بصورة مؤقتة.. إقفال دائرتَي رسم الانتقال والضرائب غير المباشرة
هرمز ورقة تفاوض... والمعركة على النفوذ الإيراني
لم يعد مضيق هرمز جوهر الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران، بل أصبح أحد عناوين صراع أوسع يدور حول إعادة رسم موازين القوى في الشرق الأوسط. فحرية الملاحة، على أهميتها الاقتصادية، ليست سوى جزء من معادلة أكبر تسعى واشنطن من خلالها إلى تقليص النفوذ الإيراني، بينما تحاول طهران الحفاظ على أوراق القوة التي راكمتها خلال العقود الماضية.
ومن هنا، تبدو المواقف الإيرانية المتناقضة بشأن إعادة فتح المضيق انعكاساً لحجم الضغوط التي تواجهها القيادة الإيرانية. ففي الوقت الذي تحدثت فيه تسريبات دبلوماسية عن قبول وزير الخارجية عباس عراقجي بمبادرة قطرية لإعادة الملاحة، سارعت طهران إلى نفي تلك المعلومات، مؤكدة أن المضيق سيبقى خاضعاً لشروطها ما دامت "الأعمال العدائية الأميركية" مستمرة، بل عززت رسالتها بإعلان احتجاز ثلاث ناقلات نفط بتهمة مخالفة التعليمات، في محاولة واضحة للتأكيد أن ورقة هرمز لا تزال في يدها.
في المقابل، تسعى الإدارة الأميركية إلى تثبيت معادلة مختلفة. فإعلان الرئيس دونالد ترامب تعليق الضربات التي كانت معدة ضد إيران لا يعكس تراجعاً بقدر ما يمثل إفساحاً للمجال أمام تسوية تحقق الأهداف الأميركية من دون الانزلاق إلى حرب واسعة. غير أن ذلك لا يعني استبعاد الخيار العسكري، بل على العكس، فالإدارة الأميركية تبدو أقرب إلى تبني استراتيجية تقوم على توجيه ضربة عسكرية قوية وسريعة، إذا اقتضت الحاجة، تُلحق أضراراً كبيرة بالقدرات الإيرانية وتدفع طهران إلى إعادة حساباتها، من دون تكرار نموذج الحروب الطويلة والمكلفة التي خاضتها الولايات المتحدة في المنطقة. لذلك ربط ترامب التهدئة بإعادة فتح مضيق هرمز، وبالتوصل إلى تفاهم يضع حداً للبرنامج النووي الإيراني، فيما أكد وزير الخارجية ماركو روبيو أن واشنطن تتفاوض من موقع القوة، وأنها لن تسمح لإيران بامتلاك السلاح النووي أو بفرض وقائع جديدة في المنطقة. وبذلك، لا يبدو أن هدف واشنطن هو إسقاط النظام الإيراني أو الانخراط في حرب استنزاف، بقدر ما تسعى إلى استخدام ضغط عسكري حاسم وسريع لإجبار طهران على القبول باتفاق يعيد رسم قواعد الاشتباك ويحد من نفوذها الإقليمي.
لكن القراءة الأميركية تتجاوز الملف النووي والممرات البحرية. فالمعركة الحقيقية، من وجهة نظر واشنطن، تتمثل في كسر قدرة إيران على استخدام نفوذها العسكري والسياسي للتحكم بمسارات الإقليم، سواء عبر تهديد الملاحة الدولية أو من خلال شبكة حلفائها المنتشرين في أكثر من ساحة عربية. لذلك، فإن أي اتفاق محتمل لن يقاس فقط بإعادة فتح مضيق هرمز، بل بمدى نجاحه في الحد من قدرة طهران على توظيف نفوذها الإقليمي كورقة ضغط دائمة.
في المقابل، تدرك إيران أن عامل الوقت لم يعد يعمل لمصلحتها. فالعقوبات، والاستنزاف الاقتصادي، والضغوط العسكرية، تجعل استمرار المواجهة المفتوحة أكثر كلفة، وهو ما يفسر انخراطها في مسار دبلوماسي موازٍ، بالتزامن مع تمسكها بخطاب الردع وإعلانها الاستعداد للرد على أي هجوم أميركي أو إسرائيلي.
وفي هذا المناخ، تتحرك العواصم العربية، وفي مقدمها الرياض والدوحة، إلى جانب باكستان، لمنع انفجار مواجهة إقليمية شاملة. فهذه الدول، بحسب مصادر دبلوماسية تدرك أن الحرب ستصيب الجميع، لكنها في الوقت نفسه لا ترغب في أن تستمر إيران في استخدام التوتر الإقليمي وسيلة لفرض نفوذها أو ابتزاز محيطها العربي.
أما إسرائيل، فتتعامل مع التطورات باعتبارها فرصة لترسيخ واقع أمني جديد. فهي لا تبدو مستعجلة للانتقال إلى تسويات نهائية، بل تسعى إلى استثمار الضغوط المفروضة على إيران لترسيخ ترتيبات أمنية طويلة الأمد، سواء في جنوب لبنان أو جنوب سوريا أو قطاع غزة، باعتبارها جزءاً من رؤيتها للأمن القومي في المرحلة المقبلة.
وعليه، تبدو المنطقة أمام مرحلة من المراوحة الاستراتيجية، حيث لا مؤشرات إلى حرب شاملة، كما لا تلوح في الأفق تسوية نهائية. وبين الحسابات المتشابكة، سيبقى لبنان جزءاً من مرحلة الانتظار، يتأثر بنتائج الصراع من دون أن يكون طرفاً مقرراً فيه، إلى أن تتبلور التسوية الإقليمية التي ستحدد شكل النفوذ وموازين القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|