ترتيبات جولة روما.. خطة الجيش اللبناني لتأمين بؤر الانسحاب الإسرائيلي
المناطق التجريبية: إسرائيل باعت لبنان "من كيسه"
لا يمكن توصيف ما انتهى إليه اجتماع روما التفاوضي بأقل من كلمة استخفاف إسرائيلي - أميركي بلبنان، ومحاولة جرّه تدريجياً إلى اتفاق شامل مع إسرائيل بقوة الاحتلال والتفجيرات المستمرة. وستكون حجة لبنان في كل مرة أن الدبلوماسية أفضل من إراقة الدماء، وأن ما يُؤخذ من إسرائيل بالمفاوضات أفضل وأكثر مما يمكن تحقيقه بغير ذلك.
ألف علامة استفهام حول ما تم الاتفاق بشأنه، وقبل أن يخرج من يؤكد صوابية الخيار، ويصوّر ما حصل على أنه إنجاز. فإسرائيل اختارت سبع بلدات جنوبية لتكون مناطق تجريبية، هي: الزوطرين الشرقية والغربية، وفرون، والغندورية، وقلاوية، وبرج قلاوية، وصريفا. وهي بلدات لا يخضع بعضها للاحتلال، بينما توجد إسرائيل على أطراف زوطر الشرقية، وتسيطر على الغربية بالنار.
في واشنطن تم الاتفاق على مبدأ المناطق التجريبية، وفي روما تم تحديدها، بينما بقي تطبيقها معلقاً على أن يتم خلال أيام قليلة، بعد أن يكون الاجتماع العسكري الثلاثي الافتراضي قد أقرّ طريقة الانسحاب وآليته، وكيفية انتشار الجيش اللبناني، وما يفترض أن يقوم به من سحب السلاح ومنع دخول المسلحين، وهي نقطة ملغومة.
وكان المطروح أن يُعقد الاجتماع الثلاثي في الناقورة، لولا رفض الجيش، على اعتبار أن الناقورة منطقة محتلة، ولا يمكن الاجتماع في أراضٍ تحتلها إسرائيل. الجيش ذاته كان رفض مبدأ المناطق التجريبية، واشترط أن تكون محتلة، ورفض أن يكون عمله خاضعاً لإملاءات إسرائيلية.
الجهة التي رفضت عقد الاجتماع في الناقورة هي ذاتها التي تحفظت على البلدات التجريبية، على اعتبار أنها ليست محتلة بالمطلق، بينما لا يمكن تصنيف المناطق الأخرى على أنها خاضعة للنار، في حين أن لبنان بأسره خاضع للنار الإسرائيلية حالياً.
فكيف تُصنَّف بعض البلدات على أنها خاضعة للنار، بينما تُستثنى أخرى واقعها مماثل؟ وكيف يمكن تأكيد أن إسرائيل ستلتزم بالتنفيذ من دون شروط مسبقة، وأولها التأكد مما تعتبره جدية الجيش وقدرته على تنفيذ مهامه بالشكل الذي يرضيها؟
مؤخراً، صارت إسرائيل تستهدف المدنيين العزل بحجة أنهم عناصر في حزب الله. فكيف يمكن تحديد المسلحين لمنع دخولهم إلى المناطق التجريبية؟ وهل سيكون المطلوب من الجيش أن يقوم بما عجزت إسرائيل عن القيام به، أي تفتيش المنازل ومداهمتها بحثاً عن السلاح؟
امتحان الدولة وجيشها
تقع البلدات التي صُنّفت تجريبية، لتكون موضع امتحان للدولة اللبنانية وجيشها، في جنوب النهر وشماله. وهذا ما أكده مصدر إسرائيلي لصحيفة معاريف الإسرائيلية، قال إن المحادثات أسفرت عن توافق بشأن منطقتين تجريبيتين أوليتين في جنوب لبنان، بهدف اختبار قدرة الجيش اللبناني على بسط سيادة الدولة في تلك المناطق، ومنع عودة حزب الله إليها.
وضمن الرقعة التجريبية تقع صريفا، التي دمرتها إسرائيل عن بكرة أبيها، ومثلها قلاويه وبرج قلاويه الخاضعتان لسيطرة قوات اليونيفيل. وهذه بلدات تقع جنوب الليطاني، وقد سبق أن تعاون الجيش بشأنها مع حزب الله، فتم إخلاؤها وانتشر الجيش على أراضيها. أما الزوطران فتقعان شمال الليطاني، إحداهما محتلة كلياً، والأخرى تحت النار، كما هي حال البلدات الأخرى مثل كفررمان والنبطية الفوقا وغيرهما.
إذن، لم ينتهِ اجتماع روما إلى نتائج بطولية، بل إن الإسرائيلي "باع لبنان من كيسه"، وقبلت الدولة أن تمرر إسرائيل خدعتها عليها. واشترطت إسرائيل معرفة تفاصيل خطة انتشار الجيش اللبناني، وآلية تعامله مع حزب الله. كما أن التوسع في تنفيذ المناطق التجريبية سيكون مشروطاً بنجاح المرحلة الأولى، وإثبات قدرة الجيش اللبناني على فرض السيطرة الكاملة، وتفكيك البنى العسكرية، ومنع عودة حزب الله. وقد لا يلقى عمل الجيش رضى إسرائيل، فترفض المضي قدماً، وقد يستغرق إنجاز المناطق التجريبية أشهراً، وقد ينجز الانسحاب الكلي خلال سنوات، إن حصل، ووافقت إسرائيل على التخلي عن المنطقة الأمنية، التي لم يحن أوان بحثها بعد.
فضلاً عن ذلك، لم يتم الاتفاق على منع إسرائيل من حرية الحركة أثناء تنفيذ المناطق التجريبية. فمن يمنعها إذا استهدفت من تعتبره هدفاً يشكل خطراً عليها؟ وماذا لو لم توافق على عمل الجيش ورأت فيه تقصيراً؟
لكن، على أي حال، فالأمور بخواتيمها، وما ستشهده الأيام القليلة المقبلة، وقبلها ما سينتهي إليه الاجتماع العسكري اللبناني - الإسرائيلي - الأميركي، الذي يفترض أن يحدد الأسس التنفيذية للانسحاب وانتشار الجيش.
مخاوف حزب الله
حزب الله الذي لا يزال الوحيد الملتزم اتفاق إسلام آباد لوقف النار، يتخوف من أن يكون هدف "التجريبي" تكليف الجيش اللبناني القيام بمهام لا تريد إسرائيل القيام بها، وهذا معناه استسلام الدولة بالكامل لإرادة إسرائيل، والخضوع لشروطها، ووضع الجيش تحت الوصاية الإسرائيلية المباشرة.
والمريب هنا أن ثمة محاولة لتوريط الجيش، وجعل عمله خاضعاً لرقابة قوات الاحتلال، وإن كان ذلك عبر وسيط أميركي لن يكون وسيطاً محايداً، بدليل ما كان عليه الوضع في جلسات المفاوضات الست.
فضلاً عن ذلك، تسير الدولة في بحث سبل تنفيذ اتفاق الإطار، وهي تعتبر أن الاتفاق هو إطار لا يستوجب عرضه على مجلس الوزراء. فمن سيمنح الجيش أمراً بالانتشار في المناطق التجريبية؟ وهل سيكون الانتشار تلقائياً أم يحتاج إلى قرار حكومي؟
لبنان أمام معضلتين: دولة تسلّم أوراقها بالكامل لإسرائيل بحجة أن البادئ أظلم، والحزب وحليفه في الثنائية اللذين لا يتوقفان عن معارضة الاتفاق معارضة شفهية لا تستند إلى أساس قانوني ودستوري.
وبين الطرفين، تمضي إسرائيل في التفجير والجرف، بينما نمضي نحن في التفاوض والتنازل، ويرضينا أن نتحول إلى حقل تجارب، لتمنحنا إسرائيل شهادة حسن سلوك، نحملها إلى واشنطن.
غادة حلاوي - المدن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|