خريس: عندما تتوافر الضمانات سيدعو بري أبناء الجنوب للعودة إلى قراهم
طهران تخدع "الحزب"
حفلة التكاذب مستمرة. طهران تكذب على “حزب الله”، و “الحزب” يكذب على بيئته. كذب بكذب، وتضليل بتضليل، ونفاق بنفاق.
يحاول “حزب الله” تسويق رواية انتصار جديدة، تمامًا كما فعل في محطات سابقة انتهت بخسائر أكبر من الشعارات التي رافقتها. لكن الوقائع هذه المرة أكثر قسوة من أن تُخفى، وأكثر وضوحًا من أن تُزوَّر.
الكذبة الأولى تقول إن الاتفاق الإيراني – الأميركي يمنع إسرائيل من التحرك عسكريًا في لبنان. والحقيقة أن الصيغة المتداولة للاتفاق لا تلغي حق إسرائيل في الرد أو في ما تسميه “الدفاع عن النفس” إذا اعتبرت أن هناك تهديدًا مصدره “حزب الله”. وهذا ما أبلغه بوضوح الرئيس الأميركي دونالد ترامب لرئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال الاتصال الأخير بينهما. وعزّز هذا الأمر ما كشفه مسؤول إسرائيلي عن طلب حاسم من واشنطن عدم تقييد العمل العسكري الإسرائيلي في لبنان.
هذا الواقع تعرفه طهران جيدًا، ويعرفه “الحزب” أيضًا، لكنه يختار إخفاءه عن جمهوره لأنه يهدم سردية “الانتصار” التي يعمل على تسويقها منذ أسابيع.
أما الكذبة الثانية فتتمثل في الإيحاء بأن الاتفاق سيفرض على إسرائيل الانسحاب من الأراضي التي احتلتها في الجنوب. هذه الكذبة التي تسعى إيران إلى تسويقها تلقفها “حزب الله”، واضعًا بيئته مجددًا في مستنقع أوهام لا تمت إلى الحقيقة بصلة.
إذ إن الوقائع الميدانية تشير إلى العكس تمامًا. فالجيش الإسرائيلي لا يتصرف كقوة تستعد للانسحاب، بل كقوة تعزز تموضعها وتحصّن مواقعها وتوسّع نطاق انتشارها. من مجدل زون إلى كفرتبنيت، ومن العويضة إلى تبنين وتلال علي الطاهر، تبدو الصورة واضحة: تثبيت للوجود العسكري ولا مؤشرات جدية على إنهائه في المدى المنظور. كما أن النبطية أصبحت بحكم الساقطة.
والأخطر أن “الحزب” يطلب من بيئته تصديق رواية الانسحاب رغم أن أبناء الجنوب يرون بأعينهم ما يحدث على الأرض. فكيف يمكن الحديث عن انسحاب وشيك فيما الدبابات تتقدم، والتحصينات تتوسع، والأعلام الإسرائيلية ترتفع فوق التلال الاستراتيجية؟
أما الكذبة الثالثة، وهي الأكبر والأكثر خطورة، فتتمثل في محاولة إقناع اللبنانيين بأن إيران هي من سيعيد الجنوب وأهله إلى بيوتهم وأرزاقهم. والحقيقة أن أي انسحاب إسرائيلي، وأي تثبيت لوقف إطلاق النار، وأي ترتيبات أمنية مستدامة، لن تتحقق إلا عبر الدولة اللبنانية ومفاوضاتها ورعايتها المباشرة لأي تفاهمات دولية. ويعرف “حزب الله” قبل غيره أن طريق الحل يمر عبر الدولة لا عبر شعارات المحاور، وعبر الدبلوماسية لا عبر الاستثمار السياسي في معاناة الناس.
على وقع الكذب والنفاق من خلال إخراج هزيل وبطولة كرتونية، يجري الحديث عن مهلة الستين يومًا الخطرة، وهي الفترة المتفق عليها لاستكمال المفاوضات حول القضايا العالقة بين أميركا وإيران. فماذا سيحدث خلال هذه المهلة؟
التجارب السابقة تدفع إلى الحذر أكثر مما تدعو إلى التفاؤل. فإيران التي تدخل مرحلة تفاوضية حساسة تحتاج إلى المحافظة على أوراق قوتها الإقليمية كاملة وغير منقوصة. وفي مقدمة هذه الأوراق تأتي الساحة اللبنانية، باعتبارها إحدى أكثر الجبهات قدرة على التأثير في الحسابات الإسرائيلية والأميركية معًا.
من هنا، لا تبدو مصلحة طهران خلال الأسابيع المقبلة في إقفال الملف اللبناني نهائيًا أو السماح ببلورة تسوية مستقرة على الحدود الجنوبية. بل على العكس، قد يكون من مصلحتها إبقاء لبنان في منطقة رمادية بين الحرب والسلام، بحيث تبقى جبهة الجنوب مصدرًا دائمًا للضغط والتهديد والرسائل المتبادلة.
الخطورة الحقيقية تكمن في أن لبنان قد يصبح خلال الستين يومًا المقبلة رهينة مرحلة انتقالية لا يملك قرارها.
ولهذا فإن الخشية اليوم ليست من الحرب القائمة فقط، بل من الحرب المؤجلة.
في هذا الوقت، بدأ العد العكسي للجولة الخامسة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية التي ستنعقد في 22 حزيران في وزارة الخارجية على مستوى عسكري، وفي 23 حزيران على المستويين السياسي والعسكري معًا، وفي 24 حزيران على مستوى سياسي حصرًا.
وفي معلومات “نداء الوطن” أن هذه الاجتماعات ستكون مصيرية، خصوصًا أنها الأولى بعد الاتفاق الإيراني – الأميركي المزمع توقيعه. وتؤكد المصادر أنه سيتم التعاطي خلالها بكل واقعية، مع التركيز على تنفيذ الـPilot Zone، ولا سيما أن وقف إطلاق النار سيكون مساعدًا في عملية التطبيق.
كما سيتم الاتفاق على المناطق التي سيبدأ منها الجيش اللبناني عملية التطبيق. وهنا يقترح الطرف الإسرائيلي أن يبدأ من المناطق التي لا يزال “حزب الله” يستخدمها لإطلاق الصواريخ خارج الخط الأصفر، بينما يفضّل لبنان أن تكون المناطق التجريبية ضمن الخط الأصفر، يبدأ معها الانسحاب الإسرائيلي تدريجيًا ضمن فترة يتم الاتفاق عليها.
وفي المعلومات أيضًا أن الوسيط الأميركي سيحمل إلى الاجتماعات فكرة تتعلق بمراقبة عملية التنفيذ والجهة التي يمكن أن تكون مقبولة من الجميع وتحمل على عاتقها الرقابة على الأرض.
على كل حال، وبينما تنشغل الدولة اللبنانية بمحاولة انتزاع حلول واقعية توقف الحرب وتفتح الباب أمام الانسحاب وإعادة الإعمار، يواصل “حزب الله” تسويق أوهام ورهن الجنوب في بازار التفاوض الإيراني. لكن المشكلة أن الوقائع لا تكذب. فالخرائط لا تكذب. والميدان لا يكذب. وعندما تنكشف كواليس الاتفاق الإيراني – الأميركي بالكامل، سيكتشف كثيرون أن ما قُدّم لهم على أنه انتصار تاريخي لم يكن سوى فصل جديد من حفلة التكاذب الكبرى التي يديرها النظام الإيراني على أنقاض الجنوب ودماء اللبنانيين، و “حزب الله” شاهد زور على ذلك.
نخلة عضيمي - نداء الوطن
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|