نهاية الانفتاح العراقي على السعودية: المقاومة تتشبّث بسلاحها
مثّل العدوان السعودي - الأميركي الذي استهدف، قبل أيام، مقارّ «هيئة الحشد الشعبي» في 7 محافظات عراقية، نقطة انعطاف سياسية وأمنية على طريق العلاقة بين بغداد والرياض، واضعاً الحكومة العراقية أمام أحد أكثر اختباراتها تعقيداً منذ تسلّم رئيس الوزراء، علي الزيدي، مهامه. فالهجوم الذي أوقع، وفق الأرقام الرسمية العراقية، 18 شهيداً و20 جريحاً - علماً أن «هيئة الحشد الشعبي» تحدّثت عن حصيلة أعلى -، أعاد وضع الانفتاح العراقي على السعودية على محكّ التهديد، وأرجع ملف حصر السلاح إلى نقطة الصفر، ولا سيما وسط تصاعد دعوات الفصائل إلى وقف إجراءات تسليم سلاحها، والردّ على «العدوان على السيادة العراقية».
وجدّد المتحدّث باسم الحكومة، باسم العبودي، نفي وجود أيّ تنسيق مع واشنطن أو الرياض في الهجوم الذي استهدف «الحشد»، وذلك خلافاً لما أعلنه الرئيس الأميركي، دونالد ترامب. وذكّر بأن العراق طلب من السعودية والدول المعنيّة تقديم أدلة تثبت انطلاق الهجمات على المملكة من الأراضي العراقية، كاشفاً أن الردّ اقتصر على الاستناد إلى بيانات تصدرها جماعات مسلّحة، معتبراً أن البيانات لا يمكن أن تكون مبرّراً قانونياً لقصف دولة ذات سيادة. كما أكّد أن القائد العام للقوات المسلحة لم يتسلّم أيّ دليل يثبت تلك المزاعم، جازماً أن الحكومة لن تنجرّ إلى حرب إقليمية، رغم وصفها الهجوم بأنه «إعلان حرب على العراق».
وفي موازاة الموقف الحكومي، تحرّك «الإطار التنسيقي» سريعاً عبر اجتماع طارئ برئاسة الزيدي، دان فيه العدوان، وعدّه انتهاكاً للقانون الدولي يهدّد الأمن الإقليمي، ويعقّد جهود احتواء التصعيد. كما وجّه المجلس الوزاري للأمن الوطني، وزارة الخارجية بالتحرّك أمام المحافل الدولية لتوثيق الاعتداء، في حين طالبت كتلة «الصادقون» بعقد جلسة طارئة للبرلمان، وتشكيل لجنة تحقيق، ومراجعة الاتفاقيات الأمنية، وتسريع تطوير منظومة الدفاع الجوي.
غير أن أهمّ النتائج سُجّلت في ملف السلاح. فبعد ساعات فقط من العدوان، خرج رئيس أركان «هيئة الحشد الشعبي»، عبد العزيز المحمداوي (أبو فدك)، ليعلن، للمرّة الأولى بهذا الوضوح، رفضه القاطع تسليم سلاح المقاومة، في موقف اعتبرته أوساط سياسية مؤشراً على تغيّر كبير في موقف الفصائل، بعدما كانت الحكومة تمضي بخطوات مُتدرِّجة لمعالجة هذا الملف. وفي السياق، يؤكد القيادي في فصائل المقاومة، كاظم الإبراهيمي، لـ«الأخبار»، أن «ملف تسليم السلاح أصبح بحاجة إلى مراجعة كاملة بعد ما جرى»، معتبراً أن «نزع سلاح المقاومة يعني عملياً إنهاء محور المقاومة، وكلّ القوى التي تواجه المشروع الإسرائيلي والتطبيع».
ويشير الإبراهيمي إلى أن «العدوان السعودي يعيد إلى الأذهان السنوات التي أغرقت فيها السعودية العراق بالإرهابيين والسيارات المُفخّخة، واليوم تعود لتقصف قوات أمنية عراقية رسمية». ويضيف أن الفصائل «تنتظر موقف الحكومة العراقية، لأنها صاحبة القرار في التعامل مع هذا الاعتداء»، مستدركاً بأن «اختراق السيادة العراقية بهذا الشكل يستدعي موقفاً حازماً يتناسب مع حجم العدوان، وإلا فإن الرسالة ستكون أن العراق بات مُستباحاً».
ويبدو أن هذا الموقف ينسحب على غالبية الفصائل، التي دعت أيضاً إلى تعليق زيارة الزيدي إلى السعودية، وربطت أيّ نقاش بشأن حصر السلاح، بقدرة الدولة أولاً على حماية مؤسساتها العسكرية من الاعتداءات الخارجية. ويرى الخبير الأمني والعميد المتقاعد، جودت كاظم، في حديث إلى «الأخبار»، أن «العراق دفع ثمن غياب منظومة دفاع جوي متطوّرة قادرة على حماية أجوائه»، مؤكداً أن «استهداف دولة جارة للأراضي العراقية يخالف قواعد حسن الجوار ويتجاوز قواعد الاشتباك المعروفة». ويشير إلى أن «الرياض لم تقدّم حتى الآن دليلاً قاطعاً يثبت أن الهجمات انطلقت من العراق»، معتبراً أن «ما حدث سيجعل الفصائل أكثر تمسّكاً بسلاحها، وسيضع الحكومة أمام تحدٍّ أكبر في تنفيذ مشروع حصر السلاح، لأن جزءاً كبيراً من هذه القوى سيعتبر أن السلاح أصبح ضمانة وجود بعد العدوان».
أمّا أستاذ العلاقات الدولية، علي الشمري، فيرى أن ما جرى «أدخل العلاقات العراقية - السعودية في أخطر منعطف منذ سنوات». ويبيّن الشمري، في حديث إلى «الأخبار»، أن «أيّ قصف يستهدف الأراضي العراقية من دون موافقة بغداد، يمثّل إعلان مواجهة سياسية وأمنية، حتى لو حاولت الرياض تبريره بحق الدفاع عن النفس». ويرى أن «زيارة الزيدي إلى السعودية أصبحت شبه مستحيلة في الظروف الحالية، لأن أيّ تقارب سياسي سيواجه رفضاً واسعاً داخل القوى المؤثّرة»، متوقّعاً أن تمرّ العلاقات الثنائية بـ«مرحلة طويلة من البرود والتوتّر، ما لم تقدّم السعودية مبرّرات قانونية مُقنِعة، أو تبادر إلى احتواء الأزمة دبلوماسياً».
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|