الشرع يعيد هندسة الأمن السوري... خطاب يقود مرحلة "حزب الله" وإسرائيل
عون في واشنطن: الاتفاق بين احتلال لا ينسحب وسلاح لا يتراجع
لم يعد مصير المناطق التجريبية تفصيلاً تقنياً في مسار تنفيذ التفاهمات بين لبنان وإسرائيل، ولا مجرد إختبار محدود لانتشار الجيش اللبناني في عدد من القرى والبلدات الجنوبية. فالمعلومات المتقاطعة من مصادر عسكرية وأخرى مطلعة على مسار الاتصالات الجارية ترسم صورة أكثر تعقيداً: إسرائيل لا تستعجل الانسحاب، والجيش اللبناني جاهز للتحرك متى بدأت الخطوة الإسرائيلية، فيما تبقى حسابات حزب الله أكثر حساسية عندما ينتقل البحث من جنوب الليطاني إلى شماله.
وبحسب ما كشفت مصادر مطلعة ل"المدن"، فإن هذه الملفات في صلب مباحثات رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون في واشنطن، الذي يريد الحصول على أجوبة عملية حول مصير الاتفاق الاطار، وحجم الاستعداد الأميركي للضغط على إسرائيل من أجل البدء بتنفيذ الانسحاب في إطار المناطق النموذجية.
وتقول المصادر إن السؤال الذي يحمله عون بات واضحاً: هل ستستخدم إدارة الرئيس دونالد ترامب ثقلها لدفع إسرائيل إلى الانسحاب، أم أن لبنان سيبقى مطالباً بتنفيذ التزاماته فيما تستمر تل أبيب في الإمساك بالأرض والتحكم بإيقاع التنفيذ؟
من هنا، الخشية من أن تأتي عودة عون من واشنطن، بلا نتيجة ملموسة، ما يضع الاتفاق الإطاري نفسه تحت ضغط سياسي داخلي كبير.
المسار عالق قبل أن يبدأ
خلافاً لما جرى تداوله عن إرجاء إجتماع إفتراضي كان سيعقد الجمعة الماضي بين الجانبين اللبناني والإسرائيلي، تكشف مصادر عسكرية لـ"المدن" أن الجيش اللبناني لم يتبلغ أساساً بوجود إجتماع من هذا النوع. "لا تبليغ رسمي بموعد أو جدول أعمال أو آلية إتصال. وبالتالي، لم يكن هناك إجتماع محدد حتى يقال إنه أُرجئ أو أُلغي."
وتعتبر المصادر أن هذه الواقعة تعكس جانباً من الضبابية التي تحيط بالمسار كله. فالكثير من الأفكار يجري تداوله سياسياً وإعلامياً، وتطرح أسماء قرى وبلدات ومواعيد محتملة، لكن الانتقال من مرحلة التداول إلى مرحلة التنفيذ الرسمي لم يحصل بعد.
وفي تقييم المؤسسة العسكرية، فإن العامل الأساسي الذي يعطل الانطلاقة هو الموقف الإسرائيلي.
إذ من الواضح أن إسرائيل تماطل، ولا تبدو مستعجلة لفتح مسار المناطق التجريبية أو للبدء بانسحابات ميدانية تسمح للجيش اللبناني بالدخول إلى المناطق التي تخليها.
فتل أبيب مرتاحة إلى الوضع القائم، في ظل غياب ضغط سياسي فعلي يجبرها على الانتقال من إدارة الوقت إلى تنفيذ الالتزامات.
في المقابل، تؤكد المصادر العسكرية أن الجيش اللبناني حسم موقفه بالكامل.
القرار وبحسب الخطة التي أعدها، هو الدخول فوراً إلى أي منطقة تنسحب منها إسرائيل، والانتشار فيها وتولي المسؤولية الأمنية والعسكرية الكاملة.
وتوضح المصادر أن المؤسسة العسكرية جاهزة لهذه المهمة، وأن المبدأ الذي يحكم انتشارها واضح: أي منطقة يتسلمها الجيش تصبح تحت سلطة الدولة، ولا يفترض أن يبقى فيها أي سلاح خارج الشرعية.
إلا أن الجيش لا يستطيع من تلقاء نفسه تحديد المنطقة الأولى لبدء تنفيذ الخطة، أو ساعة الانطلاق.
«المفتاح ليس بيد الجيش. الخطوة الأولى تبدأ بانسحاب إسرائيلي فعلي، وبعدها يدخل الجيش.»
في ما يتعلق بموقف حزب الله، تميز المصادر بين ما يجري جنوب الليطاني وما يمكن أن يحصل شماله.
