هل يستطيع "الحوثيون" السيطرة على اليمن كله؟
تغيّرت خريطة اليمن خلال ثلاثة أسابيع أكثر مما تغيرت في ثلاث سنوات من التهدئة. يبدو الحوثيون اليوم في موقع من يستطيع أن يأخذ ما يريد: الساحل الغربي، وجزر البحر الأحمر، والإطلالة المباشرة على باب المندب. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانوا قادرين على التقدم، بل ما إذا كانوا قادرين على الاحتفاظ بما يأخذونه وحكمه. والفرق بين الأمرين هو الفرق بين جماعة تحقق اختراقاً عسكرياً وسلطة تحكم بلداً.
ما الذي حدث فعلاً؟
البداية لم تكن في أيلول. ففي 13 تموز حاولت طائرة إيرانية تحمل قادة من الحرس الثوري وأسلحة الهبوط في مطار صنعاء، فقصفت القوات الحكومية المدرج لمنعها، ورد الحوثيون بإعلان انتهاء الهدنة مع الحكومة والرياض. بعدها أعلنت الجماعة في 20 تموز حصاراً بحرياً على السعودية وبدأت استهداف ناقلاتها النفطية في البحر الأحمر.
ثم جاء الهجوم البري في 3 أيلول. سقطت المخا في معركة خاطفة، وأصبح الساحل الغربي كله تقريباً، باستثناء مديرية ميدي، تحت سيطرة الحوثيين. وأكدت الحكومة انسحاب قواتها من جزيرة ميون وسيطرة الجماعة على بلدة ذباب المقابلة لها. ووصف محللون الانهيار على الجبهة الساحلية بأنه وقع في ساعات، بخلاف جبهة تعز حيث اصطدم المهاجمون بمقاومة قبلية صلبة.
لماذا نجح الهجوم على الساحل؟
ثلاثة عوامل التقت في لحظة واحدة، وكلها تفسّر نجاح هذا التقدم.
أولاً، طبيعة الأرض. فمساحة السهل المفتوح سمح للقوات بتحرك بسرعة، وفي الوقت نفسه، لا يوفر للمدافع عمقاً طبيعياً. فمن يخسر خط الدفاع الأول هناك يخسر عشرات الكيلومترات دفعة واحدة.
ثانياً، تصدع المعسكر المناهض للحوثيين. هذا هو العامل الذي يغفله كثيرون. فقبل أشهر فقط خاضت الحكومة، بدعم من التحالف، حملة لاستعادة حضرموت والمهرة من المجلس الانتقالي الجنوبي، وألغى رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي اتفاقية الدفاع المشترك مع الإمارات وطالب أبوظبي بالخروج خلال 24 ساعة. وحُلّ المجلس بعد فرار عيدروس الزبيدي إلى الإمارات. النتيجة، جبهة جنوبية وغربية فقدت راعيها الإقليمي الأبرز، وبنية قيادة أعيد تركيبها على عجل. الحوثي لم يهاجم خصماً متماسكاً، بل هاجم تحالفاً لا يزال يلملم جراحه الداخلية.
ثالثاً، المظلة الإيرانية وتوقيت الحرب الإقليمية. تقول مصادر يمنية إن ضابطاً في فيلق القدس قاد الهجوم على تهامة، وتتحدث تقارير عن مئات الضباط الإيرانيين في اليمن لدعم هدف إغلاق باب المندب، فيما تنفي طهران أي تورط وتصف الحوثيين بأنهم فاعل مستقل. وبغض النظر عن الحجم الحقيقي للدور الإيراني، فإن الهجوم جاء في ذروة الحرب الأميركية الإيرانية، حين أصبح باب المندب ورقة ضغط موازية لهرمز.
حدود القوة: خمسة جدران أمام "اليمن كله"
الجدار الأول: الجبل
ما إن انتقل القتال من السهل إلى المرتفعات حتى تغير إيقاعه. فمعركة جبال كهبوب، التي تقع بعض قممها على بعد نحو 40 كيلومتراً من المضيق، تسير أبطأ بكثير من الاندفاع عبر السهول الساحلية. وأعلنت القوات الحكومية مع ألوية العمالقة ودرع الوطن وقبائل الصبيحة استعادة هذه الجبال بالكامل بعد معارك كبّدت الحوثيين خسائر كبيرة، بل أفيد عن مقتل قيادي حوثي بارز برتبة لواء مع ستة من طاقمه هناك.
المفارقة أن الحوثيين يحتاجون هذه الجبال دفاعياً لا هجومياً. فخبراء يرون أن قيمة كهبوب للجماعة تكمن في حماية ظهر مكاسبها الساحلية، لأن قواتها على الساحل ستبقى مكشوفة لهجمات من الجنوب والشرق ما لم تسيطر على المرتفعات. بمعنى آخر: الجماعة التي تبدو في موقع الهجوم تقاتل في الواقع لتأمين ما أخذته.
الجدار الثاني: تعز
تشكّل محافظة تعز الجسر بين الشمال الحوثي والجنوب الحكومي والساحل، ومن يسيطر عليها يتحكم في حركة الإمداد نحو عدن. لكن المدينة ليست مجرد عقدة طرق. إنها مجتمع صمد تحت حصار منذ 2014، ولديه ذاكرة قتالية ومقاومة شعبية منظمة. حتى الآن، تتحدث التقارير عن استعادة مواقع في غرب تعز ولحج وإحباط محاولات عزل تعز عن عدن، ومنها صد محاولة تسلل نحو طريق هيجة العبد الذي يربط تعز بعدن.
الجدار الثالث: مأرب
إذا كانت تعز جسراً، فمأرب هي الحصن الذي ترتكز عليه بنية الدولة المعترف بها في الشمال. فقد كان عدد سكانها قبل الحرب نحو 348 ألفاً، لكنها تستضيف اليوم قرابة مليوني نازح، وفيها حقول صافر للنفط والغاز ومحطة كهرباء تغذي مناطق واسعة، وهي مصدر أساسي لإيرادات الدولة.
والأهم أن مأرب هي المكان الذي فشل فيه الحوثيون سابقاً. هجوم 2021 الكبير استنزف الجماعة لأشهر دون أن يسقط المدينة. واليوم الوضع مختلف: القوات الحكومية انتقلت هناك إلى الهجوم، في معارك وُصفت بأنها الأعنف منذ 2021.
الجدار الرابع: الجنوب
هنا تكمن المفارقة الأعمق. الانقسام الجنوبي الذي سهّل على الحوثيين اختراق الساحل هو نفسه ما يعيد توحيد الجنوب ضدهم الآن. فبعد أن نصبت عناصر من "المقاومة الجنوبية" كميناً لموكب وزير الدفاع في الضالع، سارع متحدث باسم الجماعة إلى إدانة الحادث واعتبار أن الخلافات الداخلية يجب ألا تتحول إلى عنف، وأن النيران يجب أن تتجه نحو الحوثيين. ودعا قيادي جنوبي بارز خلايا المقاومة في عدن إلى الاندماج مؤقتاً مع قوات الحكومة تحسباً لهجوم حوثي، بينما أعلن الانتقالي في ردفان التعبئة العامة ساعياً إلى قوة جنوبية مستقلة لا إلى الاندماج مع الحكومة.
الجدار الخامس: السقف الإقليمي
قد تتحمل السعودية خسارة الساحل الغربي على مضض، لكنها لن تقبل حوثياً في عدن أو في حضرموت المتاخمة لحدودها. الرياض اليوم في حالة حرب مفتوحة مع الجماعة، خاصة بعد ان اشتعلت النيران قرب مطار الملك خالد في الرياض بعد هجوم تبنّاه الحوثيون، وسقط أول قتيل مدني في السعودية منذ نهاية هدنة 2022 في هجوم بمسيّرة على الطائف. والجماعة نفسها تقول إن الغارات والضربات الصاروخية السعودية منذ بدء التصعيد بلغت 988.
ماذا يريد الحوثي فعلاً؟
القراءة الأدق أن الجماعة لا تسعى إلى حكم اليمن كله، بل إلى ما يمكن تسميته "السيطرة الوظيفية": امتلاك المفاصل التي تجعلها طرفاً لا يمكن تجاوزه. فالساحل يمنحها منفذاً بحرياً ومصدر دخل. وباب المندب يمنحها ورقة ضغط عالمية. والضغط على تعز ومأرب يستنزف الحكومة ويمنعها من التفكير في صنعاء. وترى مصادر أن الهجوم يهدف إلى انتزاع مزيد من الأرض وإضعاف الخصوم وتعزيز القدرة على إغلاق المضيق، وهي أهداف لا تتطلب دخول عدن.
وهناك بُعد إقليمي لا يمكن فصله. فإيران قدمت في الأمم المتحدة خريطة طريق لوقف إطلاق نار إقليمي حتى 60 يوماً وإعادة فتح تدريجية لهرمز وإنهاء الحصار الأميركي، ثم طرح عراقجي اليوم خطة من سبعة أيام لإنهاء الحرب. في هذا السياق، تصبح مكاسب الحوثي على باب المندب رصيداً تفاوضياً في يد المحور. وإذا نضجت صفقة أميركية إيرانية، قد يجد الحوثي نفسه مطالباً بالتجميد على الخطوط الحالية، لا بالتقدم.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|