تطورات الميدان تهدد استئناف المفاوضات.. ومساعٍ مكثفة للتهدئة
كيف تحوّل الجفاف إلى أزمة تهدد الاقتصاد الأوروبي... وهل تصل ارتداداته إلى لبنان؟
لم يعد ارتفاع درجات الحرارة في أوروبا مجرد ظاهرة مناخية أو قضية بيئية، بل بات يشكل تحدياً اقتصادياً متصاعداً يطال مختلف القطاعات الحيوية. فمع استمرار موجات الحر والجفاف، انخفضت مناسيب المياه في نهري الراين والدانوب، وهما من أهم الشرايين المائية في القارة الأوروبية، لتظهر تداعيات تتجاوز البيئة والزراعة، وتمتد إلى النقل والتجارة والصناعة والطاقة، وصولاً إلى الأسواق العالمية والدول المستوردة، ومنها لبنان.
ويُعد نهر الراين، الذي يمتد لنحو 1230 كيلومتراً من جبال الألب السويسرية إلى بحر الشمال، أهم ممر ملاحي في أوروبا الغربية، إذ تنقل عبره سنوياً قرابة 300 مليون طن من البضائع (الإحصائيات الرسمية تشير إلى نحو 285 مليون طن وفقاً لمركز الراين للملاحة)، تشمل الفحم والحديد الخام والمنتجات الكيميائية والمشتقات النفطية والحبوب والحاويات.
أما الدانوب، ثاني أطول أنهار أوروبا بطول يقارب 2850 كيلومتراً، فيعبر عشر دول أوروبية ويربط وسط القارة بشرقها وصولاً إلى البحر الأسود، ما يجعله شرياناً أساسياً للتجارة الأوروبية الداخلية.
لكن عندما ينخفض منسوب المياه، تبدأ سلسلة من التداعيات الاقتصادية. فالسفن لم تعد قادرة على تحميل كامل حمولتها، واضطرت خلال بعض فترات الجفاف إلى الإبحار بأقل من 25% من قدرتها الاستيعابية في بعض مقاطع الراين. وفي حالات أخرى، توقفت الملاحة موقتاً في مناطق ضحلة، ما أدى إلى اختناقات في حركة نقل البضائع.
وتشير بيانات رسمية ألمانية -نظام NIWIS - إلى أن 44% من محطات قياس المياه على الراين و78% من محطات القياس على الدانوب سجلت مستويات منخفضة خلال موجات الحر الأخيرة (نهاية تموز 2026)، الأمر الذي أثّر مباشرة على حركة الملاحة والنقل النهري.
ولا يقف الأمر عند تأخير السفن، إذ تؤكد دراسة أجراها بنك ABN AMRO تستشهد بها منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD أن 30 يوماً فقط من انخفاض منسوب الراين إلى ما دون المستوى الحرج يؤدي إلى تراجع حركة نقل البضائع بنحو 24% خلال الشهرين التاليين. كما تؤكد دراسة معهد كيل الاقتصادي (Kiel Institute) أن استمرار الأزمة لمدة شهر قد يؤدي إلى خفض الإنتاج الصناعي الألماني بنحو 1%، أي ما يعادل قرابة 0.3% من الناتج المحلي الإجمالي لألمانيا، بخسائر تتجاوز 15 مليار دولار (وفق أسعار عام 2021).
النقل... أول المتضررين
يعتمد جزء كبير من الاقتصاد الأوروبي على النقل النهري لأنه أقل كلفة وأكثر كفاءة في نقل البضائع الثقيلة. وعندما تتراجع قدرة السفن على الإبحار، تضطر الشركات إلى استخدام الشاحنات أو القطارات، ما يرفع كلفة النقل بشكل كبير، ويؤخر وصول المواد الأولية والسلع إلى المصانع والأسواق، ويؤدي في النهاية إلى ارتفاع الأسعار.
الصناعة... سلاسل إنتاج مهددة
تعتمد مصانع الصلب والكيماويات والسيارات في ألمانيا وهولندا وبلجيكا وسويسرا على نهر الراين لنقل المواد الخام والوقود. ومع تعطل الملاحة، ترتفع تكاليف الإنتاج، وتتراجع القدرة التنافسية للصناعات الأوروبية، وقد تضطر بعض المصانع إلى تقليص الإنتاج أو تأجيل عمليات التسليم.
ولا يقتصر التأثير على الشركات الأوروبية، بل يمتد إلى الأسواق العالمية، لأن العديد من هذه المصانع يصدر منتجاته إلى مختلف دول العالم.
الطاقة... تحديات مزدوجة
يضرب الجفاف أيضاً قطاع الطاقة من أكثر من جهة. فالمياه المنخفضة تعيق نقل الفحم والمشتقات النفطية إلى محطات توليد الكهرباء، كما تؤدي إلى انخفاض إنتاج الطاقة الكهرومائية نتيجة تراجع تدفق المياه.
وفي الوقت نفسه، تواجه بعض المحطات النووية والحرارية صعوبة في استخدام مياه الأنهار لتبريد المفاعلات، إذ تفرض القوانين البيئية الأوروبية قيوداً على تشغيلها عندما ترتفع حرارة المياه أو تنخفض كمياتها، حفاظاً على الحياة المائية، ما يؤدي أحياناً إلى خفض إنتاج الكهرباء في فترات يكون فيها الطلب في أعلى مستوياته.
