تحولت الحملة الأمنية الأخيرة في السويداء من محاولة لإنهاء سوق الوقود غير الشرعية إلى خطوة كرست وجودها بصورة مباشرة. فبدلاً من إغلاق المنافذ المخالفة، انتهت الحملة بخفض محدود للأسعار، بينما بقيت المحطات المتنقلة وبسطات البيع تواصل عملها، في وقت تتسع فيه شبكات التهريب ويزداد اعتماد السكان عليها نتيجة شح الإمدادات الرسمية.
شرعنة السوق الموازية
والثلاثاء الماضي، أصدرت قوى الأمن الداخلي التابعة للحرس الوطني في السويداء بياناً منحت فيه أصحاب محطات الوقود المتنقلة وبسطات بيع المحروقات مهلة يومين لإغلاق جميع المنافذ غير الشرعية، وذلك بأمر من القاضي شادي مرشد، رئيس الإدارة الذاتية الناشئة في السويداء، التي يُطلق عليها اسم "مجلس إدارة باشان".
وانتهت المهلة صباح الخميس، لتنفذ "قوى الأمن الداخلي" حملة أزالت خلالها عدداً من البسطات وأوقفت عمل بعض السيارات المتنقلة، في مشهد أوحى بأن السلطات المحلية تتجه لإنهاء واحدة من أبرز الظواهر التي برزت بعد أحداث تموز/يوليو 2025.
لكن بعد أيام قليلة فقط، عادت تلك المنافذ إلى العمل بوتيرة أوسع، ورصدت المدن انتشار محطات الوقود المتنقلة مجدداً في شوارع المدينة، مع انخفاض محدود في الأسعار إلى نحو 24 ألف ليرة لليتر، من دون أي تغيير في واقع السوق غير الشرعية.
وتقول مصادر لـِ "المدن" إن شادي مرشد تراجع عن موقفه الأول بعد تصاعد التوتر مع أصحاب هذه المنافذ، الذين تجمع عدد كبير منهم في مبنى المحافظة، ووصلت النقاشات إلى حد تبادل التهديدات بإمكانية الصدام في حال الإصرار على إغلاق أعمالهم.
بالتزامن مع ذلك، بدّل مرشد خطابه، في تصريحات أدلى بها لشبكة "الراصد" يوم تنفيذ الحملة، وقال إن الهدف ليس القضاء على محطات الوقود المتنقلة، وإنما تنظيم عملها ووضع هامش ربح مقبول لها.
وبحسب مصادر "المدن"، طلب مرشد من أصحاب المحطات خفض الأسعار، وطرح فكرة إخضاع هذه المنافذ لرسوم أو ضرائب لصالح مجلس الإدارة أو البلديات، في خطوة اعتُبرت إقراراً رسمياً بوجودها، بعدما كان الهدف المعلن إنهاءها بالكامل.
أزمة صنعت السوق الموازية
لم تكن هذه الظاهرة موجودة قبل أشهر، فمنذ سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، شهدت السويداء استقراراً نسبياً في توفر الوقود بعد تعويم المادة ورفع الدعم عنها، إذ كانت المحطات الرسمية قادرة على تلبية الطلب بصورة اعتيادية.
لكن المشهد تبدل كليّاً بعد أحداث تموز/ يوليو الدامية 2025، حين انقطعت إمدادات الوقود لأكثر من عشرة أيام، قبل أن تعود بكميات محدودة لا تتجاوز 48 ألف ليتر يومياً توزع على أربع محطات فقط، في حين تحتاج المحافظة إلى ما لا يقل عن 150 ألف ليتر يومياً، وفق مصدر مطلع في مديرية محروقات السويداء.
بينما يقول مصدر على صلة بالمحافظة لـِ "المدن" إن تراجع الكميات يعود إلى استيلاء مجموعات مسلحة داخل السويداء على جزء من الكميات الواردة وبيعها في السوق السوداء، وهذا ما دفع الجهات الحكومية المسؤولة عن إرسال الوقود إلى تخفيض المخصصات للحد الأدنى لمنع التلاعب بها.
في المقابل، يعتبر سامر.ع وهو صاحب محطة وقود في السويداء، أن تقليص المخصصات يمثل وسيلة ضغط تمارسها الحكومة السورية على سكان المحافظة، معتبراً أن الحل الحقيقي لا يكون بمحاربة السوق الموازية، بل بإعادة تعويم المادة كما حدث بعد سقوط النظام، حين اختفت السوق السوداء تلقائياً مع توفر الوقود.
شبكات تهريب متعددة
وأدى النقص المزمن في الإمدادات إلى ولادة سوق موازية واسعة، تعتمد على سيارات مزودة بخزانات ومضخات متنقلة، إضافة إلى بسطات بيع انتشرت على الأرصفة، لتصبح جزءاً من المشهد اليومي في المدينة.
ويقول مصدر يعمل في السوق الموازية لـِ "المدن"، طلب عدم الكشف عن هويته، إن الوقود يدخل إلى السويداء عبر شبكات تهريب تستخدم وسائل متعددة، منها خزانات مخفية داخل الشاحنات أو طرق زراعية بين درعا والسويداء، قبل أن يضاف إلى سعره الرسمي هامش للمهربين ثم أرباح التجار، وهو ما يفسر الفارق الكبير في الأسعار.
ويؤكد المصدر أن هذه المنافذ أصبحت اليوم جزءاً أساسياً من منظومة التزويد بالوقود، إلى درجة أن توقفها عن العمل سيخلق أزمة فورية داخل المحافظة، مشيراً إلى أن بعضها يشتري أيضاً كميات من البنزين من محطات رسمية.
ويقر صاحب محطة الوقود سامر بأن بعض المحطات تبيع جزءاً من مخصصاتها في السوق الموازية، بسبب ضآلة الكميات المرسلة وهامش الربح المحدود، موضحاً أن محطته باتت تحصل على طلب واحد فقط كل شهر، بعدما كانت تتلقى طلباً أسبوعياً قبل أحداث تموز/ يوليو، مؤكداً في ذات الوقت أن محطته تبيع كامل الكمية المرسلة لها وفق بعد الاتفاق مع مجلس البلدية في منطقته على تنظيم جداول للدور وتوزيع الكمية بطريقة عادلة. وأضاف أن هذه الآلية يمكن أن تخفف من وطأة الأزمة لو اتبعتها جميع المحطات.
وتشير مصادر "المدن" إلى أن بعض أصحاب المحطات الرسمية باتوا يمتلكون أيضاً محطات متنقلة، كما دخلت فصائل مسلحة على خط تجارة الوقود بامتلاك محطات متنقلة أيضاً، وهذا ما أوجد شبكة مصالح متداخلة يصعب تفكيكها.
تهريب على مرأى الجميع
يضيف المصدر العامل في السوق الموازية أن بعض عمليات التهريب تجري على مرأى من الجهات الأمنية التابعة للحكومة السورية والحرس الوطني واجهزته الأمنية في السويداء، فضلاً عن مواطنين ينقلون كميات محدودة بسياراتهم الخاصة من درعا ودمشق لإعادة بيعها داخل المحافظة.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الوقود وحده، إذ انعكس ارتفاع أسعاره مباشرة على أجور النقل التي تضاعفت تقريباً، كما أصبح ذريعة لرفع أسعار العديد من السلع الأساسية بحجة زيادة تكاليف الشحن.
وفي ظل هذا الواقع، يجد سكان السويداء أنفسهم بين سلطات محلية عجزت عن ضبط السوق، وانتهت إلى شرعنة جزء من الاقتصاد الموازي، وسلطات مركزية تتهم القوى المسيطرة في المحافظة بالمسؤولية، فيما يحمّلها خصومها مسؤولية خفض الإمدادات وتفاقم الأزمة. وبين الطرفين، يبقى السكان الحلقة الأضعف، يدفعون كلفة أزمة يبدو أنها تحولت من ظرف استثنائي إلى واقع دائم.
فراس الحلبي -المدن