تركيا تفرض نفسها على واشنطن... قراءة إسرائيلية لانكماش الدور الإسرائيلي
لم تعد الأزمة بين إسرائيل وتركيا محصورة بملف مقاتلات "F-35" أو بتصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، بل تحوّلت، وفق قراءة إسرائيلية، إلى اختبار أوسع لمكانة تل أبيب داخل واشنطن، بعدما استهلكت الحرب في إيران ما تبقى من رصيدها السياسي وقدرتها على المناورة أمام الإدارة الأميركية.
وبحسب مقال للصحافي ناداف إيال في موقع "ynet" الإسرائيلي، فإن "المشهد من تركيا هو، أولًا وقبل كل شيء، مشهد من النفاق"، إذ يرى أن تركيا تُقاد من زعيم سلطوي ذي طابع إسلامي واضح. ويذكّر بأن الإمبراطورية العثمانية كانت تُسمى قبل الحرب العالمية الأولى "الرجل المريض"، أما اليوم، فيمكن وصفها، من زاوية إسرائيلية، بأنها "اللاعب المنفلت والمتطرف على الخريطة الإقليمية".
لكن الكاتب يلفت في المقابل إلى أن هذه تبقى زاوية إسرائيلية، لأن الأتراك، بحسب المقال، هم الذين ساهموا في وقف الحرب في غزة، وهم الذين ضغطوا لإنهاء الحرب في إيران. ويضيف أن لتركيا، صحيح، مصالح إمبريالية في سوريا وربما في لبنان، لكنه يطرح السؤال: أليست تركيا أفضل من إيران؟ كما يشير إلى أن كثيرين في أوروبا سيضيفون أنها أفضل أيضًا من الحكومة الإسرائيلية الحالية.
ويرى المقال أن القصة الأساسية لا تتعلق فقط بطائرة "F-35". ففي هذا الملف، يحصل الأتراك على "غفران لا يستحقونه"، وفق تعبير الكاتب. فقد كانوا جزءًا من مشروع هذه الطائرة، إلى أن قرر أردوغان، في إحدى "نوباته المعهودة"، أن الغرب شارك في محاولة الانقلاب ضده. وبعد ذلك، خرق الاتفاق حول المقاتلة بشكل فاضح، وطلب منظومات دفاع روسية.
وبهذا، وجدت تركيا نفسها في وضع بالغ التعقيد، داخل فخّ صنعته "الحماقة"، بحسب المقال: سلاح جو منسّق مع حلف شمال الأطلسي ومزوّد بطائرات غربية، لكن من دون قدرة كاملة على الوصول إلى قطع الغيار وإلى مستقبل المقاتلات الأميركية.
وكان يمكن، وفق إيال، استغلال هذا الفخ لفرض سلوك أكثر عقلانية على أردوغان، وخصوصًا في ما يتعلق بإسرائيل. لكن هنا تدخل إلى الصورة قوة التأثير التركي في العواصم الغربية، بما فيها واشنطن. فهذا التأثير، بحسب المقال، كبير جدًا. واليوم، تبدو أنقرة قوية لدى بعض رجال الإدارة الأميركية بما لا يقل عن إسرائيل، وربما أكثر منها.
ويشير الكاتب إلى أن إسرائيل ومؤسستها الأمنية تعاونتا بشكل عميق مع المنظومات الأمنية التركية. ويصف ذلك بأنه "عالم من الكلام المزدوج والمخادع": على السطح، خطابات متطرفة من أردوغان وشركائه، وآخرها من وزير الخارجية المؤثر، وربما خليفته المحتمل، الذي تحدث بتعابير اعتبرها الكاتب معادية للسامية بشكل صريح. أما تحت السطح، وحتى قبل سنة ونصف سنة، فكان هناك تعاون وثيق وسري بين الجهات الأمنية في أنقرة والقدس، وكل ذلك بموافقة أردوغان.
غير أن هذا السد، بقدر ما صمد، انهار بالكامل. فالعلاقات بين الدولتين في تدهور، وما كان قائمًا من تعاون سري مقابل تصريحات تركية قتالية انتهى. أما الاعتراف الإسرائيلي بالإبادة الأرمنية، فكان "المسمار الأخير"، بحسب المقال.
لكن جوهر القصة، وفق الكاتب، ليس مع تركيا بل مع الولايات المتحدة. فإسرائيل استخدمت كل قطرة رصيد بقيت لها خلال الحرب في إيران. أما قدرتها على توجيه المواعظ للولايات المتحدة بشأن الحفاظ على التفوق النوعي الإسرائيلي، وخصوصًا في مواجهة حليفة مركزية في حلف شمال الأطلسي، فقد تراجعت إلى الصفر تقريبًا.
ويكتب إيال أن من اعتقد أن الحرب في إيران ستغيّر الشرق الأوسط كان مخطئًا. لكنها فعلت أمرًا آخر: أنهت عناصر الصبر وقدرة المناورة لدى القدس في واشنطن، "نظريًا".
ويختم المقال بالإشارة إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو يدير الآن حملة علنية. ويقول الكاتب إنه استخدم كلمة "نظريًا" لأن نتنياهو لا يريد أن يخسر. وربما يشعر بأنه قادر على إثارة معارضة كافية في العاصمة الأميركية. وفي الحد الأدنى، سيتمكن من القول إنه حاول. وهذا أيضًا شيء، في زمن الانتخابات.
هكذا تبدو أنقرة، في القراءة الإسرائيلية، عنوانًا لأزمة أعمق من صفقة سلاح أو خلاف سياسي، أزمة تكشف أن المعركة الحقيقية لم تعد فقط على النفوذ في الشرق الأوسط، بل على من يملك الكلمة الأقوى داخل واشنطن.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|