الصحافة

أعصاب الاقتصادات متضرّرة أو مشلولة: الخليج تحت صدمة الحرب

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

تتراجع دقّة الأرقام في أوقات الحروب والنزاعات، حيث يصبح كلّ ما يصدر عن الجهات المعنيّة مجرّد تقديرات قد تحتوي على مبالغات أحياناً، أو قد تقلّل من أهمية ما يحدث أحياناً أخرى، ولا سيما عندما يتعلّق الأمر بالحديث عن الخسائر العسكرية والاقتصادية للأطراف المتحاربة أو المتأثّرة بهذه الحروب والنزاعات. وهذا ما يبدو مفهوماً في ضوء حسابات تلك الأطراف، التي قد تعتبر الكشف عن الحقيقة إضعافاً للروح المعنوية، أو اعترافاً بالهزيمة، أو تشكيكاً في روايتها عن الحرب وأهدافها. في الحرب الأخيرة على إيران، تحمّلت دول الخليج جزءاً ليس بالقليل من الأضرار، لا بل ربّما تكون الأضرار التي لحقت بها هي الأكبر من حيث حجمها وبعدها الاستراتيجي. وإذا كانت التقديرات الوحيدة المُتاحة إلى الآن، والتي مصدرها «البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة»، تتحدّث عن خسائر اقتصادية إجمالية للمنطقة تتجاوز 200 مليار دولار، فإن دول الخليج تستحوذ على ما بين 52 و84% منها. على أن توقّعات المحلّلين والمجموعات الاقتصادية الكبرى في العالم تذهب إلى أن الحصيلة النهائية للخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة لدول الخليج، ستكون أكبر من ذلك بكثير مع الانتهاء من حصر القطاعات المتضرّرة، وتحديد الفرص الضائعة أو ما يُسمّى بفوات الإيرادات، فضلاً عن الأثر المستقبلي المُتوقّع.

ثلاثة قطاعات أساسية

قد يعتقد البعض، من منظور اقتصادي بحت، أن خسارة دول غنية بالثروات لما بين 150 و200 مليار دولار، ليس أمراً كارثياً تَصعب معالجته، كما هو الحال بالنسبة إلى دول أخرى كسوريا، التي تجاوزت خسائرها الاقتصادية 600 مليار دولار بعد 15 عاماً من الحرب؛ أو لبنان الذي تعرّض لعدوانَيْن: الأوّل في العام ما قبل الماضي والذي تجاوزت خسائره من جرّائه 14 مليار دولار بحسب منظمات أممية، والثاني المستمرّ منذ آذار/ مارس الماضي، والذي فاقت الأضرار الناجمة عنه 5 مليارات دولار، وفقاً لبعض التقديرات غير الرسمية. إلّا أن ثمّة أحياناً دلالات أبعد من الأرقام، تتعلّق بجانبين: الأول، طبيعة القطاعات التي تتوزّع عليها هذه الخسائر وإسهاماتها في الناتج المحلي الإجمالي الوطني؛ والثاني، انعكاسات الأضرار على الحياة العامة في الدول المعنيّة.

تتوزّع خسائر دول الخليج الاقتصادية على ثلاثة قطاعات أساسية، أولها قطاع النفط والغاز والصناعات المرتبطة به، والذي يتحمّل الخسارة الأكبر الناجمة عن توقف جلّ صادرات دول المنطقة بسبب إغلاق مضيق هرمز، وإعلان العديد من الشركات الوطنية والأجنبية المستثمرة في هذا القطاع توقّف أعمالها وفقاً لمبدأ «القوة القاهرة»، إضافة إلى تضرّر بعض المنشآت النفطية والغازية من جرّاء استهدافها. وإذا كانت التقديرات الأولية تتحدّث عن أن قيمة الصادرات النفطية اليومية من دول الخليج، التي كانت تمرّ عبر المضيق، تتجاوز المليار دولار، فإن «لبّ» الخسائر يكمن في قيمة الأضرار التي لحقت ببعض المنشآت النفطية، وبالنفقات الإضافية التي ستُرغَم الشركات على دفعها بغية إعادة الإنتاج من الآبار والمنشآت التي اضطُرّت إلى التوقف، والأهمّ هو الوقت اللازم لذلك، وما يعنيه من تأخّر في تحقيق بعض الخطط والمشاريع الاقتصادية والتنموية المُقَرّة مُسبقاً.

أمّا القطاع الثاني فهو السياحة والسفر، والذي بات يشكّل بالنسبة إلى دول من مثل الإمارات وقطر والسعودية وغيرها، مصدراً هاماً للإيرادات واجتذاب الاستثمارات، علماً أن أهميته تأتي من الفائض الذي كان يسجّله سنوياً في معظم هذه الدول. وطبقاً لبيانات «صندوق النقد العربي» للعام ما قبل الماضي، فإن ميزان المدفوعات لتجارة خدمات السفر سجّل فائضاً قدره 28.5 مليار دولار لدى الإمارات، ونحو 4 مليارات دولار لدى البحرين، وحوالى 13.2 مليار دولار لدى السعودية، وزهاء 1.1 مليار دولار لدى الكويت، ونحو 5.7 مليارات دولار لدى قطر، فيما سجّلت عمان خسارة بلغت قرابة 351 مليون دولار. لكن منذ الأيام الأولى لبدء الحرب، أصاب الشلل التامّ قطاع السياحة، بفعل توقّف حركة الملاحة الجوية والمطارات، وإلغاء الحجوزات الفندقية والمجموعات السياحية، وصولاً إلى تأجيل المؤتمرات والفعاليات الإقليمية والدولية. وكما هو معروف، فإن السياحة تكون دوماً في أوقات الحروب والنزاعات والتوترات أول المتأثّرين وآخر المتعافين؛ وإلى أن تتمكّن دول الخليج من استعادة معدّلاتها السابقة في السفر والسياحة، فإن هذا الوقت يمثّل خسارة إضافية قد تؤدّي إلى حدوث ركود كبير، وما يصاحب ذلك من تسريح للعمالة وإقفال أو بيع لبعض المنشآت.

ويبرز ثالثاً قطاع الخدمات المالية، الذي يضمّ التأمين وأسواق المال والاستثمارات، ويمثّل أيضاً عصباً رئيساً لاقتصادات دول الخليج، إذ يواجه هذا القطاع تحدّيات متزايدة في ظلّ التطورات الأخيرة، أبرزها ارتفاع عدد المطالبات بالتعويضات لدى شركات التأمين، فضلاً عن اضطرار هذه الشركات إلى رفع أقساط التأمين ضدّ أخطار الحروب. وفي السياق، تذهب توقّعات المحلّلين والشركات الكبرى إلى أن المرحلة القادمة قد تشهد خروجاً أو تجميداً لبعض الاستثمارات الأجنبية في دول الخليج، وتأجيلَ مشاريع كبرى بالنظر إلى العجز الحاصل في معظم موازنات تلك الدول، إلى جانب التقلّبات في البورصات الخليجية.

ويضاف إلى ما تقدّم، ما تشكّله الاستثمارات الأجنبية الوافدة إلى الخليج من نسبة ليست بالقليلة مقارنة بدول عربية أخرى. وفي هذا الإطار، تُظهِر بيانات صادرة عن «المؤسسة العربية لضمان الاستثمار» أهمية تدفّقات الاستثمار الأجنبي إلى المنطقة؛ إذ استحوذت تسع مدن خليجية، متوزّعة بين الإمارات والسعودية وقطر، على مواقع ضمن قائمة أبرز 20 مدينة عربية استقطبت استثمارات أجنبية في عام 2024. وبلغت حصّة هذه المدن نحو 16.5% من إجمالي تكاليف المشاريع الاستثمارية الأجنبية التي استقبلتها الدول العربية، والبالغة نحو 119 مليار دولار، في حين تصدّرت دبي الحواضر الخليجية باستقطابها نحو 7.7 مليارات دولار، وتلتها الرياض بـ2.5 مليار دولار، ثمّ الدوحة بأكثر من مليارَي دولار.

حسابات أمنية هشّة

تتجلّى فداحة الخسائر الاقتصادية بشكل أوضح عندما يلتمس الناس آثارها مباشرة، وهو ما شهدته دول الخليج خلال الفترة الماضية، مع تراجع حركة السفر وخلوّ المطارات لفترة طويلة من المسافرين، وانخفاض أعداد السيّاح والمتسوّقين في الأسواق غير الغذائية، وغير ذلك. ورغم الجهود الحكومية لاحتواء وقع صدمة الحرب ومحاولات طمأنة السكان عبر التجوّل بينهم، ظلّت المخاوف قائمة بشكل أو بآخر. ولعلّ ما خرج به تقرير «البرنامج الإنمائي» للأمم المتحدة الأخير، والذي توقّع فقدان أكثر من 3 ملايين فرصة عمل جراء الحرب على إيران، مثّل أحد أوجه تلك المخاوف، فيما من المُتوقّع أن تشهد المرحلة المقبلة خروج آلاف المقيمين والوافدين من وظائفهم وتوقّف أعمالهم، الأمر الذي من شأنه زيادة الضغوط على الموازنات العامّة، والتسبّب بتراجع تحويلات العاملين إلى بلدانهم، على غرار ما حدث عقب الأزمة المالية العالمية عام 2008.

وفيما تمكّنت السلطات في الدول المعنيّة من معالجة هواجس السكّان المرتبطة بتوافر السلع الغذائية - رغم موجة الإقبال الشديد عليها في الأيام الأولى للحرب -، لا تزال المخاوف قائمة، لدى الحكومات والمواطنين على حدّ سواء، بشأن احتمال استهداف محطّات تحلية المياه على شواطئ الخليج. وبحسب البيانات الدولية، فإن المنطقة تضمّ أكبر عشر محطات تحلية في العالم، إلى جانب عشرات المحطّات الأخرى التي يعتمد عليها ما بين 6 و90% من سكان الخليج لتأمين مياه الشرب. ومن شأن أيّ استهداف لهذه المنشآت، في حال حدوثه، أن يؤدّي إلى خلق مشكلة مجتمعية لا سابق لها، خصوصاً أن المخزونات الاحتياطية من المياه غير قادرة على سدّ احتياجات جميع السكان، وأنه لا توجد بدائل داخلية من المياه الجوفية أو السطحية.

وفي السياق نفسه، تشير البيانات الرسمية إلى أن قيمة الواردات الزراعية إلى دول الخليج وصلت في عام 2023 إلى نحو 42 مليار دولار، يمرّ جزء كبير منها عبر مضيق هرمز. وبالتالي، فإن استمرار الحرب وإغلاق المضيق من شأنهما رفع كلفة تلك الواردات وأسعارها في الأسواق الخليجية. وخلافاً لما يشير إليه البعض من أن الحرب أثبتت هشاشة اقتصادات دول الخليج، فإن الأصحّ هو القول إن هذه البلدان بنت اقتصادات ناجحة ومتقدّمة، إلا أنها استندت في ذلك إلى «أوهام» أمنية؛ إذ اعتقدت أن تحالفها مع الولايات المتحدة سيكون ضمانة لحماية هذا الازدهار الاقتصادي، ليتبيّن لها خلالَ الحرب أن الأولوية هي لحماية إسرائيل، وإسرائيل فقط.

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا