محليات

خطاب حزب الله بين الشائعات والحقيقة

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

في السياسة، حين تعجز الأحزاب عن إقناع جمهورها بالنتائج، تلجأ إلى إقناعه بالمخاوف. وحين يصبح الواقع عبئاً على الخطاب، تتحول الشائعات إلى مادة سياسية يومية. وهذا بالتحديد ما يفعله حزب الله اليوم.

فبعد سنوات طويلة من تقديم نفسه كقوة منتصرة وقادرة على تغيير موازين المنطقة، يجد الحزب نفسه أمام واقع مختلف تماماً: جنوب مدمّر، آلاف العائلات المهجّرة، اقتصاد منهار، وإعادة إعمار متعثرة، فيما لبنان الرسمي والعالم يبحثان عن مخارج للأزمة. هنا، لم يعد ممكناً تبرير كل هذا الواقع بالانتصارات والشعارات، فكان لا بد من العودة إلى السلاح الأقدم في السياسة: التخويف.

التخويف من الدولة. التخويف من التطبيع. التخويف من إسرائيل الكبرى. التخويف من الطوائف الأخرى. والتخويف من أن الشيعة لا يملكون قوة إلا من خلال السلاح.

لكن ماذا لو وضعنا هذه الروايات أمام الوقائع؟

أولاً: بين التطبيع واتفاق عدم الاعتداء
يحاول حزب الله الإيحاء بأن الدولة اللبنانية تسير نحو التطبيع مع إسرائيل، وأنها لا تكترث لدماء أبناء الجنوب، فيما الحقيقة مختلفة تماماً.
ما طُرح رسمياً على لسان رئيس الجمهورية ليس اتفاق سلام، الحديث يدور حول اتفاق عدم اعتداء، وهو أمر مختلف جذرياً عن التطبيع.
التطبيع يعني انتقال العلاقة من حالة العداء إلى حالة التعاون السياسي والاقتصادي والثقافي وفتح السفارات والتبادل التجاري والسياحي.
أما اتفاق عدم الاعتداء فهو مجرد إطار أمني بين دولتين متخاصمتين يهدف إلى منع الحروب والاعتداءات المتبادلة وضمان الاستقرار على الحدود.
بل إن عشرات الدول عبر التاريخ وقّعت اتفاقات مشابهة مع خصومها من دون أن تتحول إلى حلفاء أو شركاء سياسيين.

والسؤال البديهي هنا: كيف سيعود أهل الجنوب إلى قراهم إذا بقيت الحدود ساحة مفتوحة للحروب؟ وكيف ستبدأ إعادة الإعمار إذا بقي المستثمرون والجهات المانحة مقتنعين بأن أي مواجهة جديدة يمكن أن تندلع في أي لحظة؟

من يتحدث عن الاستقرار لا يتخلى عن الجنوب، بل يحاول إنقاذه. ومن يسعى لمنع الحرب لا يتجاهل الدماء، بل يحاول منع دماء جديدة.

ثانياً: أسطورة إسرائيل الكبرى
من أكثر الروايات التي يجري تداولها داخل البيئة المؤيدة للحزب الحديث المتكرر عن مشروع "إسرائيل الكبرى" الذي سيبتلع لبنان والمنطقة.
لكن العودة إلى الوقائع تكفي لإظهار حجم المبالغة في هذا الطرح.
فلو كانت إسرائيل تملك فعلاً مشروعاً استيطانياً لضم الأراضي المحيطة بها، لماذا انسحبت من شبه جزيرة سيناء المصرية؟ ولماذا انسحبت من جنوب لبنان عام 2000؟
لقد بقي الجيش الإسرائيلي سنوات طويلة في جنوب لبنان، لكنه لم ينشئ مستوطنة إسرائيلية واحدة هناك، ولم يفرض اللغة الإسرائيلية على السكان، ولم يسع إلى دمج المنطقة داخل الدولة الإسرائيلية.
أما الحديث المتكرر عن خرائط "إسرائيل الكبرى"، فيشبه إلى حدٍّ ما خرائط "سوريا الكبرى" التي هندسها مؤسس الحزب السوري القومي الاجتماعي أنطون سعادة. فهو يستند غالباً إلى تصريحات شخصيات إسرائيلية متطرفة مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، وهما يمثلان تياراً متشدداً داخل إسرائيل لا يتجاوز حجم مؤيديه حجم مؤيدي التيار القومي السوري، ولا يشكلان إجماعاً إسرائيلياً، ولا تعكس مواقفهما بالضرورة السياسات الرسمية للدولة.

الأهم من ذلك أن المنطقة نفسها تتجه في اتجاه مختلف تماماً. فالاتفاقات الاقتصادية والاستثمارية التي نشأت في إطار الاتفاقات الإبراهيمية تقوم على مشاريع اقتصادية وتجارية وتنموية، لا على ضم الأراضي وإعادة رسم الخرائط.

بمعنى آخر، هناك فرق بين مشروع سياسي حقيقي قائم على الوقائع، وبين استخدام مخاوف تاريخية لتبرير بقاء السلاح خارج الدولة.

ثالثاً: السلاح يحمي الشيعة من بقية الطوائف
واحدة من أخطر الأفكار التي يحاول الحزب ترسيخها هي أن السلاح يشكل ضمانة وجودية للطائفة الشيعية في مواجهة بقية الطوائف اللبنانية.
لكن هذه الرواية تصطدم بحقيقة بسيطة: لا أحد في لبنان يطرح إلغاء الشيعة أو إقصاءهم أو حرمانهم من دورهم الوطني.
بل على العكس، جميع القوى السياسية الأساسية تتحدث عن الشراكة الوطنية وعن دولة تضم الجميع تحت سقف واحد.
حتى أشد المعارضين لسلاح حزب الله يكررون أن المشكلة ليست مع الطائفة الشيعية، بل مع وجود قوة عسكرية مستقلة عن الدولة.
ولطالما صدرت مواقف واضحة من شخصيات وقوى سياسية متنوعة تؤكد أن الشيعة مكوّن أساسي في لبنان، وأن الخلاف سياسي يتعلق بمسألة السلاح ودور الدولة وليس بالطائفة نفسها.
من هنا، يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان لا أحد يستهدف الشيعة كطائفة، فلماذا يجري تصوير كل نقاش حول السلاح وكأنه استهداف للطائفة بأكملها؟

رابعاً:  السلاح هو مصدر القوة الوحيد للشيعة
ربما تكون هذه أكثر الروايات ظلماً للطائفة الشيعية نفسها.
فحزب الله يحاول إقناع جمهوره بأن قوة الشيعة تكمن حصراً في السلاح. وكأن تاريخ الشيعة في لبنان بدأ مع البندقية وينتهي عندها.
لكن الحقيقة أن قوة الشيعة الحقيقية سبقت السلاح بسنوات طويلة.
هي في العلماء والمفكرين والأدباء والمبدعين ورجال الأعمال والمهنيين الذين صنعوا حضورهم في لبنان والعالم.
هي في حسن كامل الصباح الذي ساهم في تطوير العلوم الحديثة.
هي في الشيخ عارف الزين الذي أسس مدرسة فكرية وصحافية رائدة.
هي في علماء جبل عامل الذين كانوا منارات للعلم والثقافة في المنطقة.
وهي أيضاً في آلاف الأطباء والمهندسين والأكاديميين ورواد الأعمال الشيعة الذين ينجحون كل يوم داخل لبنان وخارجه.
المشكلة أن الحزب حاول خلال العقود الماضية استبدال هذه الصورة بصورة أخرى: شاب يحمل سلاحاً، يدور على دراجة نارية، يعيش خارج منطق الدولة والقانون، ويُقدَّم بوصفه النموذج الأعلى للقوة والنفوذ.
وهنا تكمن المأساة الحقيقية.
لأن الطائفة التي أنجبت علماء ومخترعين ومفكرين لا يجوز أن تُختصر بالبندقية.
والبيئة التي صنعت نهضة فكرية وثقافية كبيرة لا يجوز أن يُقال لها إن مصدر قوتها الوحيد هو السلاح.

اليوم، أكثر ما يحتاجه الشيعة كما يحتاجه كل اللبنانيين هو التحرر من سياسة الخوف.
الخوف من الدولة. الخوف من السلام. الخوف من الطوائف الأخرى.
فالأمم لا تُبنى بالخوف، والطوائف لا تُحمى بالخوف.

وحين يصبح الخطاب السياسي قائماً على الشائعات والتهويل أكثر من الحقائق، فهذا لا يعني أن الخطر يقترب، بل يعني غالباً أن أصحاب الخطاب لم يعودوا يملكون ما يكفي من الوقائع لإقناع جمهورهم.

لهذا السبب بالذات، فإن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين الشيعة وبقية اللبنانيين، ولا بين الجنوب والدولة، بل بين خطاب يريد إبقاء الناس أسرى المخاوف، وخطاب آخر يحاول إقناعهم بأن مستقبلهم يمكن أن يكون أفضل من حاضرهم.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا