إسرائيل لتركيا... الدرس الأول للاحتلال اسمه القسطنطينية وقضية الأرمن وما بينهما...
إلى معارضي الاتفاق اللبناني الإسرائيلي، تحتاجون الى دهاء حافظ الأسد لإسقاط 17 أيار جديد؟
لم يكن الرئيس حافظ الأسد مجرد رقم في معادلة الشرق الأوسط، بل كان هو المعادلة ذاتها؛ رجلٌ استطاع بمفرده وبذكاء سياسي فذ أن يحول سوريا إلى "سوريا الأسد" المحورية، لاعباً على حبال التناقضات الدولية ببراعة صائغ ماهر.
لقد أدار صراعه مع إسرائيل بعقلية "الاستثمار الاستراتيجي"، فخاض حروبه دون أن يستنزف من رصيده السياسي مع امريكا او يدفع ليرة واحدة من الخزينة السورية أو يقدم جندياً سورياً واحداً في مواجهات مباشرة مع اسرائيل، بل جعل من شباب المقاومة اللبنانية، التواقين للتحرير لبنان، رأس حربة بمباركة ودعم إيراني، في حين كان يحصل على "ثمن العبور" السياسي والعسكري، إذ تذكر التقارير والمتابعات أنه كان يتقاضى مقابل كل رصاصة تصل للمقاومة صندوقاً من الذخائر لجيشه.
وفي الوقت نفسه، خدم أمن نظامه ونفوذه بتفكيك كافة أذرع "حركة فتح" في لبنان، محولاً ثقلها المالي إلى استثمارات في الداخل السوري، كما فرض على ليبيا 1978 دعم مؤسسات سورية ضخمة تحت غطاء تسهيل العمل الفلسطيني، وما إن أينعت الاستثمارات وتضخمت، حتى افتعل "القطيعة" السياسية مع معمر القذافي 1988، لتؤول تلك الإمبراطوريات المالية للدولة السورية، تماماً كما فعل مع استثمارات "فتح" بعد عام 1982.
هذا الدهاء الذي حكم علاقته بالحلفاء والخصوم، تجلى في موازنته الدقيقة بين موسكو وواشنطن؛ فقد تحالف مع الاتحاد السوفيتي عسكرياً، لكنه تقاطع مع امريكا سياسيا، منع بموجبها الروس من امتلاك موطئ قدم استراتيجي في سوريا يقطع عليه خط الرجعة مع الأمريكيين او يمنح الاتراك ذريعة للانقضاض عليه.
ولعل المحطة الأبرز التي وثقتها مذكرات ساسة تلك المرحلة هي "كمين الكويت" عام 1990؛ حين أعطى إشارات طمأنة لصدام حسين بأنه سيقف مع الجيش العراقي في حال تعرض لعدوان أجنبي، وهو موقف شجع صدام على العناد ورفض الانسحاب، ليرتد الأسد فوراً ببراعة المناور، معلناً رفضه احتلال دولة عربية لأخرى، وناعياً النظام الأمني العربي عبر جامعة الدول العربية، ومطالباً باللجوء إلى "المرجعية الدولية".
عاتب الرئيس العراقي الاسد بشدة وذكره بوعده انه سيقف مع العراق، ضحك الاسد لان امريكا اصبحت بالخليج وصدام حسين في الكويت واصبح الجميع "بخانه الياك" وبحاجة الى موقفه.
كانت تلك الرسالة هي "الضوء الأخضر" الذي التقطته واشنطن، فدخلت سوريا في حلف "حفر الباطن"، وبالمقابل قبض الأسد الثمن غالياً: تفويضاً أمريكياً كاملاً للإطاحة بخصومه، اضعف نظام صدام حسين، واخرج الجنرال ميشال عون من لبنان واعتقل الدكتور سمير جعجع وحل القوات اللبنانية وشرد الموارنة في العالم، وبسط الوصاية المطلقة على القرار اللبناني، ونال استقبالاً تاريخياً من جورج بوش الأب، ورفعاً للعقوبات الدبلوماسية والاقتصادية عن سوريا، وضغطت امريكا على دول الخليج لدعم الاقتصاد السوري، وحول سوريا إلى بوابة إلزامية في مفاوضات مدريد للسلام.
وفي ملفات الأمن القومي المعقدة، استخدم الأسد "ورقة" عبد الله أوجلان منذ عام 1980 كأداة ضغط وخنجر في الخاصرة التركية، لكنه حين أدرك في أواخر التسعينيات أن حالته الصحية لن تسعفه لإدارة هذا الملف المعقد، وبأن أوجلان قد يتحول إلى عبء على من يخلفه في حكم سوريا، سارع إلى تسليمه في أول صفقة سياسية سانحة 1998، مانعاً بذلك قيام "كونتون كردي" كان يراه خطراً مستقبلياً.
هذا النفس الطويل هو ذاته الذي أسقط به اتفاق 17 أيار؛ فبينما كان العالم يظن أن الاتفاق قد أُبرم، كان الأسد يحيك خيوط النهاية من خلف الستار، دافعاً بحلفائه نبيه بري ووليد جنبلاط وزاهر الخطيب إلى الواجهة.
لقد اكد الرئيس نبيه بري لاحقاً أن الثقل الاستراتيجي لحافظ الأسد كان هو المرتكز الذي منع انهيار المعارضة اللبنانية وفرض إلغاء الاتفاق.
وفي مذكراته ومقابلته الأخيرة مع "الجزيرة"، رسم وليد جنبلاط صورة دقيقة لهذا الدهاء، واصفاً الأسد بأنه كان يتصرف كـ "صائغ مجوهرات" يوزع أوراق القوة العسكرية بدقة متناهية، ويتحكم في إيقاع المعارك في الجبل وبيروت دون أن ينزلق لمواجهة مباشرة مع واشنطن، بل لنسف الاتفاق تدريجياً من الداخل.
حتى جورج شولتز، وزير الخارجية الأمريكي آنذاك، اعترف في مذكراته بمرارة اللقاء مع الأسد في دمشق؛ حيث وصف الأسد الاتفاق بأنه "صك استلام"، وأبلغ شولتز بوضوح تام أن إسرائيل لن تجد سلاماً في لبنان ما دام في دمشق نظام يرفض ذلك.
إن المقارنة بين ذلك الزمن واليوم تكشف فجوة هائلة؛ فإسقاط الاتفاقات الدولية اليوم لا يحتاج إلى الضجيج الإعلامي أو "السياسي"، بل يحتاج إلى عقل "حافظ الاسد" الذي كان يعمل في السياسة ببرود ودهاء وامامه "جاط" من زهور الياسمين.
لكن المشكلة اليوم ان امريكا تعلمت من تجاربها مع حافظ الاسد، وبالمقابل اعداء امريكا لم يتعلموا ولا يوجد عقل سياسي مثل عقل الاسد.
"ليبانون ديبايت"- ناجي علي امهز
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|