الصحافة

عندما يكون رئيس أميركا "مسيحياً" أكثر من "كبار" المسيحيين في شرقنا؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

لا نقدّم الرئيس الأميركي دونالد ترامب في الأسطر التالية كقديس، ولا كمدافع عن جماعة أو ديانة...، ولكن كشخص يُجيد الظهور والتعبير عن نفسه كما هو، وذلك بموازاة احتفاظه بشبكة كبيرة جداً من المصالح والعلاقات المتشابِكَة والمتناقِضَة والمتضارِبَة.

 جدل كبير

فقد شهدت العاصمة الأميركية تجمّعاً دينياً واسع النطاق، شارك فيه ترامب عبر فيديو مسجّل. وهو لقاء حمل طابعاً سياسياً ودينياً، قُدِّم باعتباره إعادة تكريس للأمة الأميركية كأمة واحدة تحت سلطة الرب. كما شارك بعض كبار المسؤولين في الإدارة الأميركية، من بينهم نائب الرئيس جيه دي فانس، ووزير الحرب بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ورئيس مجلس النواب مايك جونسون، ضمن إطار برنامج احتفالي وطني، يرتبط بالتحضيرات الرسمية والشعبية لإحياء الذكرى 250 لتأسيس الولايات المتحدة الأميركية، والمقرّر أن تبلغ ذروتها في 4 تموز القادم، يوم إعلان الاستقلال.

 واللافت جداً، كان الجدل الكبير الذي أحدثه اللقاء، بشأن حدود العلاقة بين الدِّين والدولة في الولايات المتحدة الأميركية، إذ برز خلاله استخدام رموز دينية مسيحية ضمن طابع سياسي، الى جانب أناشيد دينية وموسيقى مسيحية، مع إلقاء مسؤولين حكوميين كلمات وصلوات.

فمن خلال فيديو مسجّل، تلا ترامب مقطعاً من الكتاب المقدس داخل المكتب البيضاوي، يستشهد به كثيراً في العادة أنصار فكرة أن الولايات المتحدة تأسست على أُسُس مسيحية. وقدّم هيغسيث خطاباً ذات طابع ديني، أكد فيه أن الحقوق مصدرها الرب لا الحكومة، وأن قوة الدولة ترتبط بالإيمان. كما شارك جونسون بصلاة دعا فيها إلى مواجهة الأفكار والانحرافات الخطيرة، معتبراً أن الولايات المتحدة تمرّ بأزمة روحية وأخلاقية تستدعي العودة إلى الإيمان.

ألف سؤال...

وبمعزل عن الأهداف السياسية والانتخابية لترامب ولأعضاء إدارته، من جراء استخدام اللغة الدينية، وشدّ العصب الديني لدى نسبة كبيرة من الأميركيين. وبغضّ النظر عن أن اللقاء ضمّ عدداً من أبرز القادة الدينيين المؤيدين لترامب، الى جانب شخصيات دينية كاثوليكية وأرثوذكسية، إلا أن جرأة ترامب في إبراز أفكاره، وفي التعبير عن آرائه وعن خطاب ديني معيّن، تبدو لافتة جداً، في وقت أنه واحد من أبرز رجال الأعمال حول العالم، قبل أن يكون رئيساً لأميركا، ويتمتّع بعلاقات ومصالح "تريليونية" متعددة الهويات والجنسيات مع رؤساء وزعماء غير مسيحيين.

هذا بالنسبة الى أميركا وترامب، بينما تزخر المجتمعات والاحتفالات المسيحية في بلادنا، حتى الدينية والخاصّة منها، بكثير من مُحاباة الوجوه بإسم الوحدة الوطنية، والعيش المشترك، والمصالح الوطنية المشتركة...، وكأن الدفع باتّجاه القِيَم المسيحية يشكل تهديداً للسّلم الأهلي.

هذا مع العلم أن مُحاباة الوجوه تلك، تحصل بإشراف وطلب من مسؤولين وزعماء روحيين مسيحيين، وليس من علمانيين فقط، وهو ما يطرح ألف سؤال.

"تنويم مغناطيسي"

فأن يشارك رئيس أميركا، صاحبة أكبر شبكة علاقات متنوعة حول العالم، بتجمّع يزخر بخطابات تعزّز إظهار الولايات المتحدة الأميركية كدولة أُسِّسَت كأمّة مسيحية في الأساس، وينبغي أن تُدار وفق هذا الإطار، ومن دون أي اعتبار للانتقادات بشأن تأثير ذلك على صورة التعدّد الديني والتنوع الثقافي والإيديولوجي هناك، وعلى مبدأ الفصل بين الدين والدولة، (أن يشارك رئيس أميركا بهذا التجمّع...) فيما لا نستمع الى مسؤول روحي أو علماني مسيحي كبير في بلادنا، يتحدث عن قِيَم مسيحية جوهرية وعميقة بشأن العدالة مثلاً، والإصلاح، أو غيرها من الأمور... ولو خلال حلقة تلفزيونية، فهذا قد يشرح في مكان ما أسباب الأزمات الاجتماعية والأخلاقية والإيمانية... التي تعيشها المجتمعات المسيحية قبل الوطنية العامة في لبنان والشرق الأوسط. ونكتفي بهذا القدر.

طبعاً، نكرّر ونؤكد أننا لا نقول إن ترامب قديس. وبمعزل عن الانتقادات التي واجهها التجمّع في الداخل الأميركي، فإنه يبدو لافتاً جداً أن يكون رئيس أميركا، الى جانب نسبة كبيرة من أعضاء إدارته، أكثر جرأة في التعبير عن مكنوناتهم (بمعزل عن أهدافهم السياسية والاقتصادية الحقيقية من جراء توظيف الرموز والأبعاد الدينية في الخطاب الرسمي للدولة)، من مسيحيين في بلادنا، ينتمون لطبقة اجتماعية أو روحية رفيعة المستوى، وهم لا يفعلون شيئاً سوى التذمّر نهاراً وليلاً من التراجُع الذي أصاب الجماعات المسيحية على امتداد المنطقة، بينما يُمعنون هم في "تنويم" القِيَم المسيحية "مغناطيسياً" في الإطارَيْن المسيحي والوطني معاً.

أنطون الفتى - وكالة "أخبار اليوم"

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا