"قاطع... أنت لست شجرة"... سوريا على حواف الهاوية
أطلق ناشطون على منصات عدة حملة جاءت بعنوان «قاطع ... أنت لست شجرة»، والحملة التي تدعو الشارع داخل سوريا، وخارجها، لمقاطعة الأقليات عموما، والعلويين على وجه التحديد، كانت قد انطلقت يوم 30 أيار الفائت بالتزامن مع يوم الكشف عن ملابسات قضية الطبيبة رانيا العباسي التي اختفت شهر آذار من العام 2013 مع أطفالها الستة بعد أيام من اعتقال زوجها الطبيب عبد الرحمن ياسين المعروف بمشاركته في تقديم الدعم للنازحين، وكانت «الهيئة الوطنية للمفقودين» في سوريا قد أعلنت، في ذاك اليوم، عن «التوصل إلى نتائج موثوقة تؤكد على وفاة الطبيبة رانيا العباسي وأطفالها الستة» كما أشارت الهيئة إلى أنها دعمت التحقيق بمقاطع فيديو وبيانات أسهمت في تعزيز الأدلة، مشيرة إلى معطيات أولية حول تورط أمجد يوسف، الذي سبق وأن اعتقلته قوات الأمن العام بريف حماة يوم 24 نيسان الفائت، في تلك المجزرة، كما أعلنت وزارة الداخلية في بيان لها أن التحقيقات التي أجرتها مع موقوفين قد أفادت بمقتل الأطفال على «يد مجموعات تابعة للنظام البائد".
وفي غضون أيام قليلة راحت الحملة تسري كما النار في الهشيم، لتتوسع منشوراتها داعية الشارع السني للقيام بما يشبه العزل المجتمعي للأقليات عبر مقاطعة تطول جوانب النشاط الإجتماعي كافة لهذه الأخيرة، بدءا من الدعوة لمقاطعة السلع المرتبطة بهم، مرورا بالتحذير من التعامل مع الأطباء والصيادلة والممرضين، ووصولا إلى الإمتناع عن شراء الخضر والفواكه من متاجرهم، أو تشغيل عمال البناء منهم، وسرعان ما تجاوزت الحملة البعد التجاري إلى التحريض الديموغرافي عبر حث «شارعها» في حمص إلى شراء عقارات العلويين لإجبارهم «على النزوح والعودة إلى قراهم الأصلية»، ورفض «استئجار المنازل منهم أو إشراكهم في عمليات الترميم وإعادة الإعمار»، كما امتدت دعوات أخرى إلى قطاع السياحة والخدمات عبر وسم «اللاذقية السنية»، و حملة «قاطعوا المرابعية»، حيث أشارت صفحات إلى إعداد «قوائم سوداء» للمطاعم والإستراحات الواقعة على الطرق الدولية السريعة الممتدة بين دمشق وحمص وحلب نحو الساحل السوري بهدف شل نشاطها وحركتها .
لا يعرف حجم الإستجابة الشعبية لتلك الدعوات في أوساط الشريحة المستهدفة، لكن المنشورات تظهر أن تلك الدعوات تلقى صدى لا بأس به، وأيا يكن ذلك الحجم فإن من شأن تلك الحملة أن تهدد قيم التعايش والسلم الأهلي على حد سواء، وتسهم في تحقيق الإنقسام المجتمعي بدرجة أكبر من تلك الحاصلة الآن، وأسوأ ما في الأمر أن من يقود تلك الحملة، ويذكي نيرانها، محسوبون على شريحة المثقفين والناشطين وبعض رجال الدين، واللافت في الأمر هو صم السلطة لأذنيها تجاه ذاك الأمر، على الرغم من أن الفعل الذي تثيره الحملة يمثل انتهاكا صارخا للـ«الإعلان الدستوري»، و خرقا للمادة 7 منه، التي تقول بتجريم «إثارة النعرات والتحريض على العنف المجتمعي»، وتلزم السلطة قانونيا بـ«حفظ السلم الأهلي ومنع الإنقسام»، والشاهد هو أن منصة «سيريا شيفت»، المقربة من وزارة الإعلام السورية، كانت قد نشرت محتوى يدعو إلى «سحب الأطفال العلويين من أسرهم»، فيما أشار محتوى آخر إلى الطائفة العلوية على أنها «حاضنة البائدين وحظيرتهم الشعبية»، بل إن «مدونة السلوك المهني والأخلاقي» التي أطلقتها وزارة الإعلام 15 شباط المنصرم، بقيت حبرا على ورق، وهناك بعض الموقعين عليها ممن شاركوا علنا بانتهاك بنودها، وأطلقوا عبارات تحريض تسببت بأعمال عنف طائفي، وسط غياب تام للمحاسبة.
لم تعرف سوريا في تاريخها مثل هذه التوجهات، ولا شهدت خلاياها رميا لكل هذا الكم من «القيح» على مر ذلك التاريخ، ولعل الفعل بات يهدد بصهر هذا «اللاصق» المتبقي بين شرائحها ومكوناتها، ولا مبالغة في القول أن سوريا اليوم تقف على حواف الهاوية ما لم يسارع السوريون أنفسهم إلى انتشالها من تلك الوضعية، فالإطمئنان إلى الوعود الأميركية القاضية بـ"وحدة التراب السوري» وحده لا يكفي، إذ لطالما كان لآخرين مشروعهم النقيض، وفي النهاية سيحسم الأمر عبر «وزنة» الداخل الكفيلة بتثقيل إحدى الكفتين على الأخرى.
عبد المنعم علي عيسى -الديار
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|