في جنوب الليطاني، لا تشير المعطيات المتوافرة لدى الجيش إلى وجود اعتراض أساسي من حزب الله على دخول الجيش إلى المناطق التي تنسحب منها إسرائيل وتوليها المسؤولية كاملة.
لكن المشكلة، تبدأ عندما ينتقل نموذج الانتشار إلى شمال الليطاني.
وهنا تدخل المسألة في مستوى مختلف تماماً، لأن نجاح التجربة شمال النهر لا يعود مجرد خطوة جغرافية، بل هو بداية مسار على طريق إنهاء السلاح وهو ما لا يريده حزب الله.
هنا تبرز زوطر الغربية، كواحدة من النقاط التي تكشف حجم هذه الحساسية.
فالبلدة تقع شمال الليطاني، وفي الوقت نفسه تقول المصادر العسكرية إن حزب الله لا يملك فيها أساساً وجوداً عسكرياً.
مع ذلك، فإن الانتقال إلى نموذج يتسلم فيه الجيش منطقة تقع شمال الليطاني يفتح الباب أمام ما هو أبعد من زوطر نفسها. المصادر تشرح المعادلة على الشكل الآتي: إذا بدأ الجيش الانتشار في منطقة في شمال الليطاني، ثم انتقلت التجربة إلى منطقة ثانية وثالثة، تصبح العملية مساراً متدحرجاً يصعب وقفه.
ومن زوطر يمكن أن "تمتد السبحة إلى النبطية الفوقا ومحيطها، لتصبح المعادلة الجديدة قائمة على ثلاثية واضحة: انسحاب إسرائيلي، دخول للجيش، وإنكفاء للسلاح خارج سلطة الدولة."
وهذا، بحسب المصادر نفسها، هو ما يجعل نجاح المناطق التجريبية شمال الليطاني أكثر حساسية بالنسبة إلى حزب الله من نجاحها جنوبه.
لأن السؤال عندها لن يعود أين ينتشر الجيش، بل إلى أي حد يمكن لهذا النموذج أن يتوسع.
السلاح أمام امتحان الأرض
مصادر سياسية مطلعة كشفت لـ"المدن"، أن من بين ما يتم تداوله في الأروقة السياسية، كيفية تعاطي حزب لله مع هذا التطور خاصة وأنه قد يضعه أمام واحدة من أصعب المعادلات منذ سنوات.
"فإذا كان انتشار الجيش يؤدي عملياً إلى بدء انسحاب إسرائيل واستعادة الأرض، يصبح من الصعب سياسياً تبرير أي موقف يعوق توسع هذا الانتشار بذريعة الحفاظ على واقع السلاح شمال الليطاني."
وترى المصادر أن جوهر المأزق يكمن هنا تحديداً: "كلما نجحت تجربة تسلم الجيش لمنطقة محررة، وتكررت في مناطق أخرى، تقلصت الذرائع التي تبرر بقاء سلاح موازٍ للدولة في المناطق نفسها."
وعندها ينتقل النقاش من السؤال التقليدي حول متى يُسلَّم السلاح؟ إلى سؤال أكثر إحراجاً: "هل يمكن أن يصبح التمسك بالسلاح عاملاً يبطئ مساراً يؤدي إلى تحرير الأرض؟"
المصادر شددت أن هذه المعادلة لم تنفجر سياسياً بعد، لكنها موجودة بقوة في خلفية كل النقاشات الجارية.
ملف عسكري إلى واشنطن
لأن الواقع بهذا التعقيد، ولأن طرفي النزاع لا يبدوان مستعجلين لانهائه، حمل الرئيس جوزاف عون إلى واشنطن ملفاً مفصلاً عن حاجات الجيش اللبناني وقدراته والخطة التي وضعها للانتشار في الجنوب وتسلم السلاح.
المقصود، ليس مجرد طلب مساعدات إضافية، بل تقديم صورة واضحة للأميركيين عن حجم المهمة التي يُطلب من الجيش تنفيذها، والإمكانات المتوافرة لديه، والفجوة بين مسؤولياته الحالية وبين الأدوات التي يمتلكها.
وسيشرح عون، وفق المعلومات، ما يحتاج إليه الجيش من دعم لوجستي وعملياتي وتقني، إضافة إلى الحاجات المتعلقة بأوضاع العسكريين الذين يتولون تنفيذ مهمات متزايدة على امتداد الجنوب والوطن.
