سقوط قاموس الممانعة: من "توازن الرعب" إلى زمن السلام الأميركي
لم يعد سقوط بعض المفردات السياسية في الشرق الأوسط مجرد تبدّل لغوي أو إعلامي، بل تحوّل إلى انعكاس مباشر لسقوط مرحلة كاملة بكل شعاراتها وتحالفاتها. فالمنطقة التي عاشت لعقود على وقع عبارات مثل “وحدة الساحات”، “محور الممانعة”، “توازن الرعب”، و”الصبر الاستراتيجي”، تبدو اليوم وكأنها تدخل قاموساً سياسياً جديداً فرضته الوقائع العسكرية والاقتصادية والتوازنات الدولية.
“وحدة الساحات” تراجعت لأن الأحداث أثبتت أن لكل ساحة حساباتها الخاصة. فلبنان الغارق بأزماته الاقتصادية ليس كغزة المحاصرة، والعراق ليس كسوريا أو اليمن، وكل طرف بات يحسب كلفة أي مواجهة على استقراره الداخلي ووضعه الاقتصادي. ومع كل تصعيد، ظهرت حدود هذا الترابط، لتتحول العبارة تدريجياً إلى شعار سياسي أكثر منها واقعاً فعلياً.
أما “محور الممانعة”، الذي قُدِّم لسنوات باعتباره مشروعاً إقليمياً متماسكاً، فقد واجه ضربات متراكمة أضعفت صورته. العقوبات الاقتصادية، الانهيارات المالية، الضغوط الأمنية، والتبدلات الإقليمية، كلها عوامل دفعت هذا المصطلح إلى التراجع. حتى البيئات الشعبية التي كانت تتفاعل مع خطاب “المواجهة الكبرى” أصبحت تبحث عن الاستقرار وفرص العمل والكهرباء والهجرة الآمنة أكثر من بحثها عن الحروب المفتوحة.
ومن أكثر المفردات التي فقدت بريقها أيضاً “الصبر الاستراتيجي”. هذا التعبير استُخدم طويلاً لتبرير تأجيل الردود وامتصاص الضربات على قاعدة أن الوقت يعمل لمصلحة هذا المحور أو ذاك. لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن هذا “الصبر” تحوّل إلى استنزاف طويل اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً، فيما بقيت موازين القوى الكبرى شبه ثابتة. لذلك، لم تعد العبارة تُقرأ كعنوان للقوة بقدر ما أصبحت توحي بمحاولة احتواء الخسائر وتفادي الانفجار.
الأمر نفسه أصاب “توازن الرعب”، وهي المعادلة التي قيل إنها تمنع الحروب الكبرى عبر الردع المتبادل. لكن التطوّرات العسكرية والتكنولوجية والاستخباراتية أظهرت أن ميزان القوة الحقيقي ما زال يميل بوضوح نحو القوى المدعومة غربياً، فيما بقيت الأطراف الأخرى في موقع الدفاع ومحاولة منع الانهيار الكامل للمعادلات القائمة.
وفي خلفية هذا التحول، برز عامل أساسي أعاد رسم المشهد الإقليمي: عودة الإمساك الأميركي الواسع بمفاصل المنطقة. فرغم كل الكلام عن تراجع النفوذ الأميركي، أثبتت التطورات أن الولايات المتحدة ما زالت اللاعب الأكثر قدرة على التحكم بإيقاع الشرق الأوسط، من العقوبات المالية إلى ملفات الطاقة والمفاوضات والتحالفات العسكرية. حتى القوى التي رفعت شعار المواجهة مع واشنطن، عادت بشكل أو بآخر إلى التفاوض غير المباشر معها أو إلى التعامل مع التوازنات التي ترسمها.
وهنا تحديداً بدأت الشعارات القديمة تفقد فعاليتها، لأن المنطقة اكتشفت أن الصدام المفتوح مع النظام الدولي الذي تقوده الولايات المتحدة يحمل كلفة هائلة لا تستطيع دول المنطقة تحمّلها لسنوات طويلة، خصوصاً مع الانهيارات الاقتصادية التي تضرب معظم دول الشرق الأوسط.
ومع سقوط مفردات المواجهة المفتوحة، بدأت مفردات جديدة تدخل بقوة إلى التداول: “التهدئة”، “الترسيم”، “الاستقرار”، “الممرات الاقتصادية”، “الضمانات الدولية”، “إعادة الإعمار”، وخصوصاً “السلام”. وهذه الكلمة التي كانت تُقدَّم في بعض البيئات السياسية كأنها تنازل أو ضعف، عادت اليوم لتصبح هدفاً سياسياً واقتصادياً وأمنياً تسعى إليه دول كثيرة في المنطقة، ولو بطرق مختلفة وعبر تسويات تدريجية.
فالشرق الأوسط المتعب من الحروب لم يعد يبحث عن “المعركة الكبرى”، بل عن منع الانهيار الكبير. ولم تعد الأولوية لرفع الشعارات العقائدية بقدر ما أصبحت لحماية الاقتصاد، تثبيت الاستقرار، جذب الاستثمارات، وتأمين مستقبل أكثر هدوءاً.
لذلك، فإن سقوط مفردات مثل “وحدة الساحات” و”محور الممانعة” و”توازن الرعب” لا يكشف فقط تبدّل الخطاب السياسي، بل يعلن دخول المنطقة مرحلة جديدة تتراجع فيها لغة المحاور والصدامات الكبرى، لمصلحة لغة المصالح والتفاهمات الدولية، في ظل نظام عالمي ما زالت الولايات المتحدة تمسك بجزء أساسي من مفاتيحه من المتوسط حتى الخليج.
سعد شعنين - موقع MTV
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|