الإمارات منحت لبنان الثقة… فهل تهدرها الدولة؟
في الاقتصاد، ليست كل المبادرات تُقاس بالأموال. أحيانًا تكون إشارة الثقة أغلى من أي استثمار، لأنها هي التي تحدد اتجاه رؤوس الأموال لاحقًا.
هذا تمامًا ما فعلته دولة الإمارات العربية المتحدة عندما أعلنت السماح مجددًا لمواطنيها بالسفر إلى لبنان، بعد سنوات من الحظر الذي بدأ عام 2021. فالقرار لم يكن مجرد إجراء يتعلق بالسياحة، بل جاء في سياق سياسي واقتصادي أوسع، أعقب إعادة تنشيط العلاقات الرسمية بين البلدين، وحمل رسالة واضحة بأن أبوظبي قررت منح لبنان فرصة جديدة. (The Business Standard)
لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا سيفعل لبنان بهذه الفرصة؟
فالبيان المشترك الصادر عقب اللقاء بين رئيس الجمهورية العماد جوزاف عون ورئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان لم يقتصر على تسهيل السفر، بل تضمن خطوات اقتصادية عملية، أبرزها الاتفاق على إنشاء مجلس أعمال إماراتي – لبناني، وإيفاد بعثة من صندوق أبوظبي للتنمية لدراسة مشاريع تعاون واستثمار داخل لبنان. أي أن الرسالة الإماراتية لم تكن سياحية فقط، بل كانت أيضًا رسالة اقتصادية واضحة مفادها أن الباب مفتوح أمام عودة رأس المال إذا توفرت البيئة المناسبة. (L’Orient Today)
وهنا تبدأ المفارقة.
ففي الوقت الذي ترسل فيه الإمارات إشارات انفتاح وثقة، يجد أحد أبرز المستثمرين الإماراتيين، رجل الأعمال خلف الحبتور، نفسه في مواجهة الدولة اللبنانية أمام المركز الدولي لتسوية منازعات الاستثمار (ICSID)، بموجب اتفاقية تشجيع وحماية الاستثمارات الموقعة بين لبنان والإمارات.
قد تربح الدولة اللبنانية هذه القضية، وقد يربحها الحبتور. لكن في عالم الاستثمار، لا يقتصر التقييم على نتيجة الحكم. فمجرد انتقال نزاع بين دولة ومستثمر إلى هيئة تحكيم دولية يشكل بحد ذاته مؤشرًا يراقبه المستثمرون عند تقييم مخاطر أي سوق. فصاحب رأس المال لا يسأل فقط عن حجم الأرباح الممكنة، بل يسأل أيضًا: ماذا يحدث إذا وقع نزاع؟ وهل أجد حلًا سريعًا وفعّالًا داخل مؤسسات الدولة، أم أضطر إلى اللجوء إلى التحكيم الدولي؟
وهنا تكمن القضية الحقيقية.
فالإمارات ليست مستثمرًا عاديًا في لبنان. وتشير بيانات رسمية إماراتية إلى أن الاستثمارات الإماراتية المباشرة بلغت نحو 7.8 مليارات دولار بين عامي 2003 و2016، أي نحو 64.8% من إجمالي الاستثمارات العربية خلال تلك الفترة، ما جعلها أكبر مستثمر عربي في الاقتصاد اللبناني. وهذا الواقع يعكس حجم الثقة التي منحتها الإمارات للبنان على مدى سنوات، قبل أن تتراجع بفعل الأزمات السياسية والمالية والإدارية. (المستقل)
ومن هنا، فإن قضية الحبتور لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها خلافًا بين رجل أعمال ودولة، بل باعتبارها اختبارًا لصورة لبنان الاستثمارية. فكل مستثمر خليجي أو أجنبي يفكر اليوم بالدخول إلى السوق اللبنانية سيراقب كيف تُدار هذه الملفات، لأن طريقة معالجة النزاعات تشكل جزءًا أساسيًا من تقييم بيئة الأعمال.
والواقع أن لبنان لا ينافس اليوم على جذب الاستثمارات وحده. فدول المنطقة، من السعودية إلى الإمارات وقطر ومصر، تخوض سباقًا مفتوحًا لاستقطاب رؤوس الأموال عبر تحديث التشريعات، وتسريع فض النزاعات، وتحسين بيئة الأعمال. أما لبنان، الذي يمر منذ عام 2019 بإحدى أعمق الأزمات الاقتصادية في تاريخه الحديث، فلا يملك ترف إضاعة أي فرصة لإعادة بناء الثقة.
فالمستثمر لا يبني قراره على المؤتمرات ولا على الخطابات الرسمية، بل على الوقائع. يقرأ استقرار التشريعات، وفاعلية القضاء، واحترام العقود، وسرعة الفصل في النزاعات، وإمكانية تحويل الأموال والأرباح، قبل أن يقرأ نسب العائد المالي.
ومنذ انتخاب رئيس الجمهورية، تؤكد الدولة اللبنانية في مختلف المحافل العربية والدولية أنها تريد استعادة الاستثمارات الخليجية وإعادة وصل لبنان بعمقه العربي. وهذه رسالة إيجابية بلا شك. لكن نجاحها يبقى مرتبطًا بترجمة عملية على الأرض، لأن الثقة تُبنى بالأفعال لا بالوعود.
لقد منحت الإمارات لبنان فرصة جديدة، ليس فقط بعودة مواطنيها، بل بإرسال إشارة سياسية واقتصادية إلى الأسواق بأن صفحة جديدة يمكن أن تُفتح. غير أن هذه الإشارة وحدها لا تكفي إذا لم تقابلها الدولة اللبنانية بخطوات تعزز ثقة المستثمر، وتؤكد أن لبنان لا يرحب برأس المال العربي عند دخوله فحسب، بل يوفر له أيضًا بيئة قانونية وقضائية وإدارية تحميه طوال مدة استثماره.
فالاقتصادات الخارجة من الأزمات لا تنهض بالقروض وحدها، ولا بالمساعدات وحدها، ولا بالسياحة وحدها. إنها تنهض عندما تستعيد ثقة المستثمر. والإمارات، بقرارها الأخير، أعادت هذه الثقة إلى لبنان سياسيًا. أما الحفاظ عليها اقتصاديًا، فلم يعد مسؤولية أبوظبي، بل مسؤولية الدولة اللبنانية نفسها.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|