وتقول مصادر مواكبة للزيارة لـ"المدن"، إن الرئيس يدرك أن المساعدات الأساسية لا تمر فقط عبر وزارة الخارجية الأميركية، بل إن للكونغرس دوراً محورياً في إقرارها وتأمين التمويل اللازم لها. ولهذا، فإن اللقاءات التي قد يعقدها عون مع أعضاء في الكونغرس ستتركز، على بناء دعم طويل الأمد للجيش، بما يسمح له بتنفيذ الانتشار المطلوب إذا بدأ الانسحاب الإسرائيلي فعلاً.
في موازاة ذلك، وفي ما خص نظرة الخارج إلى الجيش ولاسيما قائد الجيش، فقد نفت المصادر على نحو قاطع ما جرى تداوله عن احتمال أن يُطلب من رئيس الجمهورية، خلال زيارته الأميركية، إقالة قائد الجيش العماد رودولف هيكل.
وأكدت المصادر أن هذا الكلام «عار من الصحة»، مشددة على أن قائد الجيش يتحرك ضمن التوجيهات العامة التي ترسمها السلطة السياسية، وفي مقدمها رئيس الجمهورية.
فلا وجود لخلاف بين بعبدا وقيادة الجيش حول الخطوط الأساسية المتعلقة بخطة الانتشار أو بالمهمات المطلوبة من المؤسسة العسكرية.
واشنطن أمام السؤال الأصعب
لكن ملف المساعدات للجيش، على أهميته، ليس القضية الأكثر حساسية في زيارة الرئيس عون.
المسألة الأساسية بالنسبة إلى الرئيس هي معرفة ما إذا كانت واشنطن مستعدة للانتقال من دعم الاتفاق الإطار نظرياً إلى الضغط من أجل تنفيذه فعلياً.
بمعنى آخر: هل سيضغط الرئيس دونالد ترامب على إسرائيل للانسحاب؟
رئيس الجمهورية يحتاج إلى جواب واضح، لأن استمرار مطالبة لبنان بحصر السلاح وتنفيذ التزامات الداخل من دون خطوة إسرائيلية مقابلة سيضع الداخل أمام مأزق سياسي كبير.
إذا عاد الرئيس إلى بيروت من دون انسحاب أو تعهدات عملية ببدئه، سيكون من الصعب، إقناع المعترضين على الاتفاق بأن لبنان حصل على مقابل سياسي أو ميداني.
وعندها يصبح السؤال في الداخل مباشراً: ما الذي قدّمه لبنان، وما الذي حصل عليه؟
هذه النقطة هي الأخطر في الحسابات الرئاسية.
فالرئيس عون ربط جزءاً أساسياً من المسار الداخلي بإمكان أن يقود الاتفاق إلى إنسحاب إسرائيلي وتعزيز سلطة الجيش وإستعادة الدولة للأرض.
أما إذا بقيت إسرائيل في مواقعها، وفشل الضغط الأميركي في دفعها إلى التنفيذ، فإن الاتفاق قد يفقد تدريجياً قدرته على الصمود سياسياً.
وتقول المصادر المواكبة إن عودة عون من واشنطن «خالي الوفاض» ستفتح الباب أمام مواجهة داخلية قاسية، لأن القوى التي تتحفظ أصلاً على الاتفاق، وتحديداً حزب الله، ستجد في إستمرار الاحتلال دليلاً إضافياً على عدم جدواه.
وعندها لا يعود الخطر محصوراً بتعثر المناطق التجريبية، بل قد يمتد إلى الاتفاق الإطاري كله.
لحظة الاختبار
قريباً، يصل رئيس لجنة الاشراف على وقف إطلاق النار الجنرال الأميركي جوزيف كليرفيلد إلى بيروت، حيث يتخذ من السفارة الأميركية مقراً لإقامته ومتابعته. هذا الحضور الأميركي المباشر على الأرض يأتي في لحظة يتداخل فيه الملف اللبناني مع تداعيات الحرب الأميركية الإيرانية، ما يجعل مهمة كليرفيلد تتجاوز متابعة التفاصيل الميدانية إلى منع انتقال حسابات المواجهة الإقليمية إلى الجنوب اللبناني.
المهمة لن تُختبر فقط في المناطق التجريبية، بل في قدرة واشنطن على منع إسرائيل من استثمار المواجهة مع إيران ذريعةً للتنصل من التزاماتها وتأجيل انسحابها تحت عنوان استمرار الخطر الأمني. وهنا تحديداً تتحدد الوجهة السياسية للمرحلة المقبلة: إما أن يُفصل المسار اللبناني عن حرب المنطقة ويُفرض تنفيذ الاتفاق، وإما أن يتحول الجنوب مجدداً إلى ورقة في الصراع مع إيران، فيبقى الانسحاب معلّقاً وتصبح المناطق التجريبية إدارةً للاحتلال لا طريقاً لإنهائه.
ندى أندراوس - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|