الزراعة... خسائر وإنتاج أقل
الجفاف لا يهدد الملاحة فقط، بل يضرب القطاع الزراعي أيضاً. فارتفاع درجات الحرارة ونقص المياه يؤديان إلى انخفاض إنتاج القمح والذرة والخضراوات، ويزيدان الحاجة إلى الري في وقت تصبح فيه الموارد المائية أكثر ندرة.
ومع تراجع الإنتاج، ترتفع أسعار المواد الغذائية في الأسواق الأوروبية والعالمية، بينما يواجه المزارعون خسائر متزايدة وتضطر الحكومات إلى تقديم المزيد من الدعم.
السياحة النهرية... قطاع آخر يدفع الثمن
السياحة عبر الأنهار تشكل أحد أهم الأنشطة الاقتصادية في أوروبا، حيث تستقطب ملايين السياح سنوياً. لكن انخفاض مناسيب المياه يجبر السفن السياحية على تقليص رحلاتها أو تغيير مساراتها، ما ينعكس سلباً على الفنادق والمطاعم والاقتصادات المحلية في المدن الواقعة على ضفاف الأنهار.
التجارة الأوروبية... خسائر بمليارات اليوروهات
يحذر خبراء الاقتصاد من أن استمرار موجات الجفاف قد يؤدي إلى خسائر سنوية بمليارات اليوروهات. وتشير دراسات أوروبية (أطلس مخاطر الجفاف الأوروبي) إلى أن الجفاف قد يخفض حجم التجارة المتوقع بنسبة تصل إلى 2.5% في عدد من الدول الأوروبية، وقد تبلغ الخسائر 5% في بعض الاقتصادات، فيما يمكن أن تصل إلى 10% في أوروبا الغربية و40% في بعض مناطق وسط وشرق أوروبا خلال فترات الجفاف الشديد، نتيجة تعطل النقل النهري وارتفاع تكاليف الإنتاج والشحن.
ماذا تفعل أوروبا؟
تحاول الحكومات الأوروبية الحد من آثار الأزمة عبر تعميق بعض الممرات المائية، وتحديث أساطيل النقل النهري، وتوسيع شبكات السكك الحديدية، والاستثمار في الطاقة المتجددة، وتحسين إدارة الموارد المائية.
إلا أن معظم الخبراء يؤكدون أن هذه الإجراءات تبقى حلولاً للتكيف مع الأزمة، بينما يبقى الحد من تغير المناخ وتقليص الانبعاثات السبيل الوحيد لمنع تكرار مثل هذه الظواهر مستقبلاً.
و هل يدفع لبنان جزءاً من الفاتورة؟
قد تبدو أزمة انخفاض منسوب المياه في الدانوب والراين بعيدة جغرافياً عن لبنان، لكنها في الواقع ليست كذلك. فلبنان، بحسب مصدر اقتصادي، يعتمد بدرجة كبيرة على استيراد المواد الغذائية والمنتجات الصناعية والآلات والأدوية من أوروبا (بشكل خاص من ألمانيا وإيطاليا وفرنسا)، وأي ارتفاع في كلفة النقل أو تراجع في الإنتاج الأوروبي سينعكس تدريجياً على الأسعار في الأسواق اللبنانية.
وقال المصدر، عبر وكالة "أخبار اليوم"، إذا ارتفعت كلفة الشحن بسبب تعطل الملاحة النهرية، فإن الشركات الأوروبية ستنقل جزءاً من هذه الكلفة إلى المستوردين. وإذا انخفض إنتاج الحبوب أو الزيوت أو المنتجات الصناعية، سترتفع أسعارها عالمياً، ما يضيف أعباء جديدة على الدول المستوردة التي تعاني أصلاً من أزمات اقتصادية ومالية.
واضاف: كما أن أي اضطراب في إنتاج الطاقة أو الصناعات الكيميائية والدوائية الأوروبية قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار المواد الأولية والسلع المصنعة، وهو ما ينعكس بصورة مباشرة على تكلفة الاستيراد في لبنان ودول الشرق الأوسط.
وختم: في عالم مترابط اقتصادياً، لم تعد آثار التغير المناخي تتوقف عند حدود الدولة التي تشهد الأزمة، بل تنتقل بسرعة عبر التجارة وسلاسل الإمداد والأسواق المالية.
عبء اقتصادي في مختلف أنحاء العالم
ولعل أبرز ما تكشفه أزمة الدانوب والراين هو أن التغير المناخي لم يعد قضية تخص البيئة وحدها، بل أصبح عاملاً حاسماً في الاقتصاد العالمي والأمن الغذائي واستقرار الأسواق.
قد لا يشعر اللبناني بانخفاض منسوب مياه نهر الراين أو الدانوب، لكنه قد يلمس أثره في ارتفاع فاتورة الغذاء والدواء والطاقة وكلفة المعيشة.
وهكذا، فإن بضعة أمتار تنخفض في أحد أنهار أوروبا قد تتحول، بعد أسابيع أو أشهر، إلى عبء اقتصادي يطال المستهلكين في مختلف أنحاء العالم، مؤكدة أن معركة مواجهة التغير المناخي لم تعد خياراً، بل ضرورة اقتصادية وإنسانية عالمية.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|