"يواجهون الخطر بقلوب مؤمنة بواجبهم الوطني"... الحجار ينعى شهيدي الدفاع المدني
الحبتور يطرق أبواب أصول الدولة… هل تبدأ مرحلة “الحجز الدولي” على طيران الشرق الأوسط MEA؟
أنا لم أخرج من لبنان سعيداً، ولا لأنني لم أحتمل الخسارة. خرجت لأنني لم أعد أقبل أن أكون شاهداً صامتاً على انهيار دولة.” بهذه العبارة اختصر رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور واحدة من أخطر القضايا الاستثمارية التي تواجه لبنان منذ بداية انهياره المالي. لكن القضية اليوم لم تعد مجرد نزاع مالي بين مستثمر ودولة، بل تحولت تدريجياً إلى اختبار دولي مرعب لقدرة لبنان على حماية ما تبقى من سمعته المالية والسيادية، وسط مخاوف متزايدة من أن تتحول الأحكام الدولية إلى بوابة لتفكيك أصول الدولة اللبنانية قطعةً قطعة.
في التسعينيات، دخل الحبتور إلى لبنان كمستثمر استراتيجي ضخم. ضخ مئات ملايين الدولارات في قطاع الفنادق والسياحة، وأسّس مشاريع أصبحت جزءاً من المشهد الاقتصادي البيروتي، من “الحبتور غراند” إلى “متروبوليتان بالاس” وغيرها. يومها كان لبنان يروج لنفسه كواحة مالية في الشرق الأوسط، واقتصاد حر قائم على الانفتاح المصرفي وجذب الرساميل الخليجية والعربية. بدا المشهد مستقراً، والفنادق مليئة، والأرباح تتدفق، فيما كان المستثمر الخليجي يعتبر أن أمواله في بيروت أكثر أماناً من كثير من أسواق المنطقة.
لكن بعد انهيار 2019، اكتشف المستثمرون أن النظام الذي بدا صلباً لعقود لم يكن سوى هيكل هش قائم على تدفقات مالية خارجية وفوائد مرتفعة وهندسات مالية معقدة. فجأة أغلقت المصارف أبوابها، وتبخر الدولار، وتحولت الودائع إلى أرقام جامدة في أجهزة الكمبيوتر. بالنسبة للحبتور، لم تعد المسألة مرتبطة بخسارة أرباح أو تراجع استثمارات، بل بتجميد ما يقارب مليار دولار داخل نظام مصرفي مغلق، ومنعه من الوصول إلى أمواله أو تحويلها بحرية. هنا تحديداً، خرج النزاع من الإطار التجاري ودخل أخطر أبواب القانون الدولي.
استناداً إلى قواعد التحكيم الدولي واتفاقيات حماية الاستثمار الموقعة بين لبنان والإمارات، تبدو فرص الحبتور مرتفعة جداً في الحصول على حكم لصالحه. فالقانون الدولي الاستثماري يعتبر أن حرمان المستثمر من أمواله أو فرض قيود طويلة الأمد على التحويلات قد يرقى إلى “مصادرة غير مباشرة للاستثمار”، حتى لو لم تصدر الدولة قرار مصادرة رسمياً. هذا المفهوم استخدم سابقاً في قضايا مشابهة ضد دول واجهت أزمات مالية أو فرضت قيوداً استثنائية على الرساميل، وانتهى الأمر بأحكام بمئات ملايين الدولارات.
لكن ما يخيف لبنان فعلياً ليس فقط احتمال خسارة الدعوى، بل اليوم التالي لصدور الحكم. فالمعضلة الكبرى ليست قانونية فقط، بل مالية وسيادية. الدولة اللبنانية اليوم عاجزة عملياً عن الدفع النقدي، واحتياطات مصرف لبنان محدودة، والخزينة تعاني انهياراً غير مسبوق، ما يفتح الباب أمام سيناريو بالغ الخطورة: الانتقال من مرحلة “الحكم القضائي” إلى مرحلة “التنفيذ على الأصول”.
هنا تبدأ أخطر فصول القضية. فبحسب الآليات القانونية المعمول بها في تنفيذ أحكام التحكيم الدولية، يستطيع الحبتور، في حال حصوله على حكم نهائي من مركز ICSID في واشنطن، أن ينتقل إلى محاكم الدول التي توجد فيها أصول مرتبطة بالدولة اللبنانية أو بمؤسسات تابعة لها. وبما أن الإمارات موقعة على اتفاقية نيويورك لعام 1958 الخاصة بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية وتنفيذها، فإن الطريق القانوني يصبح واضحاً نسبياً.
الخطوة الأولى قد تبدأ بالحصول على حكم نهائي يُلزم لبنان بدفع تعويض قد يتراوح – بحسب التقديرات – بين 400 و700 مليون دولار. بعدها، يتقدم فريق الحبتور أمام المحاكم الإماراتية بطلب تنفيذ الحكم الأجنبي، مستنداً إلى اتفاقية حماية الاستثمار بين لبنان والإمارات وإلى القوانين الإماراتية التي تعترف بأحكام التحكيم الدولية. المحكمة هنا لا تعيد مناقشة أصل النزاع، بل تكتفي بالتأكد من أن الحكم نهائي، وأن الإجراءات القانونية سليمة، وأنه لا يخالف النظام العام الإماراتي.
بعد تصديق الحكم، تبدأ المرحلة الأخطر: البحث عن “أصل سيادي ذي طابع تجاري” يمكن التنفيذ عليه. وهنا يبرز اسم شركة طيران الشرق الأوسط كأحد أكثر السيناريوهات تداولاً داخل الأوساط القانونية. فشركة MEA مملوكة بنسبة شبه كاملة لمصرف لبنان، وبالتالي تُعتبر مرتبطة بالدولة اللبنانية، لكنها في الوقت نفسه تمارس نشاطاً تجارياً بحتاً عبر نقل الركاب وبيع التذاكر وتحقيق الإيرادات.
وهنا تحديداً تسقط إحدى أهم الحجج التقليدية المتعلقة بـ“الحصانة السيادية”. فالقانون الدولي يميز بين الأصول السيادية المحمية، كالسفارات والطائرات الرئاسية والمعدات العسكرية، وبين الأصول التجارية التابعة للدولة. الطائرات التجارية لا تُعامل كأصول سيادية خالصة، بل كأصول قابلة للتنفيذ في بعض الحالات.
وفق هذا السيناريو، يستطيع فريق الحبتور، بعد تصديق الحكم في الإمارات، التقدم بطلب “حجز تحفظي عاجل” على إحدى طائرات MEA فور هبوطها في مطار دبي أو أبوظبي. ويصدر قاضي التنفيذ أمراً بمنع الطائرة من الإقلاع إلى حين تسوية النزاع أو دفع المبلغ المطلوب. عندها تتحول القضية من نزاع مالي هادئ داخل أروقة المحاكم إلى مشهد مدوٍّ أمام الرأي العام العربي والدولي: طائرة لبنانية محتجزة على أرض مطار خليجي بأمر قضائي دولي.
الأخطر أن السيناريو لا يتوقف هنا. فإذا عجز لبنان عن التسوية أو الدفع، قد تنتقل القضية نظرياً إلى مرحلة البيع بالمزاد العلني، حيث تُباع الطائرة لتغطية جزء من قيمة التعويض. صحيح أن معظم القضايا الدولية لا تصل إلى هذا الحد بسبب التسويات السياسية والمالية قبل التنفيذ النهائي، لكن مجرد الوصول إلى مرحلة الحجز يشكل ضربة هائلة لصورة لبنان المالية والسيادية.
هذا السيناريو ليس خيالاً قانونياً. فقد شهد العالم سوابق مشابهة، أبرزها قضية شركة Crystallex ضد فنزويلا، حين وافقت المحاكم الأميركية على الحجز على أصول مرتبطة بشركة Citgo النفطية، وقضية رجل الأعمال الألماني سيديرمان ضد روسيا، حيث تم الحجز على مبنى ذي استخدام تجاري مرتبط بالدولة الروسية في ألمانيا. كما شهدت أفريقيا قضايا حجز على عائدات نفطية وأصول تجارية تابعة لدول متعثرة.
المشكلة بالنسبة للبنان أن القضية لا تتعلق فقط بطائرة أو أصل مالي، بل بانهيار صورة الدولة نفسها أمام المستثمرين والمؤسسات الدولية. فمجرد الحديث عن احتمال توقيف طائرة MEA في مطار دبي كفيل بإرسال رسالة كارثية إلى الأسواق: لبنان لم يعد قادراً حتى على حماية أصوله التجارية من الملاحقة الدولية.
في ضوء هذا المشهد، يبرز سيناريو التسوية المسبقة للتنفيذ بوصفه الأرجح، غير أن هذه التسوية قد لا تقتصر على تعويضات مالية مباشرة، بل قد تمتد إلى تنازلات هيكلية طويلة الأجل. وتشمل الخيارات المتداولة منح حقوق انتفاع أو تشغيل لأراضٍ وعقارات عامة عالية القيمة على الواجهة البحرية، أو تفويض إدارة مرافق استراتيجية ذات مردود اقتصادي مرتفع ككازينو لبنان، ومرفأي بيروت وطرابلس، ومطار بيروت الدولي، ومطار القليعات المنتظر إنشاؤه. وفي هذا الإطار، تحتفظ الدولة بالملكية القانونية للأصول، فيما تنتقل الحقوق التشغيلية وعوائد الاستثمار إلى الجهة المعنية بموجب عقود امتياز قد تمتد لثلاثين عاماً أو أكثر، مما يحول التسوية من تسوية نقدية آنية إلى ترتيب هيكلي طويل الأجل يربط جزءاً من الإيرادات السيادية بآجال زمنية ممتدة.
وهنا يكمن الرعب الحقيقي. فلبنان الذي لا يملك السيولة قد يجد نفسه مضطراً للدفع من “لحم الدولة الحي”: أراضٍ، مرافق، امتيازات، وربما أجزاء من الاقتصاد المنتج نفسه. وعندها لا تعود القضية مرتبطة بالحبتور وحده، بل تتحول إلى سابقة قد تفتح الباب أمام عشرات المستثمرين الآخرين للمطالبة بحقوقهم بالطريقة نفسها.
في هذه اللحظة، يصبح السؤال أكثر خطورة من مجرد خسارة دعوى: هل يتحول الانهيار المالي اللبناني تدريجياً إلى عملية تفكيك بطيئة للأصول العامة تحت ضغط الأحكام الدولية؟ وهل تصبح المرافئ والعقارات والامتيازات السيادية أدوات سداد بديلة لدولة عاجزة عن الدفع النقدي؟
ما يجري اليوم لم يعد مجرد أزمة مصرفية أو نزاع استثماري، بل معركة على ما تبقى من هيبة الدولة اللبنانية. فالدول لا تنهار فقط عندما تفلس… بل عندما تبدأ المحاكم الدولية بطرق أبواب أصولها السيادية والتجارية حول العالم.
"ليبانون ديبايت" - د. رياض أسعد هلال
انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب
تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.
انضم الآن| شاركنا رأيك في التعليقات | |||
| تابعونا على وسائل التواصل | |||
| Youtube | Google News | ||
|---|---|---|---|