"حزب الله كان على بُعد خطوة"... رواية إسرائيلية عن الهجوم الذي لم يقع
في وقت تتصاعد فيه مشاعر الإحباط والقلق داخل إسرائيل نتيجة استمرار المواجهات على الجبهة الشمالية والهجمات المتواصلة بالمسيّرات القادمة من لبنان، تكشف تقديرات صادرة عن أوساط عسكرية إسرائيلية عن صورة مختلفة تماماً، عنوانها الحديث عن إنجاز استراتيجي كبير وفرصة قد تفتح الباب أمام سنوات طويلة من الهدوء.
وبحسب تقرير للصحافي الإسرائيلي عاميت سيغال نشرته صحيفة "يسرائيل هيوم"، فإن الفجوة بين المزاج الشعبي المتشائم في الشارع الإسرائيلي والتفاؤل السائد داخل المؤسسة العسكرية تبدو اليوم أكبر من أي وقت مضى.
ويشير التقرير إلى أن كبار قادة الجيش الإسرائيلي يعتقدون أن حزب الله تلقى أقسى ضربة في تاريخه، وبات، وفق توصيفهم، "منظمة شبه مفككة". ووفق التقديرات الإسرائيلية الواردة في التقرير، كان الحزب يضم نحو 30000 مقاتل في 6 تشرين الأول 2023، قُتل منهم منذ ذلك الحين 8000 عنصر، فيما أصيب عدد مماثل بجروح.
وينقل سيغال عن مسؤولين عسكريين قولهم إن "حتى العدو الجهادي أصبح يتوق إلى وقف إطلاق النار".
وفي هذا السياق، يورد التقرير أن رئيس الأركان الإسرائيلي أبلغ في نقاشات مغلقة دعمه لأي اتفاق محتمل شرط استيفاء ثلاثة عناصر أساسية: أولاً انسحاب حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، وثانياً تدمير كامل بنيته التحتية عبر آلية إسرائيلية - أميركية بدلاً من الجيش اللبناني، وثالثاً بقاء الجيش الإسرائيلي على طول "الخط الأصفر"، بما يشمل مواقع استراتيجية مثل قلعة الشقيف.
ويكشف التقرير أن المؤسسة العسكرية الإسرائيلية لم تعد مرتاحة لاستخدام تعبير "الفخ الاستراتيجي" الذي استُخدم سابقاً لوصف دخول حزب الله الحرب دعماً لإيران خلال عملية "الأسد الهادر". وبحسب مسؤولين عسكريين، فإن الحزب كان يواجه صعوبة متزايدة في استيعاب الضربات الإسرائيلية حتى قبل اغتيال المرشد الإيراني علي خامنئي، وكان يقترب من اتخاذ قرار الرد بغض النظر عن التطورات المرتبطة بإيران.
كما يوضح التقرير أن الجيش الإسرائيلي أبدى استياءً من الانتقادات التي وجهها بعض جنرالات الاحتياط للرد العسكري الإسرائيلي على وابل صاروخي وصف بأنه "رمزي". ويقول مسؤولون عسكريون إن ما رصدوه خلال الأسبوع الأول من آذار كان كفيلاً بتغيير نظرتهم بالكامل، بعدما شاهدوا مئات المقاتلين من قوة الرضوان يعبرون نهر الليطاني.
وينقل التقرير عن هؤلاء المسؤولين تساؤلهم: "لو نجحت عملية اقتحام واحدة لمستوطنة واحدة، لكنا جميعاً اضطررنا إلى الاستقالة. ماذا كان يفترض بنا أن نفعل سوى مواجهتهم على أرضهم وقتلهم؟".
وبحسب التقرير، ركز حزب الله لاحقاً على السلاح الذي حقق من خلاله أبرز نجاحاته، أي المسيّرات. إلا أن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تقرّ بعدم وجود حل شامل ونهائي لهذا التهديد على غرار منظومة "القبة الحديدية"، معتبرة أن المواجهة ستعتمد على مجموعة من الوسائل المتكاملة التي توفر استجابة جزئية.
ويشير التقرير إلى أن المؤسسة العسكرية تحاول تهيئة الرأي العام الإسرائيلي لهذه المعادلة، مؤكدة أن أي سلاح يدخل ساحة المعركة لا يختفي بل يتطور مع الوقت، تماماً كما حدث مع الدبابات والصواريخ المضادة للدروع والطائرات، وصولاً إلى المسيّرات.
ورغم استمرار المواجهات، يؤكد سيغال أن تقديرات المؤسسة الأمنية تتحدث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق خلال أيام أو أسابيع. بل إن بعض المسؤولين، وفق التقرير، كانوا سيطلبون من سكان كريات شمونة ونهاريا تحمل بضعة أسابيع إضافية إذا كان الثمن اتفاقاً يضمن هدوءاً لسنوات طويلة.
ويلفت الكاتب إلى أنه لم يشهد منذ سنوات طويلة فجوة بهذا الحجم بين التشاؤم الشعبي والتفاؤل المسيطر على دوائر صنع القرار، مستعيداً أجواء نهاية حرب تموز 2006، حين اعتبر الرأي العام الإسرائيلي أن الحرب انتهت بفشل كبير وأن حزب الله خرج منها أقوى مما كان عليه.
وفي الجزء الثاني من مقاله، يتوقف سيغال عند كتاب "06:29" للصحافي الإسرائيلي عاموس هرئيل، الذي يتناول الساعات الأولى من هجوم 7 تشرين الأول وما رافقها من إخفاقات أمنية وعسكرية.
ويكشف الكتاب أن المراقبة العسكرية ياعيل ليبوشور حذرت زميلتها كارينا أرييف عند الساعة 4:00 فجراً من أن "هجوماً سيقع". وبعد ساعات قليلة قُتلت ليبوشور داخل غرفة العمليات في ناحال عوز، فيما اختُطفت أرييف إلى غزة.
كما يورد الكتاب معطى لافتاً يفيد بأن أول مقاتل تسلل بواسطة طائرة شراعية كان قد دخل الأراضي الإسرائيلية عند الساعة 6:17 صباحاً، أي قبل الوقت الذي ارتبط لاحقاً ببداية الهجوم.
ويصف هرئيل هذه الوقائع بأنها "الفشل الذي سبق الفشل"، معتبراً أن المؤسسة السياسية والعسكرية برمتها ساهمت في تكريس المفاهيم التي سمحت بنمو التهديد.
ويشير كذلك إلى أن رؤساء الحكومات المتعاقبين، بمن فيهم بنيامين نتنياهو ونفتالي بينيت ويائير لابيد، لم يغيّروا المقاربة الأساسية المعتمدة تجاه غزة.
وفي مقابلة أوردها التقرير، يرى هرئيل أنه حتى لو جرى اكتشاف المؤشرات المبكرة وإحباط الهجوم في يومه، فإن إسرائيل كانت ستبقى في مواجهة قوتين عسكريتين كبيرتين مدعومتين من إيران على حدودها، ما كان سيؤدي في نهاية المطاف إلى اندلاع مواجهة واسعة.
ويعتبر أن الفارق يكمن في حجم الكارثة، موضحاً أن هناك فرقاً بين حادث أمني محدود يؤدي إلى مقتل عدد من الجنود وبين "الهزيمة المدوية والمجزرة والصدمة الوطنية" التي عاشتها إسرائيل في 7 تشرين الأول.
ويقر هرئيل بأنه كان من بين الذين لم يدركوا في حينه حجم التهديد الذي راكمته حماس على مدى سنوات، مضيفاً أن إسرائيل لم تكن قادرة على التعايش إلى ما لا نهاية مع وجود "جيشين إرهابيين ضخمين" على حدودها من دون اتخاذ خطوات حاسمة.
كما يعترف بأنه قلّل من تقدير خطر الصواريخ ومدى تطورها بعد الانسحاب من غزة، لكنه يرى في المقابل أن استمرار الوجود الإسرائيلي داخل القطاع كان سيؤدي إلى استنزاف طويل الأمد من نوع مختلف.
ويختم التقرير بالإشارة إلى أن ما حدث في 7 تشرين الأول كان يمكن أن يكون أكثر خطورة بكثير، إذ تحدث قائد المنطقة الجنوبية يارون فينكلمان عن احتمال دخول نحو 200000 فلسطيني إلى الأراضي الإسرائيلية لو سارت الأحداث في مسار مختلف.
أما الخلاصة التي تستنتجها المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفق التقرير، فهي ضرورة تطوير "الخيال العسكري"، بعدما تخيل خصومها هزيمتها والسيطرة على أراضٍ إسرائيلية، فيما لم تتخيل هي أنهم يفكرون بهذه الطريقة أساساً.
وبين تفاؤل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية وتشاؤم الشارع، تبقى الأسابيع المقبلة كفيلة بإظهار ما إذا كانت رهانات تل أبيب على اتفاق طويل الأمد ستتحقق، أم أن الجبهة الشمالية تتجه نحو جولة جديدة من المواجهة.
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|