عربي ودولي

نظام إيران يشتري الوقت مع ضغط خارجي وخوف داخلي

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتناول هذه الإحاطة مسار التفاوض والحرب والضغوط الدولية المحيطة بنظام ولاية الفقيه، في ظل تهديدات أميركية متصاعدة، وتحرّكات ديبلوماسية متقطعة، ورهان النظام على إطالة الوقت وإستخدام ورقة مضيق هرمز والإرتباطات مع الصين و"بريكس"، لتخفيف العزلة.

غير أن قراءة التطورات تكشف أن النظام لن ينجح حتى الآن في تحويل هذه الأوراق مكاسب إستراتيجية، بل يواجه مأزقاً خارجياً متفاقماً يتقاطع مع خوفه العميق من الداخل الإيراني والمقاومة المنظمة. 

في هذا المجال تشير المعطيات الى أن المفاوضات بين طهران وواشنطن لا تزال مستمرة، لكنها لا تعكس مساراً ثابتاً نحو تسوية نهائية. فقد نقلت "صوت أميركا" عن الرئيس ترامب قوله أن الولايات المتحدة كانت مستعدة لتنفيذ هجوم كبير جداً "ضد النظام لكنه قرّر تأجيله لفترة قصيرة"، على أمل أن تؤدي المحادثات إلى نتيجة.

كما أشار إلى أن السعودية وقطر  والإمارات وعدد من الدول الأخرى طلبت منه تأجيل التصعيد بضعة أيام لأنها تعتقد أن الوصول إلى إتفاق بات قريباً.

في المقابل أوردت "نيويورك تايمز" نقلاً عن مسؤولين في الشرق الأوسط أن الولايات المتحدة وإسرائيل تقومان بتحضيرات مكثفة لاحتمال استئناف الهجمات ضد إيران، وربما في وقت قريب. تشمل الخيارات المطروحة بحسب هذه المعطيات، ضرب أهداف عسكرية وبنى تحتية وإستخدام قوات عمليات خاصة داخل الأراضي الإيرانية واستهداف مواد نووية مدفونة في العمق. إلى جانب ذلك قال ترامب في حديث مع "أكسيوس" أن الولايات المتحدة ستضرب إيران "بشكل أشد من السابق" إذا لم تقدّم طهران عرضاً أفضل. بالتوازي استُؤنفت تحركات ديبلوماسية عبر باكستان في محاولة لإعادة تنشيط مسار التفاوض.

في هذا السياق اكتسبت زيارة ترامب للصين أهمية خاصة لأن إيران كانت أحد الملفات المطروحة. وقد لخصّ ترامب نتائج النقاش بالقول أن الصين لم تقدّم معدات عسكرية لإيران معتبراً أن هذا أمرٌ كبير، كما أشار إلى أن الصين تشتري كميات كبيرة من النفط الإيراني وتريد الإستمرار في ذلك. أما في النقاط المشتركة فقد تحدث ترامب عن اتفاق مع الصين على أن ايران يجب أن لا تمتلك سلاحاً نووياً، وأن مضيق هرمز يجب أن يبقى مفتوحاً، وأن لا تُفرض أي رسوم عبور على السفن. 
تكشف هذه المعطيات أن بكين رغم خلافاتها الواسعة مع واشنطن، ليست مستعدة لدفع ثمن إستراتيجي كبير من أجل نظام طهران. الصين تتحرّك بوصفها قوة إقتصادية كبرى تبحث عن مصالحها، ولا تريد تعريض تجارتها مع الولايات المتحدة أو مصالحها البحرية للخطر بسبب مغامرات النظام الإيراني. لكنها في الوقت نفسه لا تزال ترفض الهجمات الأميركية والإسرائيلية وتدعو إلى حل سياسي، وتؤكد ضرورة إبقاء طرق الملاحة وخصوصاً مضيق هرمز مفتوحة. حاول النظام أيضاً إستخدام منصة "بريكس" لكسر عزلته السياسية. وفي إجتماع عُقد في الهند تحدث عباس عرقجي وهاجم مجلس الأمن الدولي فطلب علناً من دول "بريكس" إدانة ما وصفه بحرب أميركية وإسرائيلية ضد إيران. غير أن هذا الطلب لم يلق إستجابة حقيقية. بل أن الاجتماع كشف عمق الخلافات داخل المجموعة نفسها. إذ قدّم ممثل الإمارات موقفاً اعتبر فيه النظام الإيراني طرفاً معتدياً ومتدخلاً في شؤون الدول العربية. رد عليه ظريف آبادي بإتهام الإمارات بخيانة إيران والقضية الفلسطينية. انتهى الإجتماع من دون بيان مشترك ما مثّل فشلاً سياسياً واضحاً للنظام إذ عاد عرقجي من دون أي مكسب ملموس.

تكمن أهمية هذه التطورات في أنها تكشف أن النظام يحاول إدارة الأزمة عبر ثلاثة مسارات متوازية: "إطالة أمد التفاوض، التهديد بورقة مضيق هرمز، والبحث عن غطاء سياسي من الصين و"بريكس". لكنه في كل هذه المسارات يواجه حلولاً واضحة. فواشنطن لا تريد إنهاء المواجهة من دون نتيجة يمكن تقديمها كإنتصار. والصين لا تريد التضحية بمصالحها الكبرى من أجل طهران و"بريكس" رغم وجود قوى غير عربية داخله، لم يتحوّل مظلة دفاع حقيقية للنظام. أما تهديد مضيق هرمز فهو ورقة خطيرة قد تؤدي إلى تصعيد دولي أوسع ضد النظام بدل إنقاذه. 

أما النقاط الأساسية التي ينبغي التركيز عليها فهي الآتية:
-    لا تعني المفاوضات أن الأزمة تتجه تلقائياً نحو تسوية، بل تعكس محاولة كل طرف تحصين شروطه قبل أي قرار حاسم. 
-    يستخدم ترامب التهديد العسكري والضغط السياسي لدفع النظام إلى تقديم تنازلات أكبر.
-    يراهن النظام على إطالة الوقت معتقداً أن مرور الزمن يضغط على الولايات المتحدة بسبب أسعار النفط والرأي العام والحسابات الإنتخابية.
-    تُستخدم ورقة مضيق هرمز أداةً إبتزاز لكنها قد تتحول عامل تصعيد دولي ضد النظام.
-    لا تبدو الصين مستعدة لمنح النظام الإيراني غطاءً عسكرياً أو سياسياً مفتوحاً رغم إستمرار مصالحها النفطية معه. 
-    فشل النظام في إنتزاع موقف واضح من "بريكس" يكشف حدود رهاناته على التكتلات الدولية.
-    لا ينفصل المأزق الخارجي للنظام عن مأزقه الداخلي. فكلما ضاقت خياراته في الخارج ازداد خوفه من إنفجار الشارع في الداخل.

يحاول نظام طهران أن يقدّم نفسه طرفاً قادراً على الصمود أمام الضغوط الأميركية. لكنه في الواقع يتحرّك داخل مساحة ضيقة. فهو لا يستطيع التراجع بسهولة لأن أي تنازل كبير سيُفهم داخلياً كإقرار بالهزيمة. وقد يفتح الباب أمام صراعات أوسع داخل بنية السلطة. وفي الوقت نفسه لا يستطيع الذهاب إلى مواجهة شاملة من دون المخاطرة بإنهيار توازناته الداخلية والخارجية. لذلك يعتمد النظام سياسة شراء الوقت. فهو يطيل المفاوضات ويرفع سقف التهديدات ويستخدم مضيق هرمز ورقة ضغط على الإقتصاد العالمي، ويحاول إستثمار علاقاته مع الصين و"بريكس" ليقول أنه ليس معزولاً. غير أن هذه السياسة لا تُنتج حلاً بل تؤجل الإنفجار.

اللافت أن الصين رغم موقفها كقوة منافسة للولايات المتحدة لا تريد الدخول في منافسة مباشرة معها بسبب إيران. فهي قد تستمر في شراء النفط الإيراني، لكنها لا تبدو مستعدة لتحويل النظام حليفاً عسكرياً إستراتيجياً في مواجهة واشنطن. وهذا يُضعف حسابات طهران التي تراهن دائماً على تناقضات القوى الكبرى للهروب من أزماتها. أما فشل إجتماع "بريكس" في إصدار بيان مشترك يدين الولايات المتحدة وإسرائيل فيعكس أن النظام لم يعد قادراً بسهولة على تحويل مظلومية سياسية مزعومة إلى إصطفاف دولي داعم له. حتى داخل تكتل يضم قوى تنتقد الهيمنة الأميركية توجد مصالح متعارضة وقلق من سلوك النظام الإقليمي، ورفض لتحويل "بريكس" منصة دفاع عن مغامرات طهران.

لكن الأخطر بالنسبة إلى النظام هو أن هذه الضغوط الخارجية كلها تأتي فوق أرضية داخلية شديدة الهشاشة: إقتصاد منهك، أزمة عملة، أزمة طاقة ومياه، غضب إجتماعي، تآكل شرعية وصراعات داخلية. لهذا فإن النظام لا يخشى فقط نتيجة المفاوضات أو الضربات العسكرية بل يخشى أن تتحول الضغوط الخارجية شرارةً داخلية وأن تلتقي الأزمة الدولية مع انتفاضة شعبية تقودها مقاومة منظمة.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا