محليات

بيع الأدوية عبر وسائل التواصل الاجتماعي... وصرخة الصيادلة تحت قبة البرلمان

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

بقلم: دافيد عيسى، سياسي لبناني

تناولنا في مقال سابق مخاطر بيع الأدوية والترويج لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وكيف تحولت بعض هذه المنصات إلى مساحة مفتوحة يقدّم فيها غير المختصين نصائح ووصفات علاجية، في ظل غياب الضوابط الكفيلة بحماية الناس من المعلومات الطبية المضللة والإعلانات التي قد تمس صحتهم وحياتهم.

وفي هذا السياق، يبرز الملف الصحي بوصفه أحد أبرز أولويات المرحلة، لما له من ارتباط مباشر بصحة المواطنين وسلامتهم، الأمر الذي يستوجب مقاربة تشريعية ورقابية جادة، بعيدة عن التأجيل أو التهاون.

ويستعد مجلس النواب لمناقشة تعديل الفقرة (ب) من المادة (37) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة، بما ينظم الإعلان عن الأدوية التي تُباع من دون وصفة طبية (OTC)، إلى جانب بعض المتممات الغذائية، في خطوة تشريعية بالغة الأهمية لما لها من تأثير مباشر في الصحة العامة.

ولا أحد يعارض تحديث القوانين بما يواكب تطورات القطاع الصحي، فذلك ضرورة تفرضها المتغيرات العلمية والمهنية. غير أن السؤال الحقيقي لا يتعلق بمشروعية الإعلان عن هذه المنتجات، بل بالجهة التي تضمن صحة مضمونه ودقته، لأن أي معلومة طبية مضللة قد تتحول إلى خطر مباشر على صحة المواطن.

فالحديث هنا لا يدور حول تنظيم السوق فحسب، وإنما حول تنظيم محتوى طبي قد يبني عليه المريض قرارًا يتعلق بعلاجه.

ومن هنا، فإن أي تشريع لا يضع حماية الإنسان في مقدمة أولوياته يبقى تشريعًا ناقصًا، مهما كانت أهدافه الاقتصادية أو التنظيمية.

وهنا تبرز نقطة جوهرية تستحق التوقف عندها، وهي أن مناقشة أي قانون يتعلق بالأدوية والإعلانات الدوائية لا ينبغي أن تتم بمعزل عن أهل الاختصاص، وفي مقدمتهم نقابة الصيادلة، باعتبارها المرجعية المهنية والعلمية الأقدر على تقييم مضمون هذه الإعلانات ومدى توافقها مع المعايير الطبية والأخلاقية.

وبحسب ما أعلنته نقابة الصيادلة، فإن المشروع بصيغته الحالية لم يأخذ بملاحظاتها الفنية، رغم أنها قدمت رؤية متكاملة تستند إلى خبرة مهنية متراكمة.

والأكثر إثارة للاستغراب أن المشروع، وبعد أن أُعيد سابقًا إلى اللجان النيابية لاستكمال دراسته ومعالجة ثغراته، عاد تقريبًا بالصيغة ذاتها، من دون إدخال تعديلات جوهرية على آليات الرقابة أو وضع معايير واضحة لمنح الموافقات على الإعلانات الدوائية.

وفي المقابل، لم تكتفِ النقابة بإبداء الاعتراض، بل طرحت بديلًا عمليًا ومتوازنًا يقوم على السماح بالإعلان عن المتممات الغذائية، والأدوية التي تُباع من دون وصفة طبية (OTC)، وحليب الأطفال لمن تجاوزوا السنة الأولى، شريطة إخضاع المادة الإعلانية لمراجعة علمية مسبقة من لجنة مشتركة تضم وزارة الصحة، ونقابة الصيادلة، ونقابة الأطباء.

ولا يهدف هذا الاقتراح إلى تقييد الإعلان أو الحد من النشاط التجاري المشروع، بل إلى ضمان وصول معلومات صحية دقيقة وموثوقة إلى المواطن، بعيدًا عن المبالغات أو الادعاءات غير المثبتة علميًا.

فالإعلان عن دواء أو مستحضر علاجي يختلف جذريًا عن الإعلان عن أي سلعة استهلاكية أخرى، لأن أثره لا يقتصر على قرار الشراء، بل قد يمتد إلى التأثير في قرار علاجي يتعلق بصحة الإنسان. وقد أثبتت التجارب، ولا سيما عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أن المعلومات الطبية المضللة تنتشر بسرعة كبيرة، وأن ضحيتها الأولى تكون صحة المواطنين.

ومن هنا، فإن المطلوب ليس تأجيل مناقشة المشروع أو عرقلته، بل استكماله على أسس علمية، من خلال دعوة نقابة الصيادلة إلى جلسات لجنة الصحة النيابية للاستماع إلى رأيها الفني، إلى جانب وزارة الصحة وسائر الجهات المختصة. فالتشريع يكتسب قوته عندما يُبنى على خبرة أهل الاختصاص، لا عندما يُصاغ بمعزل عنهم.

إن إحكام الرقابة ووضع ضوابط قانونية واضحة للإعلانات الدوائية لا يقتصران على تنظيم السوق، بل يشكلان ضمانة حقيقية لحماية المواطنين من التضليل، وتعزيز ثقتهم بالدواء، وصون الصحة العامة.

وفي النهاية، تبقى صحة المواطن المعيار الذي ينبغي أن تُقاس عليه جميع التشريعات. فلا قيمة لأي انفتاح في مجال الإعلان إذا كان ثمنه تضليل الناس أو تعريضهم لمخاطر صحية.

فالتشريع الرشيد لا يكتفي بتنظيم السوق، بل يحمي الإنسان أولًا، ويستند إلى خبرة أهل الاختصاص، لأن الأدوية لا تُشرَّع بالاجتهاد السياسي وحده، بل بالشراكة مع المرجعيات العلمية والمهنية، وفي مقدمتها نقابة الصيادلة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا