الصحافة

هدنة التقاط الأنفاس أم حبسها؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتزامن انطلاقة الجولة الجديدة من المفاوضات في واشنطن بين الوفدين اللبناني والإسرائيلي برعاية أميركية مع اختتام جولات المحادثات الأميركية – الإيرانية في سويسرا، والتي أفضت إلى توافق على استمرار الحوار ضمن هدنة تمتد ستين يومًا، إضافة إلى تشكيل لجنة خماسية لمتابعة تنفيذ وقف إطلاق النار في لبنان.

وتشكّل هذه المهلة تحديًا حقيقيًا لكل من الولايات المتحدة وإيران في اختبار قدرتهما على تثبيت التهدئة على الجبهة اللبنانية، وضبط مسار الأحداث الميدانية، وإلزام كل من حزب لله وإسرائيل بالالتزام بشروط الهدنة المرتقبة. غير أن مهلة الستين يومًا تبدو متنفسًا لمعظم الأطراف الإقليمية والدولية، باستثناء لبنان الذي يستمر في دفع الثمن الأكبر.

فإيران تنظر إلى هذه الفترة بوصفها فرصة لتحسين شروطها التفاوضية مع واشنطن وتعزيز موقعها الإقليمي، مستفيدة من نفوذها في الممرات الاستراتيجية للطاقة وما يتيحه ذلك من تأثير على أسواق النفط العالمية. وفي المقابل، يسعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى استثمار الهدنة لاحتواء تداعيات ارتفاع أسعار الطاقة، وتخفيف الضغوط الداخلية، وإعادة ترتيب أولويات السياسة الخارجية والأمنية الأميركية.

أما رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فيتعامل مع المهلة باعتبارها فرصة لاستكمال عملياته العسكرية في الجنوب، وتعزيز سيطرته على المواقع التي يعتبرها استراتيجية لأمن المستوطنات الشمالية، مع الاستمرار في استنزاف القدرات العسكرية لحزب لله إلى أقصى حد ممكن.

لكن بينما تحقق الأطراف المختلفة مكاسب سياسية أو تفاوضية من هذه المرحلة، يبقى الجنوب اللبناني وأهله من يدفعون الكلفة اليومية من أرواحهم وأرزاقهم واستقرارهم. كما يدفع لبنان بأسره ثمنًا باهظًا نتيجة الانهيار الاقتصادي والأزمة الاجتماعية والمعيشية الخانقة التي ترهق دولة منهكة ومؤسسات تعاني من ضعف مزمن وفقدان الثقة.

وتشكّل هذه المرحلة أيضًا اختبارًا دقيقًا للمؤسسة العسكرية اللبنانية، التي يُنتظر منها مواكبة أي ترتيبات ميدانية محتملة، لا سيما الاقتراح المتداول حول إنشاء منطقة تجريبية ينسحب منها الجيش الإسرائيلي لتُسلَّم إلى الجيش اللبناني تحت إشراف ومراقبة اللجنة الخماسية.

إنها مرحلة بالغة الحساسية بالنسبة للبنان، الذي يحاول التمسك بسيادته عبر الاستمرار في مسار التفاوض، في الوقت الذي يجد نفسه جزءًا من معادلات إقليمية ودولية أكبر منه، حيث يُتعامل معه أحيانًا كورقة تفاوض لا كشريك كامل في صناعة القرار. ويترافق ذلك مع انقسام داخلي حاد؛ ففريق يرى في التطورات الإقليمية انتصارًا لمحور إيران مهما كانت الكلفة اللبنانية، فيما يراهن فريق آخر على استعادة الدولة لدورها الحصري في حماية الوطن وصون المصلحة الوطنية العليا بعيدًا عن أي اعتبارات فئوية أو إقليمية.

وفي هذا السياق، نستحضر كلمات المفكر الفرنسي ريمون آرون: «السلام مستحيل، والحرب غير محتملة.»

وهي من أدق العبارات التي تصف حالة التوازن الهش والهدنة المؤقتة التي تعيشها المنطقة ضمن ما يسمى بمهلة الستين يومًا.

إن مهلة الستين يومًا قد تكون فترة لالتقاط الأنفاس بالنسبة لبعض الأطراف، لكنها بالنسبة للبنان أشبه بفترة حبس للأنفاس. فالبلاد لا تملك ترف المراهنة على الوقت، لأن كل يوم يمر يحمل معه مزيدًا من الخسائر البشرية والاقتصادية والاجتماعية.

وبناءً عليه، تبقى نقطة الالتقاء الأولى بين مساري التفاوض الأميركي – الإيراني من جهة، واللبناني – الإسرائيلي من جهة أخرى، متمثلة في نجاح اللجنة الخماسية في تثبيت وقف إطلاق النار، وتأمين الانسحاب الإسرائيلي من المواقع المتفق عليها وتسليمها إلى الجيش اللبناني. وقد يشكّل ذلك المدخل الضروري لتهيئة ظروف تفاوضية أكثر استقرارًا حول القضايا الخلافية الكبرى، وفي مقدمتها مستقبل سلاح حزب لله والانسحاب الإسرائيلي الكامل، بما يتيح للبنان فرصة الخروج من دائرة الصراع المفتوح التي استُدرج إليها طوال سنوات، واستعادة دوره كدولة سيدة قادرة على حماية مصالحها الوطنية وصون استقرارها.

نادين سلام -اللواء

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا