خريطة طريق للإصلاح أم تشخيص متأخر لأزمة الدولة؟
يشكل التقرير الأخير لصندوق النقد الدولي حول الحوكمة والفساد في لبنان محطة مفصلية في مسار فهم الأزمة اللبنانية بأبعادها الحقيقية، وأهمية التقرير لا تنبع فقط من كونه وثيقة تقنية أعدتها مؤسسة دولية، بل لأنه يضع للمرة الأولى تشخيصاً متكاملاً يربط بين الانهيار الاقتصادي وبين الاختلالات المزمنة في بنية الدولة وآليات إدارتها.
ورأى مصدر مالي معني في حديث الى "وكالة اخبار اليوم" أن "التقرير يعيد توجيه النقاش من النتائج الظاهرة للأزمة، مثل انهيار العملة وتعثر القطاع المصرفي وتراجع القدرة الشرائية، إلى الأسباب البنيوية التي أدت إليها، مؤكداً أن الأزمة اللبنانية ليست مجرد أزمة مالية أو نقدية، بل هي أزمة حوكمة ومؤسسات بالدرجة الأولى".
وأشار إلى أن "التقرير يكتسب أهمية إضافية نظراً إلى توقيت صدوره، إذ يأتي بعد مرحلة من الجمود السياسي والمؤسساتي الذي عرقل التعاون مع الجهات الدولية وأخر مسارات الإصلاح". وبرأيه: "انتخاب رئيس للجمهورية وتشكيل حكومة جديدة أتاحا فرصة لإعادة إطلاق الحوار مع صندوق النقد والمؤسسات الدولية، إلا أن هذه الفرصة تبقى مرتبطة بقدرة السلطات على الانتقال من مرحلة التعهدات إلى مرحلة التنفيذ".
ولفت المصدر إلى أن "أحد أبرز الاستنتاجات التي يتضمنها التقرير يتمثل في اعتباره أن الفساد في لبنان ليس حالات فردية أو تجاوزات ظرفية، بل ظاهرة متجذرة في بنية الإدارة العامة نتيجة تراكم ثغرات قانونية وإدارية على مدى سنوات طويلة". وهذا الواقع، وفق المصدر، "ساهم في إضعاف مؤسسات الدولة وتقويض ثقة المواطنين والمستثمرين على حد سواء".
وفي ما يتعلق بالمالية العامة، أوضح المصدر أن "التقرير يسلط الضوء على أوجه القصور المزمنة في إدارة المال العام، بدءاً من التأخر في إقرار الموازنات وصولاً إلى الإنفاق خارج الأطر القانونية وضعف الرقابة على المؤسسات العامة". واعتبر أن "هذه الممارسات ساهمت بصورة مباشرة في تفاقم العجز المالي وتراكم الاختلالات التي انفجرت مع اندلاع الأزمة".
أما في الشق المتعلق بمصرف لبنان والقطاع المالي، فرأى المصدر أن "التقرير يطرح للمرة الأولى بصورة واضحة مسألة تحديث الحوكمة داخل المصرف المركزي وتعزيز الشفافية في عملية اتخاذ القرار". وأضاف أن "استعادة الثقة بالقطاع المالي اللبناني لا يمكن أن تتحقق فقط من خلال معالجة أوضاع المصارف، بل تتطلب أيضاً إعادة بناء الأطر المؤسسية والرقابية التي تحكم السياسة النقدية والمالية".
وأكد المصدر أن "التقرير يسلط الضوء كذلك على الفجوة القائمة بين وجود قوانين وإجراءات خاصة بمكافحة غسل الأموال والفساد من جهة، وضعف تطبيقها على أرض الواقع من جهة أخرى". واعتبر أن "التحدي الأساسي لا يكمن في إصدار المزيد من التشريعات، بل في توفير مؤسسات مستقلة وقادرة على تنفيذ القوانين ومحاسبة المخالفين بعيداً من أي تدخلات سياسية".
وفي هذا الإطار، رأى المصدر أن "الإشارات الإيجابية الواردة في التقرير بشأن بعض الخطوات الإصلاحية الأخيرة، ولا سيما على مستوى السلطة القضائية، تشكل مؤشراً مشجعاً، لكنها لا تزال بحاجة إلى استكمال من خلال تعزيز استقلالية القضاء وتأمين الإمكانات البشرية والمالية اللازمة لتمكينه من أداء دوره الكامل".
وشدد المصدر على أن "الرسالة الأساسية التي يحملها تقرير صندوق النقد تتمثل في أن التعافي الاقتصادي لا يمكن أن يتحقق عبر المعالجات المالية وحدها، بل يحتاج إلى إعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والكفاءة والمساءلة". وأضاف أن "المجتمع الدولي بات ينظر إلى الإصلاح المؤسسي باعتباره المدخل الإلزامي لأي دعم مالي أو استثماري مستقبلي".
وخلص المصدر الى التأكيد أن "التقرير لا يقدم حلولاً جاهزة بقدر ما يرسم خريطة طريق واضحة للخروج من الأزمة، ونجاح هذه الخريطة يبقى مرهوناً بمدى استعداد القوى السياسية اللبنانية لترجمة التوصيات إلى خطوات تنفيذية فعلية. وبالتالي فإن لبنان يقف اليوم أمام فرصة جديدة لإعادة بناء الثقة الداخلية والخارجية، إلا أن الاستفادة منها تتطلب إرادة إصلاحية حقيقية تتجاوز الحسابات السياسية الضيقة وتضع مصلحة الدولة فوق أي اعتبارات أخرى".
داود رمال – "اخبار اليوم"
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|