيرياً بكل ما للكلمة من معنى. خلف أبواب الدبلوماسية وقفازاتها، سؤال يجول على شفاه أكثر من مسؤول: ما الذي دفع دبلوماسياً بحنكة سيمون كرم، وببرودة أعصابه المعروفة، وبحساباته بعيدة المدى، إلى إلقاء المنشفة؟..

التقييم الذي حمله كرم إلى بعبدا كان صريحا ويؤكد أن لا وجود لمفاوضات حقيقية، بل إدارة إسرائيلية ممنهجة للوقت. فتل أبيب لا تبدو اليوم في وارد التوصل إلى اتفاق دائم لوقف إطلاق النار أو الانسحاب الكامل، وفقاً للثوابت اللبنانية التي ينقلها كرم مباشرة عن الرئيس عون. ما تريده حكومة تخوض استحقاقاً انتخابياً هو الإبقاء على الجبهة اللبنانية ورقة ضغط، داخلياً وخارجياً في آن.

وكلما اقترب النقاش من وضع جدول زمني للانسحاب من النقاط الخمس المحتلة ونشر الجيش اللبناني، سارع الوفد الإسرائيلي إلى نقل البحث إلى مربع "الترتيبات الأمنية الأشمل" و"الضمانات طويلة الأمد". بالنسبة إلى كرم، هذه مراوغة تفاوضية كلاسيكية، يعرفها جيداً من تاريخ التفاوض العربي الإسرائيلي. والأميركيون يدركون ذلك تماماً، لكنهم يغطّونه بخطاب متفائل حول فرص السلام، لأنهم بدورهم يحتاجون إلى إبقاء مسارين مفتوحين في الوقت نفسه: مسار للتهدئة في لبنان، ومسار لتفاهم أوسع مع إيران.

والنتيجة أن الوفد اللبناني وجد نفسه، عملياً، يفاوض فراغاً. وكرم، الذي نجح أكثر من مرة في إحراج نظيره الإسرائيلي بصلابة حججه القانونية والميدانية، أدرك أن دوره أخذ ينزلق تدريجياً من موقع المفاوض إلى موقع مدير أزمة بلا أفق سياسي واضح. فالدبلوماسي الذي لا يناضل من أجل التوصل إلى اتفاق، بل يكتفي بمحاولة الحؤول من دون انهيار المحادثات، محكوم عليه بالاستنزاف. أما العامل الثاني أو ربما الدافع الى اتخاذا القرار، فلا يقل وزناً عن الأول، وهو لبناني داخلي بامتياز. فبحسب الأعراف الدبلوماسية، يتمتع رئيس الوفد المفاوض المكلّف من رئيس الجمهورية بصلاحيات استثنائية تتجاوز الإطار التقليدي للسفارة، ويتقدّم دوره على أي تمثيل دبلوماسي قائم في واشنطن، في ما يتصل بهذا الملف تحديداً. غير أن مسار التفاوض في واشنطن لم يخلُ من تباينٍ في المقاربات داخل الفريق اللبناني، سرعان ما انعكس على العلاقة بين كرم وسفيرة لبنان في العاصمة الأميركية ندى حمادة.

كرم، ابن المدرسة الدبلوماسية الكلاسيكية التي تقدّر السرية، وتضع العمل الهادئ بعيداً عن الأضواء في صلب أدواتها، وجد نفسه أمام مقاربة مختلفة جذرياً، ترى في كل جولة تفاوضية مناسبة للحضور الإعلامي واستقطاب الأضواء. وتتحدث مصادر مواكبة عن استياء واضح من هذا النهج، لا لاعتبارات شخصية، بل لأن تضارب الرسائل الصادرة من واشنطن يضعف الموقف التفاوضي اللبناني.

فعندما يلمس الأميركي والإسرائيلي أن الجانب اللبناني يتحدث بأكثر من لغة، تتسع مساحة المناورة أمام الطرف الآخر، وتصبح المراوغة أكثر جدوى. أما الرجل الذي بنى سمعته على الانضباط ووحدة الرسالة، فيرفض أن يكون جزءاً من مشهد تفتقد فيه الدولة إلى وضوح الموقف وتماسكه.

تبحث بعبدا اليوم عن خَلَف بمواصفات تكاد تكون متعذرة: ثقل سيمون كرم، وقربه من الرئيس، وصلابته في مواجهة الأميركي والإسرائيلي معاً، ولكن مع قدرة أكبر على تحمّل مسار تفاوضي طويل يستنزف الوقت والأعصاب.
والمشكلة أن المهمة التي تنتظر الخَلَف تبدو أكثر تعقيداً بكثير مما كانت عليه حتى الآن. فما بعد وقف النار، مسار سياسي بامتياز: تفاوض على انسحاب فعلي، وعلى صيغة جديدة للقوة الدولية في الجنوب، وعلى ضمانات أميركية، وكل ذلك في ظل حكومة إسرائيلية تسعى إلى كسب الوقت وترحيل الاستحقاقات إلى ما بعد الانتخابات.ةوطلب إعفائه ليس هروباً من المواجهة، بقدر ما هو تشخيص لمأزق تفاوضي بات واضح المعالم. فهو يقول للدولة، بطريقته الخاصة: لا يمكن خوض مفاوضات مصيرية بأدوات مجتزأة، أمام خصم لا يبدو أنه يسعى، في هذه المرحلة، إلى التوصل إلى اتفاق أصلاً.

علاء الخوري -ليبانون فايلز

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا