الصحافة

رميش وعين إبل: صامدون ولكن كيف ينظر إلينا جيراننا؟

Please Try Again
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر خدمة واتساب...
اضغط هنا

الوطن في مناخات ألبِر كامو هو المكان الذي نرفض مغادرته حتى لو صار مقبرة. ولكم ينطبق هذا التحديد على أهالي رميش وعين إبل ودبل الباقين فيها، والذين يجسدون اليوم مشقة الانتماء حين يغدو عبئاً ثقيلاً.
هناك، في أقصى الجنوب، يزرع الأهالي التبغ في تربة تفتقد كل شيء إلا ذكريات ما مضى، وينتظرون أن يتحسن المناخ السياسي والعسكري في بلاد أدمنت خذلانهم.

في رميش، التي يقيم فيها اليوم نحو ستة آلاف من أصل أحد عشر ألفاً مسجلاً من أهلها، يستمرون في حياتهم وسط هدير المجنزرات الإسرائيلية ودوي التفجيرات التي تمحو مدن جيرانهم وبلداتهم وقراهم : عيتا الشعب، مارون الراس، حانين، بنت جبيل... مشهد محزن يعيد إلى الأذهان تاريخاً من العنف، ما زالوا يتناقلون عن آبائهم وأجدادهم بعض أخبار فصوله في مرحلة نشوء "لبنان الكبير".

خيار الصمود
يدركون في قرارتهم أن بقاء بيوتهم واقفة لم يكن نتيجة حظ أو مداخلات دبلوماسية، بل ثمرة خيارهم الوطني والسياسي منذ رفضهم، قبل اتفاق القاهرة 1969 وبعده، استخدام أراضيهم ممرات ومنصات للمسلحين تحت شعار "تحرير فلسطين". دفعوا أثماناً باهظة من التهميش والتخوين عبر عقود، لكن التاريخ أنصفهم: ذاك الرفض القديم كان الدرع الحقيقية الوحيدة التي صانت بلداتهم من مصير الرماد والغبار.
حتى اليوم لم تطأ أقدام الجنود الإسرائيليين تراب بلداتهم، لكنهم يسمعون دوي التفجيرات في الجوار. والسؤال الذي ينهش طمأنينتهم: هل سيحافظ الجيش الإسرائيلي على هذه المسافة "الآمنة" إذا طال أمد الحرب؟ في كل الأحوال ينتظرون بصبر وأمل عودة الجيش اللبناني الذي انسحب نهاية آذار الماضي، ولا يقبلون، بسواه مظلةً وحيدة فوق أرضهم.

الجيرة المكسورة
في رميش، يطرح السؤال نفسه بمرارة: كيف ينظر إلينا جيراننا الشيعة الذين أزيلت قراهم من الوجود؟ هل نتحول في نظرهم إلى "عملاء" لمجرد أننا تشبثنا بالبقاء في أرضنا وانتمائنا إلى الجمهورية اللبنانية، في حين تخلت عنا؟

في علم النفس الجماعي، لا شيء يكسر وجدان جماعة أكثر من "نظرة التخوين". العمالة ليست مجرد جرم قانوني، بل عار اجتماعي يُراد به اغتيال الهوية المعنوية لأناس لم يرتكبوا إثماً سوى أنهم رفضوا الرحيل.
يروي الأهالي بألم يوماً اضطروا فيه، تحت الضغط الإسرائيلي، إلى الطلب من ضيوفهم مغادرة من البلدة، وهم أصدقاء وجيران وشركاء من قرىً مجاورة كانوا يستضيفونهم. كان ذلك الموقف جرحاً للكبرياء والوجدان، غصة لا تُمحى.

ضريبة الدم
ولا يكتمل المشهد من دون ذكر الشهداء. في عين إبل، قضى الشبان جورج خريش، إيلي عطالله دحروج، وشادي العمار في غارة إسرائيلية وهم يصلحون شبكة الإنترنت ليبقوا بلدتهم موصولة بالعالم. وفي دبل، استشهد الكاهن بيار الراعي بعدما رفض ترك رعيته. هؤلاء قدموا ضريبة الدم الصامتة التي يدفعها من اختاروا الصمود.

خزان الهوية
رميش ليست نقطة على الخريطة. هي، مع دبل وعين إبل، مثلث عنيد في تشبثه بالأرض ودولة لبنان ومن بين أبنائها مئات الشباب يخدمون في الأسلاك العسكرية والأمنية الشرعية. عدم وجود نائب يمثلهم في البرلمان يزيد شعورهم باليتم السياسي، رغم بعض الجهود الشخصية التي يبذلها نبيه بري في متابعة مطالبهم.
وفي ظل انقطاع السبل، حضرت مساعدات محدودة من "محفظة السامري" وسعى السفير البابوي والبطريركية المارونية لكسر العزلة.
في عام 2026، يبدو الجنوب جغرافيا محكومة بذاكرة الفواجع. رميش وأخواتها لا تنتظر المعجزات، بل تنتظر أن يكف التاريخ عن اعتبارهم "زائدة" في جسد الوطن. البقاء هنا ليس امتيازاً، بل عذاب: وقوف يومي في وجه الموت، وتهمة جاهزة، ودموع تُسكب سراً على الجيرة.
ويقولون إنهم قرروا منذ اللحظة الأولى البقاء حتى الموت، لأنهم لا يقبلون بديلاً من بيوتهم أو من لبنان الذي يبدأ بالنسبة إليهم من تلال أرضهم... أو لا يكون.

ايلي الحاج- المدن

انضم إلى قناتنا الإخبارية على واتساب

تابع آخر الأخبار والمستجدات العاجلة مباشرة عبر قناتنا الإخبارية على واتساب. كن أول من يعرف الأحداث المهمة.

انضم الآن
شاركنا رأيك في التعليقات
تابعونا على وسائل التواصل
Twitter Youtube WhatsApp Google News
انضم الى اخبار القناة الثالثة والعشرون عبر قناة اليوتيوب ...
اضغط